الحوار المتمدن - موبايل



إلى المطران هيلاريون الكبوجي

عادل بن خليفة بالكحلة

2017 / 5 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


إلى المطران هيلاريون (جورج) الكبّوجي،
عزيزي الأب... لا ترحل!!..
د. عادل بالكحلة
(باحث في الأنثروبولوجيا، الجامعة التونسية)

كنت رجل دين بحق... حملت صليبا على ظهرك وليس على صدرك، كما يفعل الفرّيسيّون والصّدّوقيّون من رجال الدين غير المتديّنين، من المسلمين ومن المسيحين.
فكنت زيلوتيّا، مقاوما، كما كان سيدنا المسيح، ذلك المناضل العربي- السوري، وكنت فضوليّا (نسبة إلى حلف الفضول)، كسيدنا محمد ضد غطرسة قريش وخيبر.
بقيت شابا، حتى في عز سنواتك التسعينية، تكرز من أجل مسيح عصرك: الشعب الفلسطيني المصلوب على خشبة الإمبريالية الغربية والصهيونية المتهوّدة والمتمسّحة والمتأسلمة.
أيّها السوري، القادم من حلب، لم تختر المسيح وراثة، بل اخترته قدوة أمثل من أجل الحياة والحرية وحقوق الفقراء والمستعمرة أراضيهم ولذلك، لم تختر الإقامة الهانئة في حلب الرخاء الاقتصادي وحلب الموشحات غير الملتزمة بالحياة آنئذ، بل خيّرت أن تكون أبا فلسطين المعذّبة، المصلوبة، حتى تقوم من بين الأموات. كانت مغامرة أن تدخل القدس، الفتاة الجميلة السبيّة، عام 1965. وهنالك كنت المسيح الزيلوتي والرّحمة للعالمين، لأن فلسطين هي العالمين، فانخرطت في حركة التحرّر الفلسطيني، وكنت تنقل السلاح على سيارتك الخاصة من لبنان الكرامة والشهادة إلى فلسطين القيامة، حتى تفطّنت إليك عميلة الدولة البيزنطية المعاصرة، «إسرائيل»، وكان قرار سجنك 12 سنة.
تذكّرت صديقي المرحوم، الشيخ عبد الناصر الجبري الذي كان يحمل بندقية وهو في زيّه الديني، عام 1982، مقاتلا عن بيروت، ومفتيا بحرمه الخروج منها تحت القصف الصهيوني.
وهنا أتذكّر أن مجلّة كانت تتكلم باسم اليمين الديني التونسي كتبت عنك عام 1978، لكي تحجب عنا وجهك الجميل وتدعونا إلى عدم الاعتراف بك لأنك «....»... لم يكن هناك عرفان ولا تصوّف في الإسلام التونسي إنئذ لكي يسقي أرواح طفولتنا بالسنة السادسة الابتدائية، ولكننا عرفناك من صور الصحافة اليومية، تكرز دائما: « عندما يسألني أحد عن أصلي ونسبي، أقول له: (أنا عربي!)»...ورأيناك تصيح مع المسلمين من أجل القدس وضد الإساءة للنبي محمد مع المسلمين: « الله أكبر! »...
ورأيناك تبادر بعد شهر فقط من انتصار الثورة الإيرانية إلى السفر إلى طهران، لا لتبارك لصديقك في الإبراهيميّة والثورة من أجل العدل، «الخميني»، فقط، بل أيضا لتؤسس معه استراتيجية المقاومة العربية - الإيرانية الجديدة للعدو الأمريكي – الصهيوني، بعد عقود طويلة من عداء إيران للحق العربي. كنت عظيما في تلك الزيارة، لأنك أثبت آنئذ أنك قسّيس، أي كارزا باسم عيسى الإنسان، أخي محمد الإنسان، تعرف قيمة الأخوة الاستراتيجية القائمة على العقل والخادمة للحق الفلسطيني... بعيدا عن العصبيّة الطائفيّة.
ورأيناك منذ بداية الحرب العالمية على سوريا عام 2011، تعلن أنها جزء من مخطط صهيوني- أمريكي لتأسيس «الشرق الأوسط الأمريكي الجديد»، فتقود المظاهرات في رومة، وتزور دمشق لتشد أزر قيادتها ومعارضتها الوطنية معا، وتبشرّ بالمسجد والكنيسة باسم سلام سوريا، وتكون أحد أعضاء الوفد السوري إلى مفاوضات جنيف للسلام. وأصررت على عدم الموت إلا لما ترى حلب، مدينتك الأصلية، حرّة... فأمثالك يستجيب لهم الرحمان الرحيم...
« طوبى لكم أيها المساكين فإن لكم ملوكت الله. طوبى لكم أيها الجائعون فإنكم سوف تشبعون. طوبى لكم أيّها الباكون الآن، فإنكم سوف تضحكون. طوبى لكم متى أبغضكم النّاس، وعزلوكم، وأهانوا إسمكم ونبذوه كأنه شرّير، من أجل إبن الإنسان»
«ولكن الويل لكم أيها الأغبياء، فإنكم قد نلتم عزاءكم!»
الفرنسيون يتكلمون كثيرا، أمّا الذين وهبوا أنفسهم للحياة فهم يعرفون ماذا يجب أن يقولو بأقل الكلمات...
الثوّار يعملون ولا يتكلمون.
ترى مسلما بأسطول الحرية يقرأ القرآن، فتطلب منه: «آسمعني سورة مريم يا إبني!»، لأنك تحب تلك السورة الصورة، إذ تسمعها قبل نومك، فهي في رأيك « تصوّر أحسن تصوير حياة سيدة النساء» لديك.
كنت رجل عمل وفداء وتضحية، فلم تترك مخطوطات، ولم تكتب مواعظ ولا جدلا لاهوتيّا ولم تدوّن خطبا سياسية، رغم تمكنك الكبير من العربية الفصحى واللاتينية والايطالية، ومطالعتك اليومية لأهم الجرائد، خاصّة العربية. كانت كلماتك محدودة جدّا : « فلسطين»، «سوريا»، «العرب»، «المقاومة»، «الوحدة» ،«الحق»، « الصهيونية سارقة»... لا شيء غير ذلك...
يا للثّائر الزّيلوتي!! علمت العرب الثرثارين، الذين خانوا القضية، أن العروبيّة فعلا هي العمل الكثير والكلام الدقيق القليل، وأن الكدح إلى إله العدل أهمّ من الكتابة...
ها أنك تدفن إلى جانب والدتك في بيروت، في حضن أمّك بلاد الشام... لم يستهوك قبر مقدّس في رومة ولا غيرها، ولم يعجبك إلاّ الرّحم المقدّس الذي أنجبك، غير بعيد عن دمشق، وغير بعيد عن القدس...
تجربة "جورج" الكبّوجي، الشّاب حتى اللحظة الأخيرة، هي تجربة الكدح الزّيلوتيّ، تجربة دينيّة عميقة تغور في مأساة الإنسان، تصّاعد في الحب الإلهي حتى الفناء...فعلا أنت إبن الإنسان، ولست إبن هؤلاء الفرّيسيين، أشباه الإنسان، من المسلمين والمسيحيين...
أرجوك استوطن قلوبنا، لا ترحل...
أنت "جورج"، أي "الخضر"... والخضر هو ملهم المكافحين الكادحين الخالد... فأرجوك، خذ ما شئت من استراحة المحارب، ولكن ارجع... فحلب تنتظرك، وقدسك تنتظرك...عد مع سيّدنا المسيح على حائط دمشق، يدك على سيفه من أجل سوريا الكبرى الجديدة وفلسطين الحرّة، وللانتصار الناجز والنهائي على الظلم البشري والإمبريالية والعصبية العنصرية.
فأمثالك من أهل الحب يجب أن لا يموتوا...
المهدية، 3/12/2016







اخر الافلام

.. الاشتباكات المسلحة بين القوات الفلبينية وتنظيم الدولة


.. شمالي سوريا... الخشية الروسية من التصعيد التركي


.. روسيا والنيتو.. مخاوف المواجهة الوشيكة




.. اتهامات لحفتر بتسهيل خروج مقاتلي تنظيم الدولة من درنة


.. أميركا والناتو.. علاقات يكتنفها الغموض ويتهددها الأسوأ