الحوار المتمدن - موبايل



صخرة السيسى !

سعيد علام

2017 / 6 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


سيزيف أو سيسيفوس كان أحد أكثر الشخصيات مكراً بحسب الميثولوجيا الإغريقية،
حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس مما أغضب كبير الآلهة زيوس،
فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه،
فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي،
فيعود إلى رفعها إلى القمة،
ويظل هكذا حتى الأبد،
فأصبح رمز العذاب الأبدي.

وكما سيزيف، ولانه خدع اله الموت، فلم يعد يموت، اصبح خالداً، وبهذه الميزة نفسها، اصبح عذابه ابدياً !
كما سلطة يوليو 52 الممتدة، ولانها استحوذت على كل السلطات، اصبحت سلطة مطلقة، وبهذه الميزة نفسها، اصبح عذابها "فشلها" ابدياً!

على مدى اكثر من ستة عقود حمل "الضباط الاحرار" وخلفائهم، "صخرة سيزيف"، فذاقوا جميعهم، وبلا استثناء واحد، مرارة العذاب، الواحد تلو الاخر، من اول رئيس للجمهورية، اللواء محمد نجيب الذى ذاق عذاب ومرارة العزل والاقامة الجبرية، نوفمبر 54 !، عبد الناصر الذى ذاق عذاب ومرارة هزيمة 67، والاعتراف باسرائيل، وتلاشى حلمه القومى !، السادات الذى ذاق عذاب ومرارة الاغتيال، يوم احتفاله بعرسه العسكرى، وسط قادته وحرسه العسكريين، وبجواره نائبه، 6 اكتوبر 81 !، مبارك الذى ذاق عذاب ومرارة التنحية والسجن، 25 يناير 2011 !.

مؤخراً، تقدم السيسى بكامل ارادته، ليحمل "صخرة سيزيف"، فهل ينجو من المصير المحتوم ؟!

من نهايات القرن الماضى، وصلنا الى المرحلة التاريخية، التى لم يعد امام الشعوب الاسلامية عموماً، (بعد انهيار الحلم الاشتراكى، بتفكك الاتحاد السوفيتى، والكتلة الشرقية، وفقدان الامل فى الراسمالية العالمية بسبب جشعها وتوحشها، وكذا توابعها من المحليين)، وتلاشى الحلم القومى "الناصرى"، عربياً ومصرياً خصوصاً، لم يعد امام هذه الشعوب المسلمة، سوى العودة الى حلم، عودة الدولة الاسلامية.


كل اشكال التطرف الاسلامى – كما الغير اسلامى – هى نتاج الشعور العميق بالظلم، هى النتاج المؤسف، لقرون من الاستنزاف الا انسانى، للثروات الطبيعية والبشرية لشعوب الارض، كما هى نتاج للاستغلال الا مادى، السياسى، الروحى، الفكرى، والثقافى، لشعوب، الفقر والجهل والمرض، مفردات حياتها الحاضرة، من قبل حفنة من اصحاب الاحتكارات، كما ان فقدان الامل هو عنوان مستقبل هذه الشعوب، هذا المستقبل الذى اول ما يعنى، يعنى الشباب، مورد التطرف الرئيسى.

ان القضاء على احد اشكال التطرف، داعش مثلاً، لا يعنى سوى الايذان بمولد شكل "جديد" من اشكال التطرف، طالما ظل مورد التطرف مازال قائماً !. ان انعدام الامل "الحقيقى" امام الشعوب المضطهدة، يدفعها، خاصة شبابها، للبحث عن طريق للخلاص من عذابها، حتى لو عن طريق الموت، بحراً او براً.


بعد مرور الزلزال الترامبى، وتوابعه، - والذى لن يطول -، "تعود ريما لعادتها القديمة"، تعود امريكا للعب الدور الذى مارسته، بعد المانيا الهتلرية، منذ الحرب العالمية الثانية، فى استخدام قوى الاسلام السياسى السنى، فى ضرب اعداؤها، فى الماضى "الاتحاد السوفيتى"، وفى المستقبل القريب جداً، فى ضرب قوى الاسلام المتطرف السنية، والاستعداد للمعركة القادمة التى يجرى الاعداد لها على قدم وساق، معركة الصراع السنى الشيعى (الدور على ايران وحزب الله بعد ان تم الانتهاء من سوريه، من اجل شرق اوسط جديد بفاعلية اسرائيلية!)، انها نفس الوظيفة التى خلقت من اجلها المنظمات الاسلامية المتطرفة، التى خلقتها امريكا نفسها، بالتعاون مع بعض الانظمة الاقليمية التابعة، وبالطبع ستكون قوى "الاسلام المعتدل" هى المرشحة لاداء هذا الدور الجديد "القديم" !، فى وجود ترامب او عدمه، و ليبرز عندها التنظيم الدولى للاخوان المسلمين، مرة اخرى، ليحتل مكان الصدارة، فى معركة القرن، تحت العنوان "المنقذ"، "الاسلام المعتدل"!، وطبعاً "الجماعة" هى دائماً على استعداد، وفى كل الاوقات، لعقد الصفقات.


ان عاجلاً او آجلاً، سيجد الشعب المصرى نفسه مرة اخرى امام الاختيار الصعب، بين حكم دينى بمظهر مدنى، وبين حكم عسكرى بمظهر مدنى، ومن المؤكد ان جزء من الشعب سيكون مع هذا الخيار، والجزء الاخر مع الخيار الاخر، وهو نفس الموقف الذى وجد الشعب المصرى نفسه فيه، فى الفترة التى بدأت من الانتخابات الرئاسية 2012، والتى استمرت حتى يوليو 2013، ولكن منذ 2012 الى ان يجد الشعب نفسه امام الاختيار الصعب نفسه، قد جرت، وستجرى، امور عديدة، مما يجعل التاكد من ان نفس مسار 2012 الى 2013، ان يتكرر امراً غير مؤكداً. لقد جاءت الانتخابات الرئاسية 2012، كما كل الاجراءات التى تمت خلال تلك الفترة، جاءت على خلفية الانتفاضة العارمة التى اجتاحت مصر بدءاً من 25 يناير 2011، والتى من المؤكد انها لن تتكرر بنفس مواصفاتها مرة اخرى، من حيث طبيعة القيادة، ودرجة وعى وخبرة وتنظيم القيادة والجماهير، وعلى الجانب الاخر، نفس الشئ بالنسبة للفريق الحاكم وقتها، وطبيعة تحالفاته الداخلية والاقليمية والدولية. كذا من حيث درجة تطور او تدهور الاوضاع الامنية والاقتصادية والاجتماعية فى مصر.

هل يجرؤ السيسى على الاصلاح ؟!

مؤخراً، تقدم السيسى بكامل ارادته، ليحمل "صخرة سيزيف"، فهل ينجو من المصير المحتوم ؟!

التنمية ليست قضية فنية، بل هى قضية سيادية .. الفساد المحمى سلطوياً، هو العائق الحقيقى امام التنمية، اذا ما توفرت الارادة السياسية لتحقيق العدالة الاجتماعية لعموم الشعب، والتى تمر عبر توظيف سلطة الحكم لمواجهة الفساد بكل اشكاله، وفى كل مستوياته، عندها تنطلق طاقات ملايين الشعب، ليس فقط للتنمية والبناء، وانما للالتفاف حول هذه السلطة والدفاع عنها امام مؤسسة الفساد، المؤسسة الاكبر فى مصر.

من المحتمل ان تكون هناك تنمية فى مجتمع غير حر، مجرد احتمال، لكن الاكيد، ان المجتمع الحر هو القادر على احداث تنمية مستمرة، مجتمع حر قادر على اطلاق الطاقات المبدعة المنتجة للملايين، يكون قادراً على مواجهة مشكلات وعوائق التقدم والنمو وابتكار حلولها.

لن يؤدى الفرز على اساس الانتماء السياسى، من يكون له الحق فى العمل العام، ومن سيحرم منه، لن يؤدى هذا الفرز، الا الى المزيد من الاحتقان الاجتماعى، والتوتر وعدم الاستقرار السياسى والامنى والاقتصادى، ان الالتزام العام بمعايير المجتمع المدنى الحديث، التى تسهر على تطبيقه سلطات الدولة الدستورية، بكل حزم وعدل وشفافية، هو الطريق الوحيد لتحقيق التنمية والعدالة. هذا الذى آحدث ما انجزته البشرية خلال مسيرة تطورها الطويلة.

ليس هناك نظام حكم "صحى"، بدون ان يكون نظامه السياسى يتضمن الدور المعارض، سواء من الداخل او الخارج. المعارضة الحقيقية، هى بمثابة "المضاد الحيوى" السياسى لكل اشكال انحراف السلطة، والواقى من السلطة المطلقة، المفسدة المطلقة، وهو ما يفتقده النظام الحالى، نظام "فريق السيسى" ، النسخة الاحدث من سلطة يوليو الممتدة. وبالطبع يجب ان لا ننظر برومانسية للمعارضة، فعلى حد تعبير الدكتور سعد الدين ابراهيم، قبل 2011: "سلطة وسخة، ومعارضة اوسخ!"، بل يجب النظر الى شقى المعادلة، النظام / المعارضة، كوحدة "مجتمعية" واحدة، من خلال التفاعل المتبادل لطرفيها، يخلق المجتمع "الصحى" المتوازن، لانه، كما ان المعارضة هى صمام الامان ضد فساد وانحرافات السلطة، كذلك ستكون سلطات الدولة الدستورية، هى صمام الامان ضد فساد المعارضة وانحرافاتها.

ليس امام "فريق السيسى" من طريق، سوى طريق الاصلاح، طريق التخلى عن السلطة المطلقة، طريق الاستعداد "الطوعى" لقبول المشاركة فى تحمل مسئولية السلطة، المشاركة فى حمل "صخرة سيزيف"، للنجاة من المصير المحتوم، العذاب "الفشل" الابدى، هذه المشاركة التى تعنى اول ما تعنى، اطلاق حرية العمل الاهلى المستقل، حق التنظيم المستقل لمنظمات مجتمع مدنى، نقابات، احزاب، اعلام .. الخ، من اجل مجتمع مدنى حديث، قادر على النمو والتطور، والاهم الحفاظ على وحدة الارض والشعب.

اى ان الثمن المطلوب من "فريق السيسى"، هو التخلى عن الرغبة الانانية فى الاستحواذ على كل السلطات منفرداً، هذه هى الخطوة التى يجب اتخاذها فى الوقت المناسب، وليس متأخراً كالعادة، "بيدى لا بيد عمرو"، انها الطريق الوحيد للنجاة من المصير المحتوم، طال ام قصر.







اخر الافلام

.. تخوف لبناني قبل اجتماع القاهرة


.. السلطة الفلسطينية تلوح بتعليق اتصالاتها مع واشنطن


.. اجتماع عربي طارئ.. لبنان واليمن وإيران على الطاولة




.. أهالي الغوطة الشرقية يطالبون بتحرك دولي لفك الحصار عنهم


.. أخبار منوعة | ظهرت و #النحل يغطي بطنها.. أمريكية تلد إبنها م