الحوار المتمدن - موبايل



ظاهرة السادة في المجتمع العراقي (القسم الرابع)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 6 / 29
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ظاهرة السادة في المجتمع العراقي (القسم الرابع)
لم يؤثر الانقلاب العثماني (او ثورة الاتحاديين) عام 1908 واعلان الدستور الليبرالي على مكانة السادة الشيعة في العراق سلبا او ايجابا , لانهم في الاصل غير مندرجين مع سياق الدولة العثمانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي , كما هو الحال عند السادة السنة التي تضررت مصالحهم بعد التشريعات المساواتية التي اعلنتها جمعية الاتحاد والترقي الحاكمة , التي نتج عنها انضمامهم للجمعيات العربية والعراقية التي تطالب باللامركزية الادارية امثال جمعية (المشورة) برئاسة عبد الرحمن النقيب و(جميعة البصرة الاصلاحية) بزعامة طالب النقيب , الا ان التحدي الابرز للسادة الشيعة في العراق كان من الاحتلال البريطاني (1914 – 1917) وادارته المباشرة للبلاد بين عامي (1917 – 1920) , فرغم ان الفاتحون الجدد – حسب تعبير حنا بطاطو – ابدوا رغبتهم بالحفاظ على الطبقات القديمة ودعمها , الا ان الاحتلال - او التحرر من العثمانيين - في المجمل شكل اختراقا ظاهرا للبنى التقليدية والبدائية في المجتمع العراقي من حيث ترسيخ سلطة القانون واعتماد مبدا العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات ودعم الوعي الثقافي والتربوي , الامر الذي اعتبره الملاكين المتنفذين من السادة في منطقة الفرات الاوسط , تهديدا مرتقبا او مستقبليا لمصالحهم الاقتصادية وسلطتهم الرمزية ومكانتهم الاجتماعية , فمارسوا نفوذهم على العامة والعشائر بالتحريض على الثورة والعصيان , فكان للسادة العشائريين في قطاع الشامية من الفرات امثال هادي ال زوين ونور الياسري وعباس الياسري وهادي المكوطر دورا كبيرا في التحريض على الانتفاضة والتمرد , بل ان اول من اقترح الثورة المسلحة على الانكليز – كما يقول الوردي – هو السيد نور الياسري . وقد علق بطاطو على هذه الممارسات بالقول : ( لم تكن الحرية الوطنية هي ما كان يسعى اليه هؤلاء السادة ، بل حرية حكم عقاراتهم وفلاحيهم بالطريقة التي اعتادوها، اي كما تعجبهم بشكل عام، وكما هو معمولا به في ظل العثمانيين) ، الا ان هذا الراي يكون صحيحا اذا مس البريطانيون مصالح هؤلاء السادة، او غيروا النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد ، واذا وجدنا عدم حصول ذلك ، فان هذا الراي يبقى محل شك وتساؤل .
بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 بدا الخط البياني لمنزلة السادة الشيعة بالتنازل , فالتحول من النمط الزراعي – الريفي الى النمط المدني – الحضري قد بدا بالتشكل , واخذت الدولة ومؤسساتها التربوية والاقتصادية والثقافية تقود عملية التحديث الاجتماعي والعصرنة بصورة لافتة , وبرزت شخصية (الافندي) في المدن العراقية التي تختلف – ولو ظاهريا - عن شخصية الاب الريفية والبدائية , الا ان تلك التحولات الايجابية لم تكن تسير ضمن طابع جذري سريع , بل كانت تسير وفق نمط يتميز بالبطء الشديد من جانب , يصاحبه اعادة ترميم تلك القوى البدائية والطبقات القديمة وادراجها في بنية الدولة ومؤسساتها من جانب اخر , لذا نجد الكثير من السادة الشيعة والسنة قد عينوا في المناصب العليا للدولة مثل مجلس النواب والاعيان والوزراء وغيرها . الا ان اسرع التحولات التي حصلت في المجتمع العراقي كانت بعد الحرب العالمية الثانية , حيث شهدت الطبقة البرجوازية (الوسطى) اكتمال ملامحها العامة واخذت تعمل (لذاتها بذاتها) – حسب التصنيف الماركسي – واخذت الايديولوجيات العلمانية والتوجهات الثورية كالماركسية والقومية بالانتشارعلى المستوى الشعبوي بعد ان كانت مضامين نخبوية مقتصرة على الانتلجنسيا العراقية , وقد سددت تلك التحولات ضربات قاصمة للبنى الاجتماعية التقليدية كالقبيلة والسادة والاغوات والدين وغيرها , واصبحت تخوض معركة خاسرة مع عمليات التغريب التي اكتسحت الدولة العراقية , واخذ الناس ينظرون الي تلك البنى على انها احدى تجليات العصر القديم , وبقايا النسق البدائي الذي يجب ازالته من المجتمع باعتباره يشكل عائقا امام الحداثة والتطوير , وهذه النظرة الاصلاحية والدعوات العقلانية , ورغم انها قد غلفت نفسها بطابع حداثوي تقدمي ظاهر , الا ان الطابع السياسي هو من يحركها من خلف الستار , فقد اعتقد اغلب العراقيون الذين اخذوا يكنون للعهد الملكي حقدا متطرفا واصبحوا ينعتونه بالرجعية والتبعية والعمالة للغرب , ان الاساس الذي يرتكز عليه في حكمه وصيرورته هو استناده على تلك القوى التقليدية , بل ان كثير منهم يعتقد ان الحكم الملكي هو حكم السادة الاشراف , ويستهزء بعبارة نوري السعيد الشهيرة (دار السيد مامونة) . وقد صور التحولات الاجتماعية لمكانة السادة في تلك المرحلة حنا بطاطو بالقول (ان هيمنة المفاهيم الحديثة، وانتشار التعليم ، ونمو الجيش ، وظهور الصناعة النفطية ، والتوسع في علاقات العراق بالعالم الخارجي ، اوجد قوى عصرية جديدة وافكار حديثة ادت لانخفاض القيمة الاجتماعية للنشاطات القديمة للكثير من العائلات التقليدية ومنها السادة (وصفهم بنبلاء الاسلام) ، حتى فقدت مفردة (السيد) معناها الخاص ، وصار تطلق اليوم على دوائر متعددة من الناس ، بعد ان كانت مقتصرة على السادة فقط ، وفقدت مكانتها كعامل مهم لقيمة الشخص، وصار المال يحكم العلاقات بين العراقيين اكثر فاكثر، غير ان عددا غير قليل من السادة الحضريين اخذ يكيف نفسه مع الحقائق الجديدة ، بحيث جمعوا هذه المنزلة مع المال) .
لم يكن تكيف السادة مع التحولات الجديدة التي انتابيت المجتمع العراقي قد اقتصرت على المال فقط , وانما كانت على اصعدة متعددة اهمها انضمام الكثير من السادة الى الحركات الراديكالية ذات الطابع الايديولوجي العلماني كالماركسية والقومية , والاندماج مع سلوكيات ومتبنيات الطبقة الوسطى العصرية والمدنية التي اكتملت ملامحها العامة في الخمسينيات من القرن العشرين , وظهر عندنا – ولاول مرة – السيد البرجوازي العلماني الثوري (سلام عادل وعزيز السيد جاسم انموذجا) الذي اخذ يستهزء بالانماط التقليدية للسادة اكثر من الاخرين من غير العلويين , وربما كان السبب هو الرغبة باظهار عصرنته ومدنيته وترفعه عن تلك الانماط البدائية , وهاجر اغلبية السادة من الريف الى المدينة , وسكنوا الاحياء العصرية وادخلوا ابنائهم وبناتهم في المدارس والجامعات ومارسوا العمل الحكومي والتجاري وارتدوا الملابس الغربية , والنساء العلويات اصبحن سافرات متابعات لاخر صيحات الموضة , وتلاشى الراس مال الرمزي للسادة , ان لم يكن العكس , فقد اخذ الكثير منهم يتبرء من نسبه العلوي في المؤسسات الحكومية الحديثة , او في احسن الاحوال لايعلن ذلك امام الملا , لما ارتبط هذه الاسم في وجدانهم بمطارحات التخلف والرجعية والعهود القديمة , والرغبة ايضا بحيازة المقبولية من الحكومات القومية الجديدة . فكانت ثورة 1958 بمثابة رصاصة الرحمة لهذا النمط البدائي الميت في الاصل سريريا , فرغم ان الثورة لم تصدر قرارات خاصة ضد شريحة السادة كفئة اجتماعية محددة , الا ان بعض القرارات التقدمية كالاصلاح الزراعي وقانون الاحوال المدنية ساهمت بصورة او باخرى في سرعة تفكك البنى التقليدية السائدة في المجتمع التي كانت تخوض معركة خاسرة – كما قلنا – امام حركة التاريخ والعصر , وازالت حكومة الثورة مفردة (السيد) التي كانت توضع امام الاسم في هوية الاحوال المدنية . ورغم ان كثير من السادة التقليديين والملاكين والشيوخ قد وقفوا بالضد من توجهات الثورة وقراراتها وتوجهاتها اسوة بالقوى البدائية الاخرى , الا ان الاغلبية من الطلبة والشباب والمتعلمين والمدنيين السادة رحبوا بها بقوة ودعموا اطروحاتها الاصلاحية وتوجهاتها الليبرالية .
لم تصنع ثورة تموز 1958 نسقا معاديا طائفيا كما صنع انقلاب شباط 1963 , وسبق ان ذكرنا ان تاثير الانقلاب الاخير على المنطلقات السياسية والثقافية والاقتصادية للمجتمع العراقي اكثر رسوخا واختراقا وقوة من الثورة . فالاشراف الكامل على المؤسات الاعلامية والتربوية والتماهي الكامل مع الايديولوجية القومية الثورية نتج عنه صناعة الانسان العراقي الحديث , وبلورته في قالب حكومي محدد , وفرض نمط معين من الخطاب والتقييم والافكار اتخذ صورة معسكرين : المقدس والمدنس . فالمعسكر المقدس هو من لايجوز نقده او المساس به من قبل الاعلام والتعليم او اي وسيلة اخرى , وهم العرب والترك والعراقيون السنة وصورة الاسلام الرسمي التي تحددها الدولة . فيما ضم المعسكر المدنس طوائف ودول ومجتمعات واقليات مثل الغرب الديمقراطي والايرانيون والشيعة العراقيون والكورد وغيرهم , الذين يجب انتقادهم وتخوينهم واقصائهم عن الادارة والحكم والدولة . وهذا الخطاب والالية استطاعت على مدى اربعين عاما من الحكم القومي (الناصري والبعثي)(1963 – 2003) من انتاج او بلورة مااطلق عليه ميشيل فوكو (المتخيل) : وهى السرديات التي صورتها او بلورتها السلطات الحاكمة القومية – الطائفية ضد اتباع المعسكر المدنس خلال تسلمها مقاليد السلطة في العراق . وكان من الطبيعي ان المتخيل سوف يشمل في سطوته وحكمه فضلا عن المتبنيات الاصلية لاتباع هذا المعسكر , الهوامش والحواشي الفرعية له كالسادة ورجال الدين الشيعة والرموز الغربية والليبرالية والتاريخ الايراني والشخصيات الكوردية وغيرها . وسبق ان ذكرنا ان مواجهة تلك القوى التقليدية عند الجماعة الشيعية في العراق لم يكن يحمل غرضا تنويريا اوتقدميا - كما هو شائع في خطاب السلطة - وانما هدفا سياسيا واقصائيا , تجسد في الرغبة بعزل المجتمع عن مرتكزات القوة والتضامن التي يحملها , لاسيما في المجتمعات النامية البدائية التي تكون سطوة الدولة فيها انتقائية واستبدادية , والدليل هو ماذكرناه سابقا حول عدم اختراق الحكومات القومية للقوى التقليدية والبدائية عند الجماعة السنية في العراق , وبقائها كاداة فعالة في ايدي السلطة تحتاجها لمواجهة اعدائها ومنافسيها والمتربصين بها من قوى الداخل (انتفاضة 1991 انموذجا) .
اعتبرت الدولة القومية في العراق السادة من طلائع الوعي الشيعي , وانهم يشكلون بؤرا فعالة في الترويج والتبشير بالهوية الشيعية التي وضعتها السلطات الحاكمة في خانة الاستهداف والاقصاء , فالتلاحم بين التشيع والسادة في العقود السابقة كان ظاهرا , وان السادة كانوا سدنة الهيكل الشيعي التقليدي البسيط , بل ان كثير من الناس اخذوا المذهب – وحتى الدين - وتعاليمه بصورته الساذجة من فئة السادة , ولم يفهموا الاول الا عن طريق الثاني , فحصل الارتباط الشرطي بين الاثنين . ويبدو ان السلطات القومية والطائفية قد احست بهذا التلاحم , فعملت على ادراج السادة ضمن سرديات الاستهداف القومي والمكافحة الثقافية عن طريق (المتخيل) . كما عمل الشيوعيين من جانبهم خلال عقدي الخمسينات والستينات على مواجهة تلك القوى التقليدية والبدائية في المجتمع باعتبارها نسقا معرقلا امام طريق التحول الاشتراكي والعلماني في البلاد , وانها تشكل مرتكزا للسلطة الملكية الحاكمة انذاك , فحصل نوعا من الاتحاد الضمني بين الشيوعيين والقوميين على مواجهة تلك القوى , الا ان الاختلاف بين الاثنين كان في الدوافع والاهداف , فالشيوعيين كانوا مبدئيين حقيقيين في مواجهة تلك القوى , وان الادبيات الكلاسيكية لاباء الماركسية والشيوعية امثال ماركس وانجلز ولينين وغيرهم , كانت حافلة في مواجهة المرتكزات البدائية – او حتى الحديثة - التي تمنع او تعيق المجتمع في السير نحو افق الوعي الذي يطيح بالنظام البرجوازي الحاكم كالدين والدولة والقبيلة وغيرها , فيما كانت الدوافع عند القوميين - وخاصة البعثيين - ترتكز على اسس واضحة من الطائفية والانتهازية , وان تعاملهم مع تلك القوى يتميز بالغرضية والنفعية والانتقائية . الا ان استهداف السادة من قبل التيار الايديولوجي والحزبي والسياسي (الشيوعي والقومي) هو غيره عند الافراد المنضمين اليه - وخاصة من اهالي الوسط والجنوب الشيعي - فان تعاملهم مع تلك الفئة كان يغلب عليه طابع الحقد والاستهزاء والسخرية , وهذا الطابع لم يكن وليد تلك الايديولوجيات الثورية الوافدة فقط – وان كانت شكلت جسرا لذلك – ولكن السبب اعمق من ذلك بكثير , فقد اعتبر الدكتور علي الوردي تلك الايديولوجيات كمظاهر زائفة (تعلمها العراقيون من المدارس والصحف والاذاعات كشعارات ومحفوظات ) ولم تنفذ الى اعماق شخصيتهم الحقيقية , وان البنية الاساسية عندهم مازالت تتمحور حول القبيلة والاسرة والمحلة والطائفة والتمركز على الذات , وبالتالي فان اغلبية المنضمين الى تلك التيارات الايديولوجية والثورية يمتلكون احساسا متعاليا بالضعة والنقص والدونية , بسب انتمائاتهم العشائرية التي ترجع الى اسفل النظام الاجتماعي والعشائري في العراق , الذي صورته وصنعته ورسخته على مدى التاريخ السلطات الطائفية الحاكمة وخطابها الاقصائي والتحريضي , فاخذوا ينظرون الى مناطقهم وانسابهم وعشائرهم بعين (الاخر) الذي يحتقرها ويريد النيل منها لابعيونهم , فيما ان السادة ورغم ان السلطة ادرجت العديد من الصفات السلبية والبدائية فيهم كالتعالي والتخلف , الا انهم لايستطيعون النيل منهم في قضية النسب والسمو العشائري والعائلي , لان ذلك يعني تجاوزا على بيت النبوة اولا , وانساب الكثير من المسوؤلين السنة الذين ارجعوا اصولهم للبيت العلوي ثانيا , وهو مالم تستطع السلطة التجاسر عليه , ولكنها استطاعت التطاول على باقي العشائر العربية الجنوبية والشيعية ونعتها باقسى الصفات , بل وربما طعنت في نسبها وشرفها وعراقيتها ,(مقالات صدام انموذجا) , فاصبح المتعلم المؤدلج المنضوي تحت تلك اللافتات العريضة والعناويين المدنية البراقة في موضع الازدواجية من تلك الظاهرة , فهو من جانب ينتقدها ويسخر منها كنمط قرو – سطي , ومن جانب اخر نجد انه غارق في اتونها منغمس في متبنياتها اللاشعورية (انها البنية الاثيرية التي لاترى بقدر ماتؤسس ) - كما يقول محمد اركون - . كما ان استهداف السادة العلويين خلال الحقبة القومية والبعثية جاء كنمط ولاء وتحريض وخنوع للسلطة الحاكمة , ومجاراة لخطابها وسردياتها الاقصائية , فيجب بالتالي على ذلك (الرفيق المناضل) الهجوم المتطرف عليها , من اجل اثبات ولائه وعصريته وتحرره من هذه المنطلقات الهوياتية الجنوبية التي دائما توسم بالتخلف والرجعية . فضلا عن ذلك ان تجاوزه واستهدافه لتلك البنى التقليدية الاخرى في المنطقة الغربية - او السنية تحديدا - لم يكن يتميز بالحقد او السخرية كما هو الحال في الجنوب والوسط – ان لم يكن معدوما في الاصل - , لان هذا الرفيق الثوري نجده - للاسف - مقيدا ومخصيا وذليلا امام تلك البنى في المنطقة الغربية الحاكمة , ولايستطيع بالتالي مسها بكلمة او سوء , لانه يعلم جيدا انها خميرة السلطة وخزانها الاكبر وصرحها المقدس المتعالي على النقد والاتهام والترويض ., بل ربما نجده في موقف المدح لها والتذلل لخطابها وصورتها البهية التي صنعتها السلطات المتعاقبة على مدار التاريخ , فتجد من الطرائف مثلا ان الكثير من الكتاب الثوريون التقدميون من الشيعة عندما ينتقدون الاقطاع او يهاجمونه , فان السهام سوف توجه بقوة الى موحان الخير الله او بلاسم المياح وخيون العبيد وغيرهم من الشيوخ او الاقطاعيين المحسوبيين على الشيعة , ولكن تلك الايادي تتغاضى او ترتعش عند النيل من اول الاقطاعيين في العراق وهم ال سعدون وبعض العشائر السنية الاخرى , بل ربما اخذ بعض الثوريين والاصلاحيين يكيل المديح لهم والتقدير !!! وهذا مصداق ماذكره خالد الذكر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول صناعة السلطة للحقيقة والمعرفة وكيف جعلت من القانون التقليدي في خدمتها (فالسلطة هى من تشير الى المعرفة وهى التي تؤسس هذه المعرفة وهى التي تستشهد بالمعرفة التي تراها مناسبة , بل انها من تحدد نوع المعارف التي تستطع فيها ان تتسلط على الناس وفق الية التحريم والتغييب والصمت) .
تماهت الانتلجنسيا العراقية الجنوبية او الشيعية تحديدا مع تلك التطورات والتحولات رغبة منها في الانتقال نحو نحو المتبنيات الحداثوية والتصورات العصرية , وخضعت الطبقة الوسطى كليا للمطارحات الثلاثية التي نادت بها السلطة القومية – الطائفية بعد انقلاب 1963 وهى (المتخيل والمقدس والمدنس) , الا ان المؤسف له ان المجتمع الجنوبي او الشيعي الذي استبشر بالحرية من سلطة الاقطاع والشيوخ والسادة – كما يقولون – قد وقع تحت سلطة اقسى وامضى تاثيرا وعبودية من السلطات الاولى , وهى سلطة القوى البدائية العشائرية والقروية لمناطق شمال غرب بغداد التي اخترقت الدولة العراقية بتخلفها وبداوتها وتريفها - اسماها حسن العلوي بقرى التعصب - التي استمرت اربعين عاما (1963 – 2003) , فانتقل الجنوبي المسكين من عبودية الاقطاعي موحان الخير الله الى عبودية الضابط التكريتي , واخذت مفردة (قشمر) تلاحق الالاف من ابناء هذه المناطق الذين تطوعوا الى الجيش بحثا عن الكرامة في لقمة العيش , الا ان القدر الاعمى والحظ السيء اوقعهم في في حبال تلك القوى الطائفية الاستعلائية التي لاترحم , واندرج الكثير من ابناء هذه المناطق في سياق الدولة كحراس او فراشين او عرفاء او سائقيين , واصبحت اعلى المهن التي يمكن ان يصل اليها الانسان الجنوبي في الخمسينيات والستينيات هى وظيفة (معلم) الذين تقمص الكثير منهم الدور جيدا , واخذ يتصرف كرئيس وزراء عالي المقام , لان السلم الوظيفي في هذا المجتمع ليس عنده اعلى من تلك الوظيفة التي مازال الكثير يفتخر بها كمنزلة متعالية بالقياس الى الواقع الحالي , بدل الاحساس بالحرج والعجز لمجتمع ليس فيه ضباطا او قضاة او او عمداء في الجامعات او مدراء عاميين او وزراء او نواب او محافظيين او رجالات امن واستخبارات , وغيرها من الوظائف والمناصب الكبيرة التي حصل عليها المجتمع الشيعي او الجنوبي لاول مرة في تاريخه بعد 2003 .
ان هذا الكلام لايفسر باي حال من الاحوال كعملية تبرير او دفاع او تبييض صفحة الاقطاع والشيوخ والسادة وغيرها , وانما هو رفض الادعاءات التي تريد الايحاء ان المجتمع وبعد تخلصه من تلك القوى البدائية والتقليدية او الرجعية – كما يصفها الثوريون واليساريون – بعد ثورة تموز 1958 قد حصل على حريته , وانه عاش في بحبوحة من الكرامة والحرية والرفاهية وغيرها , دون الالتفات الى التطورات التي حصلت بعد انقلاب شاط 1963 ومااعقبها من هيمنة النسق الطائفي والعنصري الاستبدادي على البلاد , الذي ادخل المجتمع في مستنقع الديكتاتورية والحروب والحصار والابادة المنظمة والتهجير الاثني والانقسام الاهلي والاحتراب الطائفي .







اخر الافلام

.. اخبار عربية - حلقة عن وثائقي #الحمولة_المحظورة طريق الحرس ال


.. أخبار خاصة - مسنون لبنانيون يقيمون في دار ترعاهم و تمنحهم جم


.. خيارات حماس للتعامل مع القوى الإقليمية بعد المصالحة




.. ما هو مشروع محطة الضبعة النووية المصرية؟


.. ما هو مشروع أنبوب النفط العراقي الأردني لنقل النفط الخام الم