الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الماضويّةُ وعيٌ استلابيّ

يوسف أحمد إسماعيل

2017 / 5 / 20
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ليست الماضوية عباءة دينية نصرخ للخروج منها، بل هي وعي ومنهج في التفكير، وبسمتها الشموليّة تلك تشكِّل عائقا،ً ومنحًى تسلّطياً استلابياً؛ يجب الخروج منه إلى فضاء رحب من الحرية في التفكير نحو المستقبل، وليس نحو الماضي المنجَز.
الماضي تحقَّق، وترك آثاره على خطوطنا وخطواتنا الراهنة، والتفكير فيه خارج بلاغة الاعتبار ضرب من السلفية المحبطة، والعبث خارج منظومة العقل الواعد بالنهوض والتغيير. وببساطة ودون تعقيد، لم يحدث في تاريخ الأمم أنْ عادت حقبة تاريخية انقضت للتحقّق مرة ثانية في الواقع الجديد؛ لأن أي منجز على أرض الواقع مرتبط بالشروط الموضوعية المحيطة بتحقّقه. والشروط الموضوعية متغيّرة، ودائمة الحركة باتجاهات مختلفة؛ ولذلك لا تتكرّر أو تُنسخ، وإن تقاطعت مع سابق ما، في بعض التعارضات. وهي بدورها لها سمتها الخاصّة أيضاً، على الرغم من ذلك.
ولهذا فإنّ دولة الخلافة لن تعود، كما أنّ الابن لن يعيد إنتاج أبيه، وليس في ذلك حسرة، بل موضوعية دافعة للحياة/ المستقبل، بدلاً من الانغماس في الماضي/ الموت. الماضي يمثّل الكهف الرطب خارج بلاغة الاعتبار. وبلاغة الاعتبار تكمن في الكنز الذي يحتويه الماضي، ولكنْ عند من يعرف قراءته؛ أمّا العيش فيه باعتباره كنزاً مادياً قابلاً للحياة أو التداول فهو الاختناق برطوبة الكهف، والاكتفاء ببريق الكنز دون لمسه.
الماضوية تمثّل وعياً، حين نركن للمألوف، ونخشى التجريب؛ فالمألوف لا جديد فيه، ولا ابتكار ولا متعة اكتشاف؛ ولذلك فهو غير زاهٍ، حتى في حياتنا اليومية. على وعينا أن يتسم بالجدّة مع كل صباح جديد. الصباح لا يكرر نفسه، وإشراقة الشمس أيضاً لا تكرّر نفسها. وحتى ندرك معنى الجدّة في الصباح علينا أنْ ندرك أيضاً معنى الجدّة في الغروب، فكلاهما لا يتشابهان ولا ينقضيان أيضاً، ومستمران في الحياة، وينعمان بقدرتهما على الإدهاش. فالإدهاش، إذاً، حالة مرتبطة بالحاضر القادم، وليس بالماضي المنكفئ، والسلفيّة انهيار في الوعي، وفشل في التجربة، ونكوص في العيش؛ تعتمد الماضي على أساس أنّه المستقبل، تفرّغ الزمن من سيرورته، والواقع من حضوره، والإنسان من قدراته؛ لأنه لن يكون فيها غير ببغاء يعيد تقليد الأصوات، ولن ينجح بمحاكاتها، حتى شكليا، باعتبار أنّ عقله لا يعمل؛ وإنما يعيد تلميع عقول من قضوا. وبذلك يشكل وعينا السلفي عائقا في وجه تحرّرنا، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.
فثقافيا لا يسمح الوعي السّلفيّ بوضع المنجَز الماضي تحت بقعة الضوء، مهما كان بسيطاً وعابراً، لسببين رئيسين: الأول الإحساس بالفشل، وعدم الثقة بالنفس لإنتاج ما هو أفضل، أو لما كانت عليه الحياة في الماضي، أو القدرة على إبداع حلول جادّة للأزمة الوجودية التي يعيشها الوعي السلفي. الثانية أنّ حصانة الماضي تتماهى مع المقدس، ولذلك سُيِّج بالمأثورات الكثيرة التي تَمنع قراءته خارج ذلك التّماهي، بمعنى خارج إطار المديح والثناء. ومَن يتجرّأ على اختراق المقدّس، بالقِدم، سيحشر نفسه في فئة المهمّشين الخارجين من ساحة العقل إلى منطقة اللاعقل، حيث يقيم المجنون، والطفل غير الراشد، والشاعر باعتباره ممَّن يتبعهم الغاوون. وهؤلاء جميعا يجمعهم خطاب الجنون، حيث تسيطر الروابط المخيالية بين الإنسان والحيوان.
واجتماعياً؛ تتمدّد سلطة التابو عبر وعينا السلفيّ على كل صور حياتنا الاجتماعية، فالخروج من العائلة الضيّقة للتعبير عن الخصوصية والابتكار والتميّز، هو تمرد غير محمود إنْ لم يُدَن. وعمل المرأة، وإنْ سُمح به، ضرب من الرفاهية أو الحاجة الاقتصادية الملحّة، والزوجة المُثلى هي المتماهية مع أم الزوج نهاراً، ومع شهوانية أنثى البار في الظلمة، والولد البارّ مَن انساق بطواعية كإسماعيل، والفاضلة مَن امتلكت طهر البتول وعفّة الملائكة... في إطار هذا الوعي النمطي لخوض الحياة، لا حياة إلا للموت والهزيمة، حيث العقل يفسح المجال للجنون، أو الهذيان بما يشبه الإدراك. فتتحول الحياة إلى طعمها المألوف، وتكثر بدع الاستنساخ والاعتقاد بأن الحياة الجماعية والفردية تعيد إنتاج نفسها. وتغدوا شطحات الاستنساخ، والعودة الفردية إلى الحياة بعد الموت سمة العصر، والوعي الذي يتحكم بنا.
أمّا سياسياً، فالماضويّة رديف الاستبداد والسلطة الدكتاتوية، وإنْ تناحرتا في لحظة صراع. أو بدتا بثوبَيْن مختلفين؛ فالاستبداد يتماهى مع الماضوية في إيقاف سيرورة الزمن عند ماهيّته، وتلميع منجزه على أنّه منتهى المراد والصواب والصحة والإبداع، ولذلك يتماهى منجزه مع المقدس، بالقِدم، أيضا الذي لا يقبل التمحيص والفحص والقراءة إلا بغاية الثناء والمديح، وفي حقله يتشكل أيضا ما يوازي خليفة الله على الأرض، أو يماهيه؛ وهو الحاكم الأب والرمز والمطلق والقائد الفذ والملهم. ومن هنا تتشارك الماضوية والدكتاتورية في سلطة المقدس، وتحاربان معا ضد التغيير والتفكير الحر والإبداع والتجديد؛ فتلك المرجعيات تهدّد التابو عند كلّ منهما، وتدفع بالمجتمع للتخلص من العبودية الاستلابية لكليهما. والماضوية تتماهى مع الاستبداد من حيث مرجعية الوعي المضادّة للتعدّد والاختلاف والاكتشاف. فتلك المفاهيم حين تُفعَّل تخرّب بنية التفكير في جوهر الماضوية، وفي جوهر الاستبداد، وفي ثبات التابو عند كليهما. يضاف إلى ذلك أنّ ثيمة الاختلاف، كفعل خلّاق تتناقض مع الوحدة والسكون والتفرد والثبات والديمومة التي يعيش عليها الاستبداد، وترجوها الماضوية.
ولذلك كلّه، تمثّل السلفية وعياً ومنهجاً، بعيدا عن البعد الديني لبعض الجماعات، في حياتنا بمجملها، فنخضع لثيماتها، ونعيش مع حيثياتها عبودية استلابية بألوان مختلفة، لا يشكّل، في إطارها، الانقلاب العسكري الفردي على السلطة مخرجا، وإنما يعزز تجذرها في حياتنا بحكم الفردية وإعادة إنتاج الاستبداد والاستلاب. كما أن الانقلاب على السلطة في إطار الإجراءات الثورية الأولية لا يشكل غاية ينتهي عندها التخلّص من الوعي الماضوي؛ وإنما بداية للخروج من عوائق العبودية الاستلابية التي يعيش فيها المجتمع العربي، ولذلك فالثورة يجب ان تكون ثورة في الوعي بخروجه إلى الحرية في التفكير والإنجاز والفعل الحضاري.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. احتجاجات الطلبة في فرنسا ضد حرب غزة: هل تتسع رقعتها؟| المسائ


.. الرصيف البحري الأميركي المؤقت في غزة.. هل يغير من الواقع الإ




.. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحكم في مستقبل الفورمولا؟ | #سك


.. خلافات صينية أميركية في ملفات عديدة وشائكة.. واتفاق على استم




.. جهود مكثفة لتجنب معركة رفح والتوصل لاتفاق هدنة وتبادل.. فهل