الحوار المتمدن - موبايل



غياب

رولا حسينات

2017 / 7 / 3
الادب والفن


ظل منقوع من الصمت يدهن الوجوه التي التهبت مفاصلها، وقد انتفض الحاج طاهر والشيخ محمد يربت على كتفه بإشارة منه للصلاة….دقائق ثقيلة مرت على الكثيرين وهم يتململون وسيقان الفتيان تخترق الصفوف، وقد رمت إليهم رائحة العجول المذبوحة بشباكها التي أسالت لعابهم وأذابت قشرة بطونهم الرقيقة، وقد رتبت على شكل هرم من لحم أحمر ملتف على عظام أو مرخىً بلا أيٍّ منها على الصدور، التي امتلأت بالأرز الأبيض والكثير من اللحم…
السيقان التي مُدت للريح نهبت الكثير من اللحم، وعادت تمرغ بما تحمله الأثواب التي تحمل رائحة الغيطان والشقاء، لتملأها وأصحابها بالدهن والسمن، بفرائسهم المتعجلة أرادوا أن ينهبوا قدر ما استطاعوا قبل أن يستيقظ ذلك الصبي النزق بعصاه ولسانه القذر من ذهوله بموت أمه فاطمة رغم أنهم يشكون في امتلاكه قلباً، تلك الصفوف التي بدا وكأنّ أحداً لا يعي ما يردده الشيخ محمد من وعظ وذكر لمناقب المرحومة وأعمالها في خدمة أمّ الغيطان…لسان حالهم الذي لم يفتر عن السخرية باعتبارها مجرد امرأة عاقر أنجبت بعد سنوات طويلة لن يتحملها رجل منهم، مهما تكن فلن تختلف عن باقي النساء غير أنها زوجة الحاج طاهر الذي يبدو أنه قد فقد عقله ليبكي أمامهم دون أن تأخذه عزة الرجولة…القبب البيضاء التي أخذت تدورهم في فلكها أزاغت أبصارهم في حرِّ هذا اليوم الذي لم تنبت أم الغيطان مثيله مع عمر أكبر واحد فيها، ولكن أكبرهم لم يعد يفرقونه بينهم فجميعهم يحمل تجاعيد الشقاء التي خطت خنادقها دون حياء… سيقانهم التي التفت حولها خدرة جعلت التنميل يسري فيها، ويغرس دبابيس في كل شوكة من الأشواك التي انتشرت عليها…
تلك الدعوات التي دعا بها الشيخ محمد وأذابت قلب الحاج طاهر، بعد أن صدح صوته وهو يتلو:” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”.
ونفس طاهر تحلق في سماء فاطمة وقد فاض غيمها بالصدقات والحب، لم تصل أيٍّ منها إلى صيوان أسماعهم، بل انزلقت قبل أن تغترف منه شيئاً، لم يكن أمام الحاضرين سوى أن تتململ أجسادهم المشوية من الشمس الضاربة أسافينها فوق رؤوسهم، والنساء من بعيد يرقبن تلك الجنازة المهيبة التي أوغرت في نفوسهن حقداً دفيناً لتلك التي أغاظهنَّ حبُّ الحاج طاهر لها في حياتها، تمنت كل واحدة منهن في نفسها أن تكون لها جنازة مهيبة وقلب زوج يسجنها فيه.
وبقيت نظراتهن ترقب كل صغيرة وكبيرة، وهن يزممن الشفاه، ويمددنها مع انتفاضة من الذراعين، وتقليب للكفين. الكحل الذي لم يتقاطر مع دموعهن الحبيسة ظل يوقظ الحجر، وأنّة قلب في أن يغفل الحاج طاهر عن عشقه لتلك التي دفنت للتو، ويصبو لزوجة ثانية…الولدان تجيء وتروح ورائحة لحم الجاموس قد بلغت مبلغها من الواقفين، وبطونهم تصدر صفيراً متقطعاً ما يلبث أن يحدث قرقرة من الجوع…
عندما انكسر الهجير في السماء البيضاء وذابت الغيمة وابتلعت تغريد البلابل وهديل الحمائم، وساد السكون، وانفض الجمع، لم يتبق غير ظل الحاج طاهر وطفلة صغيرة قد جلست في حجره وأبقت على نحيب خافت، كان وقت الزوال الذي أتمّ فيه الشيخ محمد مراسيم الجنازة والحاج طاهر لا يلوي على شيء، لم يكن ليستطيع إبقاء الفلاحين ينتظرون تحت وهج هذا اليوم الصيفي الحار وقد دفنت فاطمة وانتهى الأمر… الحزن الذي يخيم على قلبه لم يكن بسبب رحيل فاطمة الطيبة، ولكن بسبب الحاج طاهر الذي يتفتق حزناً على حاله رغم حسد الكثيرين الذين لم يذرفوا دمعة على امرأة فكيف لهم أن يفعلوا على فاطمة؟! والحال التي سيصير إليها الحاج طاهر بعد أن كان يشتهي الولد، وعندما منحه الله ما شاء وأنبت أرض فاطمة البور قضت وتركته مع صغار لا حول لهم ولا قوة، الأمر الذي يحيره ويُعمل طحناً في رحى تفكيره، بسيوني ولد الحاج طاهر الأكبر الذي لم يذرف دمعة واحدة، وانعدمت في قلبه الشفقة منذ صغره، صبي في سنه لا يبكي أمّه، وكأنه ليس ولدها، وكأنها ليست من حبلت به تسعاً وأرضعته من لبنها، وكأنه عجن من عجينة أخرى لم تكن فيها نطف الحاج طاهر، خشيته كانت من هذا الصبي الذي سيطغى على الضعفاء…وغاب وهو يقول : ربنا يلطف، ربنا يلطف.







اخر الافلام

.. فيلم -22 يوليو- يحذر من ارهاب اليمين الاوروبي المتطرف


.. شاهد تكريم الفنان -عبد الرحمن أبو زهرة- بأيام قرطاج المسرحية


.. ماتروشكا- أول فيلم روسي - مصري -




.. قرب جرب هنا مش بنهرج البلياتشو بين المسرح والحياة


.. شاهد: -حرب باردة-.. درّةُ مهرجان الأفلام الأوروبية