الحوار المتمدن - موبايل



عائد من ندوة علمية (4) بورتريه وانطباعات

العربي عقون

2017 / 5 / 19
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الجبل في شمال أفريقيا ليس شكلا تضاريسيا تعْمُره الوحوش الضارية وتغطيه الأحراش في هذا السفح والغابات الكثيفة في السفح الآخر وتتعدد فيه الأودية والجروف والأغوار والقمم الشاهقة ... فحسب ، ولكنه سبَق السهل فكان مأوى وملجأ الإنسان الأول ثم موطنا لجماعات سكانية ظلت تعْمره حتى عرفت الكثير من الجبال باسم الجماعات التي توطّنت فيها فهذا جبل وسلات وذاك جبل الشعانبي (تونس) وهذه جبال القبايل وأولاد نايل ... (الجزائر) وهذا جبل نفوسة (ليبيا) ... وعلى مرّ القرون كان الجبل قاعدة خلفية ونقطة ارتكاز وحصنا تحتمي به ساكنته في الظروف الصعبة وكان على تلك الجماعات أن تتكيف مع بيئة الجبل الصعبة فاتخذ تعميرها أشكالا يمكن تتبع خط تطورها من الملاجئ الطبيعية التي كانت المسكن الأول لإنسان العصور الحجرية إلى التجمعات القروية التي اتخذت شكل القلاع المحصنة طبيعيا ؛ ومن هذه الجبال كانت تنطلق دائما الحركات المقاومة للغزاة وفي هذه الجبال ظلت المجتمعات تمارس حياتها في استقلالية تامة في كثير من الأحيان عن السلط المركزية مما أهلها للاحتفاظ بتراث أصيل يعبر في جوهره عن حضارة وثقافة متميِّزة لكل بلاد المغارب .
https://youtu.be/rlH4UxafvmU
ونظرا لما لهذا الموضوع من أهمية قصوى فقد تنبهت الجهات المعنية في الوسط الأكاديمي والثقافي في الجامعة التونسية (وهي مشكورة) إلى ضرورة التكفل بهذا التراث وذلك بإعداد ملف علمي شامل عن القرى الجبلية في تونس يمكن في حال تقديمه إلى الهيئات الوصية أن تدرَج ضمن التراث الإنساني العالمي وهذا هو هدف منظمي هذه الندوة ، فضلا عن دمج هذه القرى في الحركة التنموية عموما وفي مشاريع السياحة الثقافية بالتحديد ، وفي هذا الإطار كان قد تم تنظيم الندوة الأولى ( 18-19 مايو 2012) بعنوان "القصور والقرى الجبلية ببلاد المغرب : التاريخ والتراث والتنمية " ، وقد نشرت أعمالها في كتاب صدر في 2014 بعنوان "التوطين والمشاهد التعميرية في المجالات الجبلية بالبلاد التونسية : دراسات في التاريخ والآثار" ، وكان النجاح الذي حققته الندوة الأولى مشجّعا مما جعل المنظمون يعدّون العدّة لعقد ندوة ثانية وتوسيعها لتشمل كل المغارب وقد تحقق ذلك بحيث انتظمت في أيام 15 – 16 – 17 من شهر مايو 2017 ومايو كما هو معروف هو شهر التراث وهذا في فندق يوغرطة بمدينة قفصة وجمعت نخبة من الأكاديميين من تونس والجزائر والمغرب وكانت المداخلات ثرية ومتنوعة جمعت بين مجالات شتى في التراث المادي واللامادي .
الموضوع في حد ذاته كان قد استهوى الأوربيين فكتبوا فيه باستفاضة وكان من هؤلاء عسكريون وأنتروبولوجيون وكثير منهم كانوا من الهواة ولكن كانوا وهم يعدّون أعمالهم يتوفرون على كل الإمكانيات فضلا عن أنّ البلاد حينئذ كانت بكرا لا يزال فيها قسم هام من التراث حيا في مختلف تفاصيل حياة البلاد الشمال-افريقية ومن الطبيعي أن تكون "الذاتية" في كتاباتهم وإذا كان البعض يعيب عليهم رؤاهم "الاستعمارية" فيكفيهم أنهم دونوا فأنقذوا تراثا كان آيِلا إلى الزوال والانقراض وإذا كان البعض يصفون هؤلاء بقلة الموضوعية فإننا نتمنى ألاّ يقعوا هم بدورهم في قلة الموضوعية وألاّ يمارسوا كل فنون الزيف عندما يتعلق الأمر بهوية البلاد وتاريخها وألاّ يتمترسوا خلف شعارات بائسة ووطنجية زائفة حين الكلام عن ضرورة إدراج الامازيغية في مقررات تخصصات العلوم الإنسانية وتخصص التاريخ بالذات حتى لا نقع في اجتهادات "بائسة" من نوع "حرطان" تعني حرّ ثانٍ و"توات" من يواتي ، كما سمعت في إحدى المداخلات ....
إذن هناك حلقة مفقودة في أبحاثنا التاريخية والإنسانية والاجتماعية عموما والطوبونيمية منها على وجه الخصوص وهذه الحلقة هي تغييب تامّ للّغة التاريخية لشمال أفريقيا وعدم إدراجها في موادّ ومقررات المسارات الدراسية في التاريخ والآثار وهل يمكن أن يكون هناك بحث جادّ في التراث وفي الطوبونيميا بالذات في ظلّ الإصرار على تغييب اللغة الليبيكية Le Libyque التي تحولت إلى الشفوية منذ قرون طويلة ولكنها لا تزال حية على ألسنة الملايين ولا نظنّ أنّه يوجد بلد متحضّر يعادي لغته التاريخية مثل ما يحدث في منطقتنا المغاربية مع أنّه يفترض أن تتكفّل النخبة الجامعية بهذا الموضوع لإخراجه من الطابوهات لا أن تتركه للآخرين وراء البحر يتصرفون فيه كما يريدون وكما ينوون ويخططون ، مع أنّ هناك بوادر طيّبة جديرة بالاهتمام في هذا المجال ويتعلق الأمر بمداخلة الأستاذة بنحميدة صغيرة من جامعة صفاقس ، المهتمة بإعداد معجم للطوبونيميا الأمازيغية ومتحف لمنسوجات منطقة القصور الامازيغية في الجنوب التونسي.
في الأخير نتوجه بالشكر الجزيل العميم إلى المشرفين والمنظمين وعلى رأسهم منسق الندوة الأستاذ بوكثير مسطاري على الحفاوة وكرم الضيافة وإلى كلّ الأساتذة المشاركين الذين سبقني اسمي إليهم وأخص بالذكر الأستاذ عبد الحميد بعيطيش رئيس قسم التاريخ بجامعة باتنة والأستاذ محمد برشان نائب عميد كلية العلوم الإنسانية بجامعة بشار.







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | مقتل 13 شخصًا وإصابة آخرين بهجمات انتحارية نس


.. أخبار عالمية | #ترامب: مستعدون لحرب مع #كوريا_الشمالية لدرجة


.. طائرة معطلة تتحول إلى متحف فريد!




.. الملك عبد الله الثاني يستقبل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبا


.. حرائق غابات في جزيرة كورسيكا الفرنسية