الحوار المتمدن - موبايل



المركزية الغربية والمركزية السنية

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 5 / 30
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


المركزية الغربية والمركزية السنية
المركزية الغربية (Western Centrism) هى اعتبار الغرب لنفسه او اعتبارالحضارة الغربية لنفسها التي بدات البواكير الاولى لها في عصر النهضة في القرن الثالث عشر والاصلاح الديني في القرن السادس عشر والتنوير في القرن الثامن عشر والحداثة في القرن التاسع عشر, هى المعيار في تحديد المفاهيم السياسية والمنطلقات العقلانية والمطارحات الفكرية والمتبنيات الايديولوجية والمسارات الثقافية والركائز الاقتصادية , والمحور الاساس والوحيد في الحكم والتقييم على نفسه اولا وعلى الاخرين من الشعوب والمجتمعات والثقافات والدول والاديان الاخرى ثانيا . وهذه المركزية لم تاتي من فراغ او قرار سياسي او استعمار عسكري او ثقافي – كما يصور البعض – بقدر ماجاءت من تراكم معرفي ومكتسبات اقتصادية وركائز علمية وابداعات تكنلوجية هائلة حققها الغرب لنفسه اولا , ثم تفضل بها الى باقي دول العالم . والحضارة الغربية انفردت عن سائر الحضارات السابقة في التاريخ (الاصلية منها والفرعية) – بحسب تصنيف توينبي – وخاصة الرافدينية والمصرية والهندية والصينية واليونانية والرومانية من حيث الانتشار والانطلاق بانها حضارة السهم وليس الدوائر , فالحضارات السابقة كان توسعها وتمددها وتاثيرها دائري , اي ضمن نطاق دائرة جغرافية معينة قد تكبر وتصغر بحسب المتغيرات السياسية والدولية , ولكن الحضارة الغربية انفردت عن جميع الحضارات الاخرى بان انتشارها وتاثيرها كان مثل حركة السهم الذي يخترق الدائرة الجغرافية للحضارات والبلدان والمجتمعات الاخرى , لذا تجد انماطها الثقافية وانساقها العلمية قد اخترقت جميع الشعوب في ارجاء المعمورة . وقد ذكر الكاتب العراقي عبد الله ابراهيم ان المركزية الغربية بدات مع الاستكشافت الجغرافية وتلازمت مع التطور في ميادين المعرفة والتنوير والحداثة والانماط السياسية والعسكرية والاقتصادية الاخرى المصاحبة لها , الذي ادى الى تبلور مفهوم (التمركز على الذات) بوصفها المرجعية الاساسية لتحديد اهمية وقيمة كل شيىء , واحالة الاخر الى مكون هامشي لاينطوي على قيمة بذاته , الا اذا اندرج ضمن سياق المنظور الذي يتصل يتصورات الذات الغربية . ولانريد الدخول في منظورات المركزية العربية وتجليتها وتطورها التاريخي وتطبيقاتها السياسية والثقافية لان كثير من الكتاب تناولوا هذا الموضوع بالتفصيل , واهمهم في ذلك ادوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) , الا ان الذي يهمنا الموضوع الاخر الملازم له في العالم الذي غفل عنه الباحثون , وهو المركزية السنية , والذي يختلف عن مفهوم المركزية الاسلامية الذي طرحه الكاتب العراقي عبد الله ابراهيم حول رؤية المسلمين لانفسهم في العصور الوسطى بانهم مركز العالم واشرف الموجودات وافضل المخلوقات . علما ان محمد اركون سبق ان رفض اصطلاح العالم الاسلامي الذي يذكره المستشرق البريطاني – الامريكي برنار لويس في كتاباته , لانه مفهوم شمولي وضبابي ويضم عدد كبير من المجتمعات والمجموعات البشرية المختلفة .
المركزية السنية : هى عبارة عن ممارسات وتصورات وسلوكيات ومفاهيم ثقافية تفرضها الاغلبية الاسلامية السنية على مجتمعها وشعوبها واتباعها اولا وعلى الطوائف والمذاهب العربية والاسلامية والاقليات الاثنية والدينية التي تعيش ضمن محيطها الجغرافي ومجالها الثقافي ثانيا . وقد بدات المركزية السنية بالتبلور والظهور منذ صلح الامام الحسن وتولي معاوية بن ابي سفيان الخلافة والزعامة واعلان قيام الدولة الاموية , وهو العهد الذي تلازمت فيه القوة والايديولوجيا في بوتقة واحدة انتجت السلطة القبلية الاموية ذات الهيمنة الدينية السنية . فكلنا يعرف ان اهم شروط ومحددات فرض الهيمنة المركزية هى توفير خاصيتين هما القوة (او العنف) والايديولجيا . القوة التي تعمل على الارغام والقسر وقمع الهوامش والاطراف والاصوات المخالفة , والايديولوجيا او العقيدة الدينية والسياسية والمذهبية التي تشكل اطارا من المشتركات من اجل انصهار المجموع في بوتقة واحدة من الاراء والتوجهات والمتبنيات , واعطاء الشرعية او مبررات العنف - حسب تعبير او وصف غرامشي - في ترسيخ سلطتها وهيمنتها على الاتباع والمجموع , ونجد هذا التطابق واضحا وظاهرا – ولاول مرة – في التاريخ الاسلامي في بداية تكوين وتاسيس الدولة الاموية , وهو التزاوج والتكامل بين العنف او القوة والارغام مع العقيدة والايديولوجيا الدينية التي اتخذت التسنن منهجا واهل الحديث مسارا والحشوية مرتكزا دلاليا , تبلور بصورة واضحة من خلال تقريب الامناء والفقهاء على هذا التزاوج والتكامل الذين انتشروا في ارجاء الدولة الحديثة للترويج والتبشير لهذا المشروع الذي اطلقوا عليه مجازا تسمية (عام الجماعة) , اي انصهار الجماعة في بوتقة واحدة من الافكار والمرويات والاتجاهات الدينية تحت عباءة معينة او رؤية محددة للدين , اطلق عليه لاحقا تسمية المذهب السني , الذي احتكر جميع المقولات والعقائد الارثوذكسية (الطريق الصحيح) الاسلامية - حسب تعبير محمد اركون – من خلال سرديات واساطير وقراءات دوغمائية واقصائية – سلطوية احتكرت الدين الاسلامي , تصاعدت رمزيتها بقوة في العصر العباسي الذي شهد تمددا لهذه المركزية واحتكارا مطلقا للعقيدة والسلطة , التي بلغت قمتها في الدولة العثمانية ومواجهاتها الدائمة مع الهوامش والمذاهب والاديان والاثنيات الاخرى المخالفة لها بالتوجه والثقافة . ومثلما اعتمدت المركزية الغربية على ارادة المعرفة وارادة القوة لفرض هيمنتها ومركزيتها وثقافتها على العالم اجمع , اعتمدت المركزية السنية على ارادة الايديولوجيا الاسلامية بحسب القراءة السنية – التي وصفتها بالصحيحة - وارادة القوة القامعة لكل الاصوات المعارضة والتوجهات المخالفة لها في العقيدة الدينية - السياسية , بل وحتى الاصوات والمذاهب الاسلامية الاخرى التي اعتمدت قراءة اخرى مغايرة للارثوذكسية الاسلامية , الا ان الاختلاف فيها ان المركزية الغربية قد اسست ونشرت القيم الليبرالية والتنويرية والحداثة والتكنولوجيا وغيرها , الا ان المركزية السنية لم تؤسس او ترسخ سوى القيم السلفية والماضوية والاستبداد والقراءة المتاخرة للدين الاسلامي والاقصاء الشامل للمخالفين من اصحاب المذاهب الاسلامية الاخرى , والاستعلاء على الاقليات والاثنيات والديانات التي صادف وجودها جغرافيا في المجتمع الاسلامي الكبير , ولم تفرز بالتالي او تنتج اي قيمة ايجابية عصرية في مجتمعها , ولم تساهم باي دور في النهضة الحضارية الحديثة , ان لم يكن العكس , فقد عملت على مقاومة هذه الحضارة ورفضها من خلال الارهاب والتشوية والتخوين , بسبب تعريتها لجميع المرتكزات والاساطير والمرويات والخيالات التي اسستها وفرضت من خلالها تفوقها وسلطتها ونفوذها على العالم الاسلامي , فكان رد الفعل عندها ليس التجاوب والتصالح والاعتراف بهذا القصور المعرفي والثقافي فقط , بل وانكاره ومقاومته وتخوينه وتكفيره واعتباره مسارا يستهدف وجودها ومركزيتها .
عبرت المركزية السنية عن نفسها من خلال مفاهيم وخيالات وتصورات متعددة لايمكن الاحاطة بها في مقالة مبسطة , وانما تحتاج الى دراسات مفصلة تعمل على تبويبها وتحليلها وتفكيكها , الا ان اهم تلك التصورات هى اضفاء المعاني الايجابية او السلبية على الشعوب والمجتمعات والاقليات , وتحديد السلوكيات والممارسات المقبولة منها او المرفوضة . فكما ان المركزية الغربية هى من تصنع - او صنعت - المفاهيم العصرية في العالم الحديث من قبيل التنوير والحداثة والديمقراطية وحقوق الانسان , وهى من تحددها على الاخرين , وتشمل بها من تريد من الدول والمجتمعات وتمنع عنها اخرين , فكذا الامرمع المركزية السنية في العالم الاسلامي التي لها ايضا نفس الامتياز من تحديد المفاهيم والقيم والايجابية والسلبية والخصال الاخلاقية , ومن تنطبق عليه هذه المفاهيم من الشخصيات والمذاهب والاقليات , الا ان الاختلاف فيها ان المركزية السنية معفية من تلك القواعد والقوانيين التي حددتها اوضعتها للاخرين , وهو سر الاختلاف عن المركزية الغربية التي اخضعت نفسها للنقد والتشريح والتقويم طوال عقود طويلة حتى لم يبقى عندها شيىء لم تنقده من قبيل المقدس والحداثة والتنويروالايديولوجيا والسرديات الكبرى وغيرها , فوصل الامر الى تبني منهجية مابعد الحداثة التي ارتكزت على نقد العقل نفسه والمعرفة ذاتها المتحققة منه , فيما ان المركزية السنية لم تقم او تؤسس على النقد والتفكيك فحسب , بل وعلى التعمية والاصطفاء للتاريخ الاسلامي والسلوكيات والاحداث المنبثقة عنه , واعادة غربلتها وتاويلها وفق اجندة خاصة تصب في مصلحة تلك المركزية وترسيخ هيمنتها وسطوتها , من خلال الارغام والقسر والقوة الناعمة او الحقيقية للاصوات المخالفة التي تهدف الى خلخلة تلك المركزية او التحرر منها .
لقد خضع الانسان المسلم ومن يعش معه جغرافيا من اتباع الديانات والاثنيات الاخرى الى نوعين من المركزيات : المركزية الغربية التي تريد الارتقاء به الى مصاف الحداثة والتنوير والتقدم عبر تبني سردياتها الخاصة بهذا الشان , والمركزية السنية التي تريد الحجر عليه والتضيق على افكاره والتقييد على اطروحاته بالتحرر والانعتاق من هذا الاستلاب المزمن الذي اوقعته به , وبما ان سدنة هذه المركزية وقادتها يعلمون جيدا ان تلاشي سطوتهم وانهيار ركائزهم لايكون الا من خلال قيم المركزية الغربية وانساقها الليبرالية والتنويريه , فانها عملت وبكل قوة وعزيمة على تهميش تلك القيم وتشويهها ونعتها بالالحاد والكفر والاباحية من جانب , وربطها مع الاستعمار والغزو الثقافي واستهداف الهوية والدين الاسلامي من جانب اخر. واعتقد بان اصلاح الواقع الاسلامي وادراجه في سياق الحداثة والتنوير والتنمية الشاملة , لايكون متاحا الا بتفكيك المركزية السنية وانهاء سلطتها , ليس على اتباع المذاهب والديانات الخاضعة لسطوتها فحسب , بل حتى على اتباعها وسدنتها ودعاتها , الذين يعيشون في اتون الاستبداد القبلي والتخلف الاجتماعي والارهاب السياسي والديني , واصبحوا بالتالي عالة ليس على مجتمعاتهم ودولهم فقط , بل حتى على المجتمعات الليبرالية الاخرى التي تورطت بهم , وبعقلياتهم القرو – سطية المتخلفة والمستعصية على التحديث والتنوير والتطور .







اخر الافلام

.. بوركينا فاسو: كيف جاءت ردود فعل الجالية المسلمة غداة هجوم وا


.. هل اعتذرت مديرة الفندق السويسري الذي طلب من نزلائه اليهود ال


.. تنظيم -الدولة الإسلامية- يجبر الشبان في دير الزور على القتال




.. أميركا تنتقد أوضاع الحريات الدينية بالسعودية والبحرين


.. الخارجية الأمريكية تنتقد الحريات الدينية في السعودية والبحري