الحوار المتمدن - موبايل



حديث -البْرِيكَة- أم الهَبْطة اللغوية الوشيكة؟!

محمد الحمّار

2017 / 6 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تضمّنَت ومضةٌ إشهارية تلفزية تُبث في شهر رمضان عبارة "هَبِّطْ البْريكة"***. وبالرغم من أن السياق الذي وردت فيه العبارة سياقٌ شعبي دارج وعامي إلا أن دلالتها تبقى غير مألوفة عدا في أوساط "الغَشة" أي الغش اللفظي الذي يتعمد بثّ إيحاءات جنسية هابطة. ففي تونس لا يقال "هبط البريكة" وإنما "هبط يِدِّكْ " أو "حُطْ البريكة" (في الصْحَنْ).

إنّ هذا الهبوط اللغوي دارجٌ في تونس منذ عقود وعُهود لكنّ بثه تلفزيا ليدخلَ البيوت من الباب الكبير هو الذي يُشكل ناقوس الخطر. فلا علاقة له لا بالشفافية ولا بالليبرالية ولا بالديمقراطية، ناهيك أن تكون له علاقة بالترويح عن نفوس الصائمين. بالعكس، إذا طالت الرداءةُ السِّجِل"السفلي" (الدارجة) للغةِ قومٍ فلنعلم أن السجل "العلوي" (الفصيحة) قد يكون به مرض، لأنه هو المضطلع بالرقابة والتعديل والترويض والتنقيح والتصويب. وإلا فليس هنالك قيمة للتعايش بين السجلين الاثنين.

بالتأكيد، على قدرِ ما يطمئنّ المرء لرؤية شبابنا في العقدين الأخيرين متعلقا باللغات الحية الأجنبية وعلى رأسها الانكليزية ما يعجبُ لنُفورهم ونُفور الناطقين باللغة العربية عموما من لغتهم ولتلاعُبهم باللهجة العامية في غياب الرقيب. ولئن استحقّت الانكليزية لقبَ الأميرة أو العشيقة أو الحبيبة فإنّ العربية هي اعتباريا الملكة والأمّ. فما الذي يتسبب في النفور من هذه الأخيرة رغم هذا الاعتبار إلى درجة أن الفساد اللغوي أصبح يُبث في أجهزة الإعلام، وما هي سُبل تعديل عقارب الساعة؟

ما من شك في أن الأميرة الانكليزية تعتلي حاليا عرش المعارف والعلوم والتكنولوجيا والإعلام وتحتفظ بمراتب عُليا في مجالات الفنون والآداب بينما الملكة تجدُ نفسَها فاقدةً لصلاحياتٍ معرفية وعلمية وأدبية لطالما تمتعتْ بها ومارسَتها في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية (ق 8 - ق 14 م). اليومَ
ربما كتابةُ الرواية والشعر بواسطة العربية الفصيحة متواصل إلى حدٍّ ما، وهو أضعف الإيمان. وربما مجال الإعلام هو الأكثر حرصا من سائر المجالات على تأمين حدِّ الكفاف في مجال الإتصال والتواصل بفضلها. لكن هاهو يخضع هو الآخر لإدراج ما لا يُدرَج من الدارجة عوضا عن حِفظه في الأدراج.

أضفْ إلى ذلك، وهو لُبّ المشكلة، أنه نادرًا ما تُكتب النصوص العلمية بالعربية ونادرا ما تُدرَّس العلوم بواسطتها. حتى وإن تمّ تعريب المواد المدرسية العلمية في عدد من الدول العربية فإنّ ذلك لم يُعطِ أُكله في مجالات الاكتشاف والاختراع والتكنولوجيا والصناعة. وبالتالي فلا طائل من وراء تعريبٍ لا يفي بالحاجة الكبرى، الحاجة إلى التطور والتنمية. وهذا مما يُنذر بضرورة إعادة تأمين التوازن الشامل حتى تكون اللغة العربية، بوجهيها السفلي والعلوي، حمّالة لسِمات التقدم والارتقاء.

ولعل الضعف اللغوي الموصوف، الذي يترجم ضعفا ذهنيا وعقليا و حضاريا شاملا، ينعكس أيضا، وهنا تكمن الخطورة القصوى، في القطاع التربوي والتعليمي حيث يلاحَظ أن الكثير من مُدرسي اللغة العربية ليسوا قادرين على تطوير التعبير عن الحياة المعاصرة بواسطة هذه اللغة الأمّ لدى المتعلمين. هُم فقط يعبّرون بها للناشئة عن حياة الشعر والأدب الغابرة وهي حياةٌ رغم أنها تشتمل على قيم كونية خالدة إلا أنها عملياّ لا تفيد في شيء طالما أن رافدَ الحياة المعاصرة بجميع جوانبه شبهُ مفقود في درس اللغة العربية والحال أنه لا يجوز أن تُعتمَد مدونةُ حياةٍ ولّت وانتهت في توجيهِ عقولِ المتعلمين نحو المستقبل. وهذا مما يجعل منه توجيهًا نحو مستقبلٍ غير زاهر ومُوَلدٍ لمزيدٍ من الركود.

إذن، مهما كانت الأسباب والمسببات التي أدت إلى استقالة اللغة العربية علميا وحضاريا ومَهما صحّ القول إنّ معلم اللغة إنما هو ضحية سيرورةٍ بحالها أو منظومة بطُمّ طميمها، وإنه ليس مسؤولا عن فشل اللغة وعن فشل ما يسندها من عقل فلسفي ووجودي وعلمي يعاني من حالة عجز، إلا أنّ المعلم يبقى ضحية استثنائية لا لشيء سوى لأنه اعتباريًّا المسؤول التنفيذي عن إصلاح ما فسَد.

لكن قبل ممارسة "المعلم الضحية" للإصلاح لا بد أن يبادر هذا المسؤول بالتفكير في أساليب التحرر الذاتي من الآفة التي أرْدَته ضحية. وأوّل ما ينبغي أن يفكر فيه هو "هل يعلم أن ما يعوزه هو المبادرة، المبادرة بتمرير رسالة العلم والتحضر إلى المتعلم عبر اللغة التي يدرسها؟". لكن كيف تتشكل الرسالة قبل أن تصل إلى المعلم فيتكفلَ بتمريرها في إطار درس اللغة العربية؟

يتمّ تشكيل الرسالة خارج إطار اللغة أوّلا قبل أن تُدرَج في المنظومة اللغوية الخاصة بدرس اللغة العربية. فالرسالة فكرٌ، وحين نعلم ما قاله بن خلدون من أنّ "اللغة أحدُ وَجهَي الفكر، فإذا لم تكن لنا لغة تامة صحيحة، فليس يكون لنا فكر تام صحيح" وحين نعلم أيضا أنه قد استحالت في الزمن الراهن العناية باللغة العربية مباشرة، أي من حيثُ النحو والصرف والتراكيب والبلاغة وما إلى ذلك من الأوجُه التقنية، حتى وإن تمّت العناية اللغوية بِنِيّة تطوير مضمون رسالة العلم والتحضر، نستنتج أنه يتوجب قلبُ الوضعية بما يعني لزومَ العناية بمضمون الرسالة في المقام الأول من أجل أن يرتقي الأداء اللغوي نتيجة لذلك. لكن هل أنّ معلم اللغة العربية وَحده مطالَبٌ ببناء الرسالة (فضلا عن مسؤوليته التنفيذية) وهل أنّ تبليغه إياها بالتزامن مع تنشيطه للجانب اللغوي من الدرس يستوجب تغيير منهج تعليم اللغات باتجاه إيلاء مضمون رسالة العلم والتحضر نفس المركزية التي يحظى بها الرافد اللغوي الصرف؟

لن أضيف شيئا جديدا من الناحية المقارباتية إذا أقررتُ أنّ درس اللغة من المفترض أن يتنازل شيئا ما على مركزية اللغة/المعلم لفائدة مركزيةِ المتعلم ومضامينِ ما يتعلمه حيث إنّ مختلف المقاربات العصرية تصبّ في هذا التوجه. لكنّ المشكلة أنّ في بلدنا، عدَا الانكليزية وربما بعض اللغات الحية الأخرى، لم يتّبع درسُ اللغة هذا التوجه العصري. لا مناهجُ تدريس اللغة الفرنسية اعتمدت المقاربة التواصلية أو الاندماجية أو الانتقائية (بسبب محافظة هذه اللغة على وضعها كلغة ثانية) ولا مناهجُ تدريس العربية أشارت ولو من بعيد إلى ضرورة إدماج واقع المتعلم في فعاليات درس اللغة. لكن حريّ أن نحدد المانع، إن وُجد، في تركيز درس اللغة العربية حول واقع المتعلم ما ظهر منه وما بطن.

إذا تركنا الموانع السياسية والإيديولوجية واللوجستية والمالية جانبا، أعتقد أنّ هنالك مانعٌ من الصنف المستعصي يحُول دون تعليم اللغة العربية مثلما تُتعلم اللغات الحية في البلدان ذات الأنظمة التعليمية المتطورة: مجتمعاتنا العربية تستقبل مكونات الواقع وتتفاعل معها إما بواسطة اللهجات العامية أو بواسطة اللغة الأجنبية. نأكل ونشرب ونتفسح ونتسوّق ونحبّ ونكره بالعامية لكننا نُعاشر السيارة ونسافر على متن الطائرة ونقتني الكماليات باللغة الأجنبية. أما المعارف والعلوم فلا أعتقد أننا نتعامل معها بأية لغة من اللغات، لا لشيء سوى لأنّ الانقسام الحاصل بين كتلة الواقع المعبّر عنه باللهجة العامية وكتلة الواقع المعبّر عنه باللغة الأجنبية من شأنه أن يعطّل تكوين العقل العلمي وذلك في غياب اللسان الرقيب، العربي الفصيح. والحالةُ تلك، هل ستُبنى الرسالة العلمية والحضارية على أنقاض واقعٍ هجينٍ وفوضوي و بِلا لغة؟! أم أنّ هناك أولوية أخرى تستهدف تمهيدَ الطريق أمام أولوية الرسالة إزاءَ اللغة بوصفها وعاءً للرسالة ؟

هنالك فعلا أولوية إضافية ألا وهي تحديد العلاقة بين اللغات. في هذا الصدد، لن أذهب إلى ما يذهب إليه بين الفينة والأخرى غلاة اللهجة العامية، ولا إلى ما يذهب إليه المبهورون باللسان الأجنبي والمحتقرون في نفس الوقت للسان الأُمّ، لن أذهب مثل هؤلاء إلى الدعوة لاعتماد اللهجة العامية عوضا عن العربية الفصيحة في الدراسة وفي الاتصال والتواصل مع أني أتفق معهم حول تبنّي اللغة الأجنبية في تدريس المواد العلمية (لكن بصفة وقتية كما سأشرحُ لاحقا).

فلننطلقْ من حقائق أُولاها أنّ اللهجة العامية إنما هي عربية، وثانيها ما بيّنتُه أنفا من وجودِ حالةٍ من الفصل الرهيب بين سِجلّ العامية وسِجلّ الفصيحة. وثالثُ هذه الحقائق ما عاينتُه من ضررٍ تسبّب فيه هذا الفصل. وبالتالي أرى أنّ استرداد المجتمع للُغته لا بدّ أن يمُرّ عبر المزاوجة بين العامية والفصيحة مع اعتماد اللغة الأجنبية "تيّاسا". كيف يتمّ ذلك؟

إذا اتفقَت النخب المعنية على هذا الأمر، حينئذ سيُزال العائق الكبير الذي يمنع تشكّلَ الرسالة العلمية والحضارية. طالما أضحَت هنالك أرضية منهجية مشتركة (ولا أقول لغة مشتركة بعدُ)، لن يصعبَ الباقي. حينئذ ستتّسع دائرة المشاركة في صياغة الرسالة لتضمّ كافة القوى الفاعلة في المجتمع. كما أنّ هذه القوى مطالبة بالوقوف إلى جانب المعلم، على الأخص معلم اللغة العربية، فتمنحَهُ صكا على بياض بخصوص تنفيذ بنود الرسالة.

هكذا، بفضل الإسهام المجتمعي والثقة الممنوحة للمعلم سيتسنَّى لهذا الأخير، بمعيّة سائر مكونات المجتمع، أن يُوفَر الشرط الأساسي: الاطلاع على أوجُهِ الحياة العصرية المختلفة وأيضا القدرة على محاورة التلاميذ حول الميولات والأذواق و النشاطات والرياضات والمهن المعاصرة وذلك من أجل توليد لا فقط مواقفَ وآراءً وأفكارًا وسلوكياتٍ جديدة وإنما في الآن ذاته توليد لغة عربية مجدَّدة تكون مبنيّة على الموروث الشفوي والكتابي وحتى على المادة الوافدة عبر اللغات الأجنبية. هكذا يكون معلم اللغات وخاصة معلم اللغة العربية عميدَ المعلمين. إذا نجح في تأدية رسالة العلم والتحضر العامة فسيتكفَّل معلم العلوم بالبقية ألا وهي التكوين العلمي الدقيق.

لغويا، بفضلِ ما سيقدمه المعلم من بثٍّ للرسالة العامة وأيضا بفضل معلم العلوم ستكون اللغة العربية المجدَّدة متكونة من مجموع "الكلام" المنطوق به فرديا وجماعيا، في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي الجامعة وفي المخبر وفي المتجر وفي المصنع وفي الإدارة وفي البنك وفي سائر الأماكن. من هذا المنظور لا ضير في أن تُدرَّسَ المواد المدرسية والجامعية العلمية باللغة الأجنبية وذلك إلى حين ينال "الكلام" غرضَه من المفاهيم المعبَّرِ عنها بواسطتها. ولا خوف على "اللغة" العربية من "الكلام" مهما وفَدَ عليه من عبارات أجنبية (وعامية) بدعوى أنّ هذا من باب الخلط المُشين طالما أنّ "اللغة" (العربية في قضية الحال) هي ما يحدد "الكلام" بحسب قواعدها، وليس الكلام هو الذي يحدد اللغة. فالكلام فعلٌ وأداءٌ وإنجازٌ بينما اللغة هي الحارسُ و الضابطُ. ونحن بحاجة إلى أفعال وإنجازات أكثر من حاجتنا إلى أداةٍ محدِّدة (اللغة) طالما أنّ هذه الأخيرة متوفرةٌ في كتبِ النحو والصرف والبلاغة والعروض.

أخلصُ إلى أنّه لا يكفي أن يقال عن اللغة العربية إنها ثريةّ وجميلة ورشيقة وأنيقة وبَليغة لكي تستهدفَ مجتمعاتُنا تأسيس حضارةٍ ناطقة بالعربية وإنما ما يُعوز هذه المجتمعات هو صناعة "الكلام" الثريّ والجميل والرشيق والأنيق والبليغ بحسب سلّم الحاجيات والطموحات و التصورات والأفعال والحركات والمشاريع والبرامج المتجذرة في الزمن الحاضر.


***"البْريكَه"، مفرد جمعُه بْريكْ"، وهي كلمة باللهجة العامية التونسية، اسمٌ لأكلة شهيرة (رمضانية بالخصوص) متكونة من عجين مُرقَّق في شكل مثلث محشيٍّ بالبيض والبطاطة والتن (التونة) أو اللحم والبقدونس والكَبّار.







اخر الافلام

.. 12-12-2017 | نشرة أخبار اليوم.. لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآ


.. جولة الصحافة 12-12-2017 | -واتساب- يتوقف عن العمل على الأجهز


.. 3 هواتف جديدة من آبل العام المقبل




.. مواجهات عنيفة في غزة مع الجنود الإسرائيليين


.. بوتين في زيارة خاطفة إلى القاهرة وتركيا