الحوار المتمدن - موبايل



السلطة وحرية الفكر

فلاح أمين الرهيمي

2017 / 6 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


يقوم اختلاف الفكر مع الواقع من خلال اختلاف زمني (أي الأمس ليس مثل اليوم). ويقوم من حيث المكان (إن الذي في لندن وغيرها ليس مثل الذي في بغداد). ومن حيث الفردانية الشخصية لا يوجد مطلقاً إنسان يشبه إنسان آخر سواء كان عالم أو رجل دين أو أي إنسان آخر). وكما قال أب الاقتصاد الرأسمالي آدم سمث : (لو توحدت الأفكار لبارت السلع) ولذلك نشاهد مثال على ذلك محل بيع الأقمشة فيه أنواع وألوان مختلفة وكذلك محلات بيع الأحذية فيها ألوان وأحجام ونوعيات مختلفة وذلك لأن أمزجة الناس وأذواقهم مختلفة، مما يتقدم يتبين ما يلي : لو كان من السهولة والبساطة السيطرة على أذهان الناس مثلما يمكن السيطرة على ألسنتهم لما وجدت أي سلطة نفسها في خطر، ولما احتاجت أن تستعمل العنف ضد الآخرين ولما كان من البساطة إصدار أحكام على أنه هذا حق لديها وذلك باطل وهنالك مقولة للإمام علي ابن أبي طالب () : ((كلم الناس على قدر عقولها)). لأن فكر الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة إنسان آخر، ولذلك لا يمكن أي كائن كان أن يتحول أو يفرض إرادته ويتجاوز على أي إنسان آخر حقه الطبيعي أو قدرته على التفكير ورأيه الحر في كل شيء وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال العنف والإرهاب ومن خلال ذلك فإن السلطة الحاكمة تكون ظالمة لرعاياها ومغتصبة لحقوقهم عندما تحاول أن تفرض إرادتها على الآخرين على أساس أنه الحق وما يتعين عليه رفضه على أنه باطل. لأن هذه الأمور تعتبر حقاً خالصاً بكل إنسان لا يمكن لسلطة أو فئة أن يسلبه هذا الحق بالرغم من أن هنالك بعض الأفكار تحتشد بهذا القدر أو ذاك بأفكار مسبقة عجيبة تجعلهم ينساقون وراء أفكار الآخرين وهنالك مثل يقول (إن الإنسان يستطيع أن يخدع بعض الناس كل الوقت ويخدع بعض الناس بعض الوقت إلا أنه لا يستطيع أن يخدع كل الناس كل الوقت) وبالرغم من أن درجة الخضوع والتأثير على الأفكار يحصل عليها الآخرون بوسائل مفتعلة فإنه من المحال أن تمنع كل الناس من الاعتقاد بأن آراءهم الخاصة أفضل من آراء الآخرين لأن لكل إنسان وجهة نظر وأفكار خاصة به وحده.
إذن فمهما عظم الحق الذي تتمتع به السلطة الحاكمة في جميع المجالات، ومهما ساد الاعتراف بها على أنها تطبق القانون الذي تجتهد به وتفسره على أساس أنه يمثل الحق والحقيقة والعدالة الاجتماعية فإنها لا تستطيع منع الأفراد الآخرين من إصدار الأحكام التي تمتاز بها وجهة نظرهم وأفكارهم الخاصة. صحيح أن من حق السلطة الحاكمة أن لا تفرض حقها وإنما المفروض بها أن تبحث فيما يحقق مصلحتها. صحيح أن السلطة الحاكمة تستطيع أن تستعمل العنف والإرهاب على كل من يخالفها ولكن أكثرية أبناء الشعب مجمعون على أن هذا الأسلوب في الحكم يعارض ولا ينسجم مع الحق والحقيقة مما يؤدي في النهاية ومنطق التاريخ بأن هذا الأسلوب يؤدي بالسلطة الحاكمة للخطر.
إن أي إنسان لا يمكن أن يتخلى عن قناعته وحريته في التفكير والتعبير عنه إذا كان اعتقاده وقناعته بصحة وجهة نظره وأفكاره وخلاف ذلك فإن أية محاولة تقوم بها السلطة على إرغام الآخرين من ذوي الأفكار المتناقضة والمخالفة لها على أن لا يقولوا إلا ما تقرره السلطة الحاكمة فإن ذلك يؤدي في النتيجة إلى أوخم العواقب، لأن من الصعوبة على السلطة الحاكمة أن تفرض على الآخرين التزام الصمت إلى النهاية. هنالك ظاهرة شائعة بين أكثرية أبناء الشعب أنهم يبوحون بما يجيش في نفوسهم من أفكار ووجهات نظر للآخرين حتى في الحالات التي يحسن فيها الكتمان ومن خلال ذلك فإن السلطة الحاكمة تكون أشد عنفاً من أجل كتم الأصوات المعارضة وهذا يعني إنكارها على المواطن ممارسة حق من حقوقه في التفكير والتعبير عنه والدعوة لما يفكر به وعكس ذلك تكون عادلة ومحترمة ومحبوبة إذا سلمت له بهذه الحرية.
إن الدولة تكونت منذ أقدم العصور ومن خلال تطورها أصبح للدولة حقوق وعليها واجبات وكذلك للإنسان حقوق وعليه واجبات بينهم وبين الدولة ولذلك يجب أن لا يكون للدولة حق السيادة المطلقة أو إرهاب الناس وإنما قامت الدولة من أجل تحرير الإنسان من الخوف بحيث يعيش كل إنسان في حرية وأمان واستقرار أي يمتلك بالقدر المستطاع حقه الطبيعي في الحياة والعمل دون إلحاق الضرر بالآخرين أي أن الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل البشر الذين يمتلكون العقل الذي جعل الإنسان أذكى وأرقى من جميع الكائنات الحية ومن خلال امتلاكه العقل أصبح يمتلك لقب (أثمن رأسمال في الوجود). ولذلك عدم تحويل هذا الإنسان إلى بهيمة وآلة صماء وإنما يجب إتاحة الفرصة لأبدانهم وعقولهم أن تقوم بكامل طاقاتهم ووظائفها في أمن وأمان وطمأنينة واستقرار لكي تتفجر من عقولهم الطاقات الخلاقة وليس إشهار الأسلحة والحقد والغضب والخداع وإنما يجب معاملتهم دون ظلم وإجحاف. هذا يعني أن الغاية الحقيقية من قيام الدولة إصدار القرار من أكثرية أبناء الشعب وبما أن كل إنسان يختلف بتفكيره ووجهة نظره عن الآخرين ولذلك أن الإنسان في الدولة ليس من حقه أن يسلك كما يشاء ويرغب به وليس من حقه أن يخالف أو يتعدى حدود الكلام وأن يعتمد في كل سلوكه وتصرفاته على العقل وأن ذلك يعتبر من حقوق وواجبات الدولة على المواطن مثلما أصبح للمواطن حقوق وواجبات على الدولة في الأمن والأمان والاطمئنان والاستقرار والعمل وحرية التفكير والتعبير عنه مثال ذلك أن من حق المواطن أن يطرح رأيه في معارضة أحد القوانين وأعرب عن رأيه في إلغائه لأنه يتعارض مع المصلحة العامة أو يشكل إجحاف بحق حرية المواطن فإن هذا حق من حقوقه في طرح رأيه على الدولة لأن ذلك ليس فقط من حق الدولة أن تصدر القوانين وحدها وهي التي تلغي القوانين وحدها أيضاً ومن خلال ذلك يتضح بحق الفرد أن يستطيع بموجبها أن يعبر عما يفكر به وأن يطالب بحق من حقوقه دون أن ينال من حق الدولة ومن سلطتها.
ويتضح من خلال ذلك أن الأفكار التي يستطيع الفرد أن يعبر عنها للسلطة وعلى السلطة أن تحترم رأي المواطن لأن من واجبه أن يطرح للسلطة الديمقراطية لكي يكون عادلاً وكمواطن جزء من شعب تحكمه سلطة ديمقراطية لأن هذه الممارسة التي يستعملها المواطن يستعمل بها المواطن حريته في التعبير عن رأيه دون أن ينال من حق السلطة الديمقراطية. إن الدولة الديمقراطية حسب ما عرفها وفسرها الفلاسفة والمفكرين هي الدولة التي تسلم للفرد حرية الرأي والتعبير عنه بدون خوف من عقاب أو إرهاب وإذا كانت الدولة تسلب الشعب حريته والقضاء على استقلالهم بحيث لا يسمح لهم بالكلام والتعبير عن أفكارهم إلا بأمر الدولة مما تجعل أفكارهم تتناقض مع أفكار الدولة وتكون النتيجة أن يندفع الشعب بالتفكير المضاد للدولة وبذلك تفقد الثقة بين الدولة والشعب التي هي شرط ضروري للدولة الديمقراطية عند ذلك تلجأ الدولة إلى العنف والإرهاب مما يؤدي إلى انتشار الفساد الإداري والخداع والغش والرشوة وغيرها.
فلاح أمين الرهيمي







اخر الافلام

.. عقوبات أميركية على إيران بسبب عمليات تزييف للعملة اليمنية


.. بوتين والأسد.. وأجندة سوتشي


.. جدل -المعابر- بين أربيل وبغداد




.. ليبيا.. وأوكار العبودية


.. لبنان .. الأزمة السياسية ومواقف الجيش