الحوار المتمدن - موبايل



-دم مختلط-

إلهام مانع

2017 / 5 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


"دم مختلط"



كتابان.
وأبنتي.
كان عليها أن تقرأ كتابين الأسبوع الماضي.
واحد بالإنجليزية والأخر بالفرنسية.
هي في الثانوية.
في مدرسة سويسرية.
وجزءٌ من دراستها يتطلب منها إتقان لغتين، إضافة إلى لغة التدريس الألمانية.
وبالطبع تتكلم لغة أمها العربية.
كان عليها أن تقرأ الكتابين، ثم تختار مقاطع منها، ثم تتحدث عن حبكة القصة والمقاطع التي اختارتها بلغة الكتاب مع مدرستها/مدرسها.
وقد فعلت.

ما يهمني هو الكتاب باللغة الإنجليزية: "اتبعي سياج الأرنب".
كتاب إسترالي، كتبته دوريس بيلكنغتون، نُشر عام 1996. يحكي قصة حقيقية.
قصة أمها.
والجيل المسروق من سكان إستراليا الأصليين ـ الأبوريجين.
هم الذين سكنوا القارة الأسترالية والجزر المحيطة بها قبل الاستيطان البريطاني. واليوم يشكل السكان الأصليون حاليا ما نسبته 2.4% من مجموع سكان أستراليا.

بين عامي 1910-1970 اتبعت الحكومة الاسترالية من المستوطنين البيض سياسة عنصرية.
عمدت إلى نزع أطفال سكان أستراليا الأصليين من ذويهم، وخاصة لو كانوا/ن من عرق مختلط.
أي من أب أبيض وأم ابوريجين.
كانت رؤية الحكومات الأسترالية المتعاقبة أن السكان الأصليين "عرق أدنى"، وأن الأفضل نزع أطفالهم/طفلاتهم منهم/ن "للرقي بهم/ن" في مستعمرات خاصة كي يتعلموا ثقافة الرجل المستوطن.
وكانت القناعة السائدة أن الأطفال من دم مختلط لديهم فرصة أكبر للتعلم.

لك عزيزي القاريء، عزيزتي القارئة، أن تتخيلا وقع وتأثير هذه السياسات على الأطفال وأهلهم.
تخيلا لو انتزعت منكما الحكومة أبناً أو أبنة لكما بحجة أن عَرقكما أدنى؟
ياوجعي.

الكتاب يحكي قصة ثلاثة فتيات، إحداهن أم الكاتبة، مولي.
أخَرجتهن السلطات قسرا من بين ذويهن.
وقصة هُروبهن الناجحة من مستوطنة حكومية عام 1931.
في رحلة على أقَدامهن، نحو 1600 كيلومتر.
عرفن الطريق من السياج.
لأن أم مولي نبهتها إلى أن الطريق إلى منطقتها سهل الوصول إليه. كل ما عليها فعله هو اقتفاء أثر سياج هائل تمت إقامته لإبعاد الأرانب في غرب أستراليا.


قصة مؤلمة.
تحكي عن تاريخ عنصري مُوجع.
اعتذرت عنه الحكومة الأسترالية، بعد أن اعترفت بحدوثه، وواجهته في سلسلة متعاقبة من سياسات خُصصت للتعامل مع نتائج ما حدث، إلا أن السكان الأصليين لازالوا يدفعون ثمن ذلك الماضي إلى اليوم.

وأبنتي قَصت علي الحكاية، وهي متألمة.
"أي تاريخ شنيع هذا"، قالت لي.

"نعم هو تاريخ شنيع."
رددت عليها.
"ويُظهر أن العنصرية داءٌ في الإنسان أينما كان."
"لكن العبرة الحقيقية هي أن استراليا تواجه ماضيها، رغم صعوبة فعل ذلك".

ذاك الكتاب يدُّرس في مدارسها، كما تفعل مدارس سويسرا أيضا.
والهدف أن يتعرف الطلاب والطالبات على هذا الماضي، عن العنصرية التي كانت تَنز منه، ونتائجها.
الهدف إدانة ما حدث كي لايتكرر.
تماما كما يقرأوا ويقرأن عن المحرقة النازية والفظائع التي ارتُكبت حينها.
كي لاننسى الوحش الرابض فينا.
نرُوضه ونتغلب عليه.

وتذكرت ما يحدث لدينا.
عن العنصرية التي تنخر فينا.
في شبه الجزيرة العربية، في موريتانيا، والسودان، مصر، وفي مناطق عديدة من بلداننا، نُصنف الإنسان بأصله.
كأن الإنسان في حد ذاته لايكفي.

أصلي إنسان.
أليس هذا الأصل كافياً؟

نسمي إنساناً خضيريا، إذا استقر في منطقة وجَهل أصله وانقطع نسبه عن القبيلة.
والكلمة ليست مدحاً.
يحدث هذا لدينا.
ننظر إلى إنسان على أنه أدنى إذا امتهن "صنعه".
يحدث هذا لدينا.
وصاحبُ البشرة السوداء، لون أسود، يسموه همساً "عبداً"، "زنجياً".
يحدث هذا في كل بلدان المنطقة العربية.
وهناك فئة "الحراطين" في شبه الجزيرة العربية وموريتانيا، ينتمون إلى فئة عبيد محررة، ولازالوا يعانون إلى يومنا هذا.
وفي اليمن لدينا أكثر من مليون يمني، يتم تصنيفهم "أخدام".
أتحدث عن المهمشين اليمنيين من ذوي البشرة الداكنة.
وآه لو كنت مهمشاً في اليمن.

والمصيبة لو اختلط الدم.

"دم مختلط". "عرق مختلط".
أعرف ذلك من واقع عايشته في اليمن.
من صديقات من زيجات مختلطة.
ومن أمي، ذات الدم المختلط، يمني ومصري.
تماماً كدمي، ودمِ أبنتي. مختلط.
وليس في اختلاط الدم ما يعيب.
هو في الواقع أفضل للجينات.
لكننا لانرى ذلك.
نعيش في قوالب فكرية متحجرة عاف عليها الزمن.
ولذا، حان وقت مواجهتها.
العنصرية داءٌ في الإنسان أينما كان.
هنا وهناك.
لكن العبرة الحقيقية هي في مقدرتنا على مواجهتها والقضاء عليها.
كي نواجه الوحش الرابض فينا.
ونحترم الانسان. كإنسان.
أليس هذا الأصل كافياً؟


أستراليا تسعى جاهدة لفعل ذلك.
ونحن؟







التعليقات


1 - أستراليا مشكورة تدرس الكتاب وتواصل الاستعمار ههههه
عبد الله اغونان ( 2017 / 5 / 19 - 18:25 )

أستراليا
الويلات المتحدة
اسرائيل
كلهم يتظاهرون بالحضارة
وقد بنوها على جماجم شعوب
تدرس اسرائيل المحرقة النازية لليهود
في نفس الوقت تمارس في الواقع محرقة ضد فلسطينيين

ياللمغااااااااااااااااااااااااااااااااالطات

اخر الافلام

.. هجرة وتهجير المسيحيين العرب.. مؤتمر بالدوحة يدق ناقوس الخطر


.. الحصاد- المسيحيون العرب.. بين المواطنة والتهجير


.. كل يوم - المنطقة بعيون واشنطن .. لماذا لا تعلن أمريكا -الإخ




.. اختتام مؤتمر -المسيحيون العرب في المشرق العربي- بقطر


.. خطى العذراء تفتح كنز الرهبنة..العذراء تبارك وادى النطرون فته