الحوار المتمدن - موبايل



معطف أوربان

صيقع سيف الإسلام

2017 / 7 / 3
الادب والفن


افتتح أوربان كلامه قائلا : « جدتي أنا أخطط لاستكمال دراستي ، أملك فرصة حقيقية في نيل شهادة الدكتوراه ، لا تتصورين حجم الأغبياء و مع ذلك لهم فرص حقيقية . . .فكيف . . .آه . .»
تقاطعه الجدة _التي كانت جاهلة بالقراءة و الكتابة حتى_ قائلة : « إننا فعلنا كفايتنا بتبليغك لهذه النقطة التي أنت عليها ، وما دراستك كلها في النهاية إلا سبب في إعالة عائلتك الفقيرة ، التي تكلفنا بها فإياك و النكران ، بل يجب عليك السمع و الطاعة دون ذلك . . . هل سمعتني ؟ »
لم يكن أوربان وجدته في تلك الغرفة الوحيدين ، كان هناك الخال نيكولاس و وزوجته الجديدة ، العمة كريستينا مع ابنها الذي يكبر أوربان بخمس سنوات . . . اجتمعوا جميعا لمناقشة الفكرة التي يطرحها أوربان المتمثلة في اكمال الدراسات العليا ، كون تخصصه الرياضيات ، و ربما يجدر بنا وصف هذه العائلة قليلا :
إن هذه العائلة كأي عائلة راديكالية تقليدية ، تؤمن بتفوقية المرء على الآخر تحت عامل السن كأساس ، حتى أنهم سخروا كثيرا مرة حينما تلفظ أوربان مقتبسا : « إن ما أخفي عن الحكماء و الأذكياء قد كشف عنه للأطفال » . . .وليست هذه هي المرة الأولى أو الأخيرة ، إن سجل سخرية العائلة من أوربان حافل و طويل ، فشخصية أوربان كانت كالطفرة ضمن ذلك المجتمع ، فهو يحب الجلوس للساعات الطوال تحت رحمة كتاب أو رواية ، يستمع كثيرا للمقطوعات الموسيقية و التي كانت « سمفونية الناي » أفضلها عنده ، يمارس الرقص كعادة يومية ، آخرها رقصة البوليرو الاسبانية القديمة ، أما هوايته المفضلة فقد كانت الشطرنج ، إنه يجهل عدد المرات التي أعاد فيها مباراة شيفر وسباسكي وهو يدغدغ أحلامه بأن يكون له ذلك الحذق العقلي ، لكن ما ميز هذه الفترة الإبداعية هو أنها كانت ضمن حياة والده ، قبل أن يسلبه سرطان الكبد حياته ، تاركا عائلة أوربان وحدها من غير معيل يعتني بها ، كان الضرر المادي هو الكارثة الكبرى التي غيرت مجرى عديد من الأمور ، فأوربان وأختيه وأمه بقوا للعراء بعد وفاة الوالد ، المسكن الذي عاشوا فيه ما كان إلا بيتا هزيل الجدران ، يتراهن عليه المارون بانهدامه عند حضور كل عاصفة ، ثم الأسوأ أنه كان للكراء فقط ، مما اضطر لأوربان وعائلته إلى الانتقال عند منزل الجدة الكبير ، تحت وطأة الظروف المالية الصعبة ، حينذاك كان ابن الوالد المتوفي له تسع عشرة سنة ، مرحلة الدخول الجامعي ، و لأن الوضع المالي اتسم بالتدهور ، قامت أم أوربان بالتوسل كثيرا للجدة والعائلة بمساعدة ابنها لاستكمال دراسته نحو هدف هو نيل المال لانقاذ أنفسهم من مصير مجهول يتجه نحو القاع ، القاع الذي سخر منه أوربان مرة قائلا : « نحن في القاع ، على الأقل لن نسقط مجددا » . . . لكنه قال ذلك بكثير من المعاناة الداخلية و الأذى الذي يراكم ماء العيون ، و هاهو يبتسم ابتسامة التكلف المتشنجة بعد قولته هذه يخفي بها الحرقة التي تعتريه ، وصف هذه الحرقة مرة بأنها حفلة شواء . إن الشاب المسكين يشعر بكثير من التناقض و يريد أن يفهم تسلسل هذه الأحداث فلا يجد لذلك سبيلا ، ثم إن بقية العائلة زادت الأمر سوءا ، صحيح أنها قدمت له إعالة مالية ليتم دراسته ، لكنها كانت دون المال الكاف بكثير ، فأوربان اضطر أن يتخلص من وجبة الفطور دائما ، والغداء مرات كثيرة وإليكم بعض التفاصيل :
يحتاج الشاب الإيطالي أوربان إلى ما يعادل خمسين يورو شهريا ، لكن عائلته _خصوصا العمة_لم تزد عن أن تعطيه ثلاثين يورو كحد أقصى ، مؤديا بأوربان إلى وجوب سد ما يحتاجه من المال الباقي ، فاجتزأ الفطور من برنامجه مطلقا ، و الغداء في مرات كثيرة ، هكذا استطاع توفير خمسة قطع ، بقي له خمس عشرة ، وفر منها عشرة قطع بالدروس الخصوصية التي كان يقدمها لبعض اصدقائه و الطلبة دون مستواه في مادة الرياضيات ضمن إحدى المكتبات العمومية الكبيرة ، أما بقية القطع الخمسة فقد كانت الأصعب من بين أخواتها ، ذلك أن تحصيلها لم يكن ضمن خطة معينة كالقطع السوابق ، بل تعتمد على الحظ و المناسبة أكثر منها على التخطيط و الجدولة ، فمرات كان يساعد أصحاب الهندسة بوضع المخططات الدقيقة و تجسيدها في لوحات صغيرة ، ومرات كان يقوم بترجمة بعض المقالات الفلسفية و العلمية من اللغة الإنجليزية و الفرنسية إلى لغته الأم الإيطالية ، وقد استمر حال أوربان بهذه الطريقة لسنته الأولى في الجامعة إلا قبل شهرين من انتهاء العام الدراسي ، فقد وقع خلده على أحد الكتب الكبيرة ( 1500 صفحة تقريبا ) _عبارة عن رواية_و يبدو أن هذا الكتاب كان مشهورا فقد كان أوربان مغرما به ينتظر اليوم الذي يضع غلافه بين يديه ، إلا أن سعره كان خمسة و خمسين يورو ، مسألة شهر كامل بالنسبة لأوربان ، الأمر الذي خطط من أجله هذا الشاب الايطالي بسرقة دراهم العائلة تلك لابتياع الكتاب ، مع التغيب عن الجامعة شهرا كاملا ، رغم أن فكرة البحث عن حجة مقنعة لمثل هذا الغياب تبدوا مستحيلة ولها ارهاصات خطيرة كتدني المستوى الدراسي ، وقد حصل هذا حقا ، فرغم حصول أوربان على كتابه ، إلا أن ويلات العائلة قد نزلت عليه مهددة إياه بقطع التمويل وبطرد أمه وأختيه إلى الشوارع ، وبعد مساءلة ضخمة و استجواب طويل بحثا عن تفسير هذا التدني الدراسي استطاع الشاب الإيطالي بالكذب و التحايل من إقناع العائلة أنه كان مريضا بشدة ، وان ذكرى أبيه ومرضه بالسرطان قد عززا مخاوفه من الموت .
أخفى أوربان فكرة الكتاب عن عائلته وإلا لأوقفته عن الدراسة مباشرة ، وجعلته مستعبدا اكثر لها ، حتى أن الابن الأكبر لكريستينا اقترح ان يأخذوا أوربان إلى أخصائي نفسي لمعالجته _وقد حدث لاحقا_فهو يقوم باشياء غريبة و غير صحية . . . كما كانت كريستينا ، كما كان ابنها ، كليهما يبغض شخصيتنا هذه ، إن دوافع الأم جاءت من حيثية ذكاء أوربان المتفوق على ابنها ، و قد حاولت مرات عديدة حتى ضمن حياة الوالد أن تقضي على مستقبل هذا الشاب الذكي ، بلغ بها الأمر أن تتفق مع بعض اساتذة أوربان_قبل دخوله للجامعة_على انقاص مستواه بل اقصائه إن لزم الأمر ، وقد كانت استجابة بعض الاساتذة بالايجاب تحت اغراء المال و تحت اغراء جمال كريستينا نفسها ، و أسفاه على المعاناة التي تابعت الشاب الصغير من هول كل تلك المكائد و النيات المبيتة ، ساعتها لم يكن يملك كتابه الذي اشتراه حتى يقرأ منه مقاطع تريح صدره المليء بالضجيج ، مقاطع كالتي كان يرددها في كبره تخفف عنه مصائب الأقدار . . .إن ما جعل أوربان يمتلئ بهذه الرواية _كانها مقدسة_هو شعوره بأنها تتحدث عنه في كل مقطع من مقاطعها ، ولما هددته عائلته بقطع التمويل راح يقرأ فيها : « اسمع يا ميشا ،إن نفس إيفان قلقة عاصفة ، وإن عقله مهموم بمسائل خطيرة ، ان فكرا عميقا يقطن فيه و يعذبه ، هو من اولئك الذين لا يسعون الى الملايين ، وإنما يتطلعون الى حل مشكلات الحياة الروحية ».
إن مؤلف الرواية التي اشتراها أوربان ذكرت عنه زوجته أنه ساعة المحن الفكرية و الواقعية التي كان يعايشها يقوم بفتح الكتاب المقدس ويقرأ على الجهة اليسرى ، هذه تفصيلة علمها أوربان حين قراءة ترجمة مؤلف الرواية ، حيث سارع هو الآخر إلى نفس الفعل ، أي حين اشتداد الواقع عليه ، كان يفتح الرواية ويقرأ على الجهة اليسرى يواسي حالته النفسية المرهقة و التعبة . . . استمر هذا الامر على مدة السنوات الباقية لشخصيتنا ، وقبل أن نكمل الحوار الذي كان يجري بين أوربان وجدته ، علينا التنويه إلى أن العمة كريستينا و ابنها ، كذلك نيكولاس و زوجته كان يعتنون بالأم و البنتين عناية جعلتهم مدينين لهم طوال حياتهم ، وهم بدورهم كرهوهم كرها كبيرا على قدر زيادة تلك العناية ، و حقيق أن كريستينا كما نيكولاس كانوا يستمتعون بنفقتهم تلك ، يبطنون لذة عظيمة في أنهم مسيطرين على مستقبل تلك العائلة المرفوضة و المعوزة ، حتى أنهم يتسابقون في الإحسان مرات كأنهم أمام قطعة فنية معروضة ضمن متحف أثري كبير ، لا يدفعهم إلى ذلك إلا فخامة الاحساس بتمريغ أنوف تلك العائلة في التراب و ابراز ضعفهم أمام الملأ ، بذكر حسنات أنفسهم و البطولة التي اظهروها وقت حدوث الأزمة ، أزمة الوالد المتوفي اثر سرطان الكبد . . . لم يخفى على أوربان مثل هذه المشاعر الزائفة و الأحقاد المدفونة ، وأكثر ما جعله يغتاظ أن شيئا من كرامته كان مسلوبا بعد وفاة والده ، كرامة فقدها من أجل ثلاثين يورو . . . يفتح روايته ويقرأ : « " إنني أحب الإنسانية ،غير أن هناك شيئا في نفسي يدهشني : كلما ازداد حبي للإنسانية جملة واحدة ، نقص حبي للبشر أفرادا ، أي أشخاصا لهم حياتهم الخاصة " ، وقال هذا الطبيب يسر إلي بدخيلة نفسه : "إنه ليتفق لي كثيرا أثناء اندفاعي في الأحلام أن تستبد بي حماسة شديدة ورغبة عارمة جامحة في خدمة الإنسانية ، حتى لقد ارتضي أن اصلب في سبيلها اذا بدا هذا ضروريا في لحظة من اللحظات ، ومع ذلك لو أريد لي أن أعيش يومين متتالين في غرفة واحدة مع أي إنسان ، لما استطعت أن أحتمل ذلك . .»
عودة إلى نقاش أوربان و الجدة :
بعد أن أوضحت شخصيتنا فكرتها عن استكمال الدراسة نحو منصب أعلى ، جاءت الردود العنيفة على ألسنة الحاضرين ، معطين أنفسهم الحق في تشريح شخصية أوربان ، وقد كان نيكولاس بادئهم : « إنك لا تزيد عن كونك شخصية منكرة للجميل . . نعم . . تماما مثل أبيك . .كم مرة عرضت عليك منصب عمل عندي مقابل أجر معتدل_في نظر نيكولاس فقط_ثم إنك لم تجلب شيئا ذا نفع من دراستك الفاشلة هذه . . ها أجبني . . سأعترف لك أمام أمك هنا . . فلتسمعي جيدا . . إن أوربان ابنك هذا لا يزيد عن أن يكون كسولا خاملا ، فهل تصدقين أنه يقضي بالخمس ساعات أمام الكتب التافهة ، لا ليس خمس ساعات فقط ، بل يومه كله كذلك خمل و كسول . . فبعد تلك الكتب التي سأحرقها لاحقا ، هناك أيضا تلك اللعبة الشطرنج كما يحب أن يسميها ، إنني لا أفهم كيف لشخص ذكي أن يقضي يوما يحرك قطعا صغيرة تافهة ، فلو بحثنا حتى عن المتعة لما وجدناها فقبل الخمول و الكسل هناك اعتلال بالعقل . .أنا متأكد من ذلك . . أليس هذا سلوك أطفال . . لا اعذروني ، بل سلوك الأطفال يكون أحيانا أنضج من هذا بكثير ، هنا سأعطي لنفسي الحق أن أصفك بأنك « أبله » . .هل تفهمين أيتها الجدة أن صاحب هذه التصرفات لا يمكن أن نضيع عليه شيئا من المال . . إنني أعارض سخافة الدراسات العليا لهذه الأسباب . . »
قال نيكولاس هذا الكلام وهو مهتاج أشد الإهتياج ، مع حمرة على وجهه ، كأنه كان يحتفظ بهذا الكلام لفترة طويلة ، وقد حانت الفرصة ليفرغ ما في نفسه ، الامر الذي شجع البقية لتبرز ما كان مدفونا من أحقادها تحت عذر الدراسات العليا . . . إن نيكولاس لم يستطع اتمام دراسته ، حيث أبقى له هذا عقدة نفسية بارزة ضد كل مثقف و محترف فكري ، وقد حاول تعلم الشطرنج ، كما حاول دراسة الكتب كما يفعل أوربان ، وبما أنه فشل ، مع احساسه بالضعف أمام أوربان ، اعتبر الحل الوحيد هو تكسير شخصيتنا هذه ، شخصيتنا التي بقيت صامتة طول المحاورة كلها ، إلا حينما سألته العمة كريستينا عن فكرته فأجابها أوربان : « يطول شرحها كثيرا . . . » . . . الجواب الذي اشعل نيران الغضب عند كريستينا متلفظة : « إنك دوما ما كنت مغرورا ، ولو استطعت اخفاء ذلك عنهم ، فمعي لا مجال لذلك . . .إنك مدين لي ولابني هذا ، الذي يجب أن تعتبره سيدا لك وملكا عليك . . . هل تصدقون ايها السادة أنه من بين الأربعين يورو التي كنت أمدها له ، لم يرجع لي مرة بقرش واحد . . . هل تصدقون ولا قرش واحد ؟ ؟ ؟ . . . إن شخصا مسرفا للمال مثلك يا أوربان لا يستحق فرصا أبدا ، يبدوا أنك لم تتعلم من ابني الذكي طرق تسيير المال على الأوجه المناسبة و اللائقة ، حتى إنني سمعت من بعض رفقاء الجامعة أنك كنت تصرف المال على الفتيات . . هاه . . لا تنكر . .فأنا أعرف أنك تعتبر نفسك وسيما . . إنني عرفت أساليبك تلك في استقطاب و حشد الفتيات ، وإلا فما فائدة تعلم تلك الرقصات و السمفونيات السخيفة التي تؤذي طبلة الأذن . . رقصة " بوليرا " أم كان اسمها " بولير.." . . ليس مهما . . ثم هناك الرسم البشع الذي يخصك ، أراهن انهم كانوا يسخرون منك أكثر مما نفعل نحن الآن . نعم إنني أوافق نيكولاس على نعتك بالأبله ، فشخص مثلك لا يحسن تسيير المال كما لا يعيد البقية الباقية لصاحبها ، بل يصرفها في شؤون حقيرة كما فعلت يا أوربان . . إنك مشروع فاشل حقا ، لا أدري كيف غفلنا عن هذه الحقيقة كل هذه المدة . . »
قالت كريستينا هذه الكلمات وهي تقلب عينيها إلى الحاضرين ، تنظر هل يوافقونها على كلامها و اتهاماتها التي حصدتها لذلك الشاب . . . في حين كانت نظراتهم موافقة لها ، بقيت نظرة الشاب لها نظرة شزر قوية ، يعاقبها على كذبها في مسألة الأربعين يورو . . . إن المرأة الغيورة كما هو الحال بالنسبة للمرأة الكارهة تستطيع بمنطق عجيب ان تكذب كذبة ثم تصدقها ، بل و تجعل خصمها مجردا من كل فضيلة ، كائنا أسودا مليئا بالثقوب ، هكذا كانت كريستينا تستلذ بطعم تلك الكلمات التي تصدر منها ، و مع انتهاءها وقف أوربان متجها نحو الباب يريد الخروج ، هنالك لحقه ابن كريستينا وأمسك شيئا من جيبه الخلفي ، إحدى القطع من الرواية التي يحبها أوربان ، مما جعله يلتفت يريد استعادتها ، لكن ابن كريستينا سبقه عائدا أمام خاله نيكولاس وهو يفتح ذلك الكتيب الصغير ، يقرأ منه . . . قال ابن كريستينا :« أيها المثقف المزيف . . دوما ما كنت تحاول أن تبرز أنك أفضل منا . .أنك أفضل مني . .هل تظن أنه بمقدروك منافستي . .لا تحلم بذلك اقول لك ، لا تحلم بذلك . . .ثم ماهو الشيء المذكور في هذا الكتيب السخيف . .سأقرأ لك يا نيكولاس بعض العبارات ، حاول ألا تضحك . . هاهاها . .العبارة الأولى : "إن الذكاء المتفوق يبحث عن الحقيقة في الأعالي ،لأن وطننا في السموات " . . . لا تضحك يا نيكولاس . .هاهاها. . هناك المزيد . .العبارة الثانية : "إنها لا تحبني أنا ، و إنما تحب نبل نفسها و أريحية قلبها وشهامة روحها " . . يبدو أن أوربان عاشق . . هاهاها . .العبارة الثالثة : "إنني لم استطع في يوم من الأيام أن افهم أن يحب المرء الناس القريبين منه ، ففي رأيي أن اقرب الناس الينا يصعب علينا ان نحبهم اكثر مما يصعب علينا ان نحب غيرهم . ان الانسان لا يحب إلا من بعد " . . لكن ماهذا يا أوربان الأبله ؟ . .هل سمعتم العبارة التي قرأتها لكم ، إن أوربان لا يحبكم بل يبغضكم ، إنه يؤمن بهذه الأفكار المسمومة التي يجدها في الكتب ، ألم أقل لكم إنه يحتاج لطبيب نفسي هاه ؟ . .ألم أقل ذلك يا أمي ؟ . . هل تسمحون لمثل هذا المخبول الأبله أن يترقى في دراساته ليقضي عليكم لاحقا . .تكون أنتم مجانين كذلك إن فعلتم . . أكرر هو يحتاج إلى طبيب نفسي . .»
إن القرار الأخير كان دوما من نصيب الجدة ، فما أشبه عائلة أوربان بمحامين يجعلونه متهما في قضية هو مجرم فيها بالنسبة إليهم ، و الجدة هي القاضي و الحاكم في المسألة ، بيدها القرار الأخير الذي يصدر ، وقبل أن تتكلم الجدة ، تقدمت أم أوربان باكية تسيل الدموع الكثيفة ، تردد بصعوبة و تقطع : « لماذا يا ابني لا تدع سخافات الكتب ، و تدع الشطرنج لعبة الاطفال ، ألم تعلم أن حالنا لا يحتمل توفير فرصة ثانية ، انت فرصتنا الوحيدة يا أوربان وقد ضيعت نفسك و ضيعتنا معك . . .لماذا تدع غيرك يسخر منك و من الرقص السخيف و الموسيقى الفارغة التي تستمع إليها ، أليس الرقص لنا نحن النساء فقط . . إنني لم أرقص يا أوربان ولم تستقم لي ابتسامة واحدة بذاتها منذ وفاة والدك ، و هل تبذير المال و صرفه على الفتيات و الامور الحقيرة هو من أخلاقك يا أوربان . . إنني لم أعد افهمك ، فأبوك لم يكن هكذا ، بل لا احد من العائلة هو مثلك مع هذه الافكار المسمومة التي تحملها . .» .
لم يتأثر أوربان بكلام أحد كما تأثر بكلام أمه ، هو ما جعله يفقد أعصابه و ينهار تحت موجة من البكاء المستمر ، يبكي حاله على القدر الذي ساق له مثل هذه الأشياء ، حينذاك ظن الجميع من أمثال نيكولاس و كريستينا و الجدة أنهم كانوا محقين فيما قالوه و اعتقدوه عن أوربان ، و الحقيق أنه كان يبكي على الأمل المفقود ، على الهدوء و السلام اللذان ما ذاق لهما طعما منذ مدة طويلة ، ربما منذ تواجده في رحم أمه بين ضلوعها ، في داخله يسأل بشغف و حريق مستعر « انت على حق يا رب ، لكني لم أفهم طرقك ؟ » ، و مع ذلك الانهيار الجسدي و الضغط النفسي العنيف الذي يجتاح أوربان كاملا ، لم تتوانى الجدة في تقديم كلمتها هي الأخرى على شكل نصيحة كاذبة ، يكمن تحتها شعور باللذة يزداد مع كل ثانية تمر ، إن الإنسان ليفرح بسقوط غيره فرحا شديدا كلما كان قريبا منه أكثر . . قالت الجدة : « إننا بهذا الكلام يا ابني أوربان . . يا عزيزي أوربان . . نريد فقط مصلحتك وماهو أفضل لك ، وإنك تعلم أن ما تعطيه خبرة السنين لا يمكن جنيه بين جدران المدارس أو صحائف الكتب . . إن ما قاله نيكولاس و كريستينا يصب في منفعتك الشخصية التي لازلت تجهلها لحد الآن ، لذلك كن مطيعا في السلوكات التي سأاقترحها : كل الكتب سوف تحرق في مدفأة الشتاء ، أما الموسيقى و الرقص فسيستبدلان بالعمل في المحل الذي يمتلكه خالك نيكولاس ، كذلك الرسم سيلغى و ستتوقف دراستك فلم نستفد منها شيئا ، إن عمتك كريستينا تعيد ترميم منزلها القديم وهي تحتاج إلى من يتكفل بالعمال ويساعدهم ، و يوفر لهم احتياجاتهم ، ثم لن تكون هناك قراءة أو مطالعة من جديد ، ان ابن عمتك مثقف افضل منك ويمكنك الاستعانة به اذا احتجت الى شيء لا تفهمه فهو يكبرك بخمس سنين . . لا تنسى ذلك . . و اخيرا ابتداءا من الغد عليك بزيارة الطبيب النفسي الذي سيدلك عليه ابن عمتك كريستينا . . هكذا كلنا سنصير عائلة واحدة سعيدة ، انسى شيئا اسمه الدراسة و الثقافة فليس يصب في منفعتك ، وان كنت مطيعا سنبحث لك عن زوجة . . هاه . . ماذا قلت ؟ . . زوجة جميلة . . لقد سمعت أن ابنة البروفسور دانتي قد تخرجت ، ان لم يقبل ابن عمتك أولا بالنظر اليها ، سنفكر فيك . . . أرأيت كل شيء سيكون على ما يرام . . »
بهذه الكلمات السحرية انهت الجدة خطابها العاطفي ، و الذي لم يكن منه على أوربان إلا شفقة زارت فؤاده على هؤلاء الواقفين أمامه ، حتى أمه شملتها هذه الشفقة من أوربان ، إنهم ببساطة لا يفهمون شيئا مما يدور في الكون أو في النفس البشرية ، إنهم يجهلون ذواتهم حتى جهلا عميقا و عجيبا ، هناك استرجع أوربان مقطعا من الرواية كان قد حفظه من كثرة تكراره . .« يا اخوتي لا تحتقروا البشر لخطاياهم ، أحبوهم رغم خطاياهم ، فبذلك تعرفون المحبة العظمى التي هي على صورة محبة الرب ، أحبوا خلق الله جملة، وأحبوا كل ذرة من الرمل على حدة ، وكل ورقة شجرة ، وكل شعاع ضوء . أحبوا الحيوانات ، أحبوا النباتات ، أحبوا كل موجود . إنكم حين تحبون الخليقة تنفذون إلى السر الإلهي الذي تضمه ، و المعرفة التي تحصلون عليها بهذا ستنمو بعد ذلك ، ثم ما تنفك تكبر في كل يوم ، فاذا حبكم يعم الكون بأسره ، ويصبح شاملا . أحبوا البهائم لأن الرب قد وهب لها بذرة فكر وأودع في قلبها فرحا بريئا . »
عند الطبيب النفسي :
إننا لا نريد أن نطول بذكر تفصيلات لا داع لها في هذه المسألة ، إنما نكتفي بذكر المهم ، وهو أن قدوم أوربان عند هذا المختص الذي كان صديقا قريبا لابن كريستينا ، خلاصته تمثلت في خطة سخيفة تواطئ عليها الصديق مع المختص لاغتيال وعي أوربان ، فقد اقترح الطبيب النفسي القيام بعملية تنويم مغناطيسي يثبت من خلالها فلسفة القدر التي كان يحتج ضدها أوربان ، أي أن كل ما حدث لشخصيتنا هو أمثل وأفضل الأحداث الممكنة من بين الفرضيات الأخرى ، و بتعبير فلسفي محض : ليس في الإمكان أبدع مما كان . . . فبعد أن استلقى أوربان على السرير المفروش بقطعة بيضاء تثير شعورا غريبا في نفس من يكون عليها ، راح المختص يتكلم ببطء شديد و بنبرة صوت ثابتة . . الخ . . ليجعل أوربان في حالة مناسبة لتلقي الافكار التي سيعرضها عليه ، ثم شرع يلعب على وتر حساس هو حادثة وفاة أبيه ، و العجيب في الامر ان بيد الطبيب كان هناك كتيب صغير يعود للرواية التي امتلكها أوربان ، فابن كريستينا لم يحرق كل الكتب و الأجزاء الموجودة كما أمرته الجدة ، بل احتفظ بكتيب صغير يعود للرواية تلك ، حتى يستعمله لاحقا بخبث ، ذلك أنه فكر مرتين ، الأولى أن يحتفظ به لجعل العائلة تكره أوربان مرة ثانية و تعاقبه على سرقة هذا الكتيب و عدم حرقه ، الثانية استغلاله عند صديقه المختص النفساني حتى يكون تأثيره أقوى ، وقد وقعت هذه الأخيرة . . . بعد أن صار أوربان في حالة مناسبة ، شرع الطبيب حديثه قائلا :
« انت الآن بجانب والدك ، إن تشخيص الأطباء كان خاطئا ، فلم يكن هناك أي سرطان كبد ، بل مجرد ورم قابل للمعالجة ، استفاق المختصون بحالة أبيك في الدقيقة الأخيرة و عالجوا الورم . . .أبوك عائش بيننا اليوم ، أنتم في منزلكم القديم ذاك ، كلكم عائلة واحدة ، انتم مستقرون ماديا ، لكن اختك الصغرى جاءت بكارثة ، بسبب أبيك ، بسبب كلمة واحدة من أبيك . . . وجدوها تحضر للهروب مع أحد اقربائك من جهة أبيك الذي كان قد تغير ، إن الطيبة التي كان يمتاز بها جاءت من عند سرطان الكبد الموهوم أنه أصيب به ، فلما زال الوهم وذهبت الغشاوة ، تحرر من زهد الكاذبين وعاد إلى طينته الأصلية ، هاهو يضرب أمك و يسرق أموالها التي كانت تخزنها ، و هاهو يخطط للرحيل و ترككم ، يريد السفر و رؤية العالم ، يريد زواجا جديدا و متعة جديدة ، هاهو يقطع عنك علاقاتك مع عائلتك و يمنع عنك المال فتتوقف دراستك ، إن أباك وحش كان توحشه مختفيا وراء ستار المرض الذي عانى منه ، فلما زال برزت حقيقته للعالم . . . إنك جالس وحدك تستمتع بروايتك المفضلة تقرأ : " إن الحب المتواضع قوة هائلة ، اقوى من سائر القوى ، ليس لها مثيل في العالم . راقب سلوكك في كل ساعة وفي كل دقيقة من اليوم ، حتى تشع الطهارة منك ، قد تمر قرب طفل و قد عصف بك الغضب ، فتفلت من لسانك كلمة سيئة : لعلك لم تلاحظ وجود الطفل ، ولكن الطفل رآاك ، و الصورة النجسة الخبيثة التي تركتها له ستبقى في قرارة قلبه البريء . انت لم يخطر ببالك شيء ، ولكنك قد بذرت بذور الشر في هذا الكائن الصغير ، ولا شك أن البذرة السيئة ستطلع يوما فتجلب له الشقاء ، كل ذلك لانك لم تراقب نفسك بحضور الطفل " . . . هذا ناموس من نواميس روايتك المفضلة لكن انظر ، فأبوك يخرق هذه النواميس ، إنه لا يؤمن بأن الحب قوة هائلة ، وهل تذكر الكلمة التي بسببها هربت أختك الصغيرة ، هي كانت طفلة و الكلمة جاءت من أبيك فبذرت في نفس أختك الصغيرة بذرة طلعت شقاءا تمثل في هروبها ، الكلمة كانت " الفاسقة " أرسلها لأمك ، لكن أختك التقطتها أيضا . . انظر هاهو ابوك يحاول منعك من قراءة روايتك المفضلة ، يمسك روايتك يريد تمزيقها . . لقد كنت تقرأ المقطع التالي : " كل شيء في الانسانية عادة ، و الامر كذلك في ميدان الحياة الاجتماعية و السياسية ، ان العادة هي المحرك الكبير للحياة الانسانية ، انظر إلى هذا الفلاح كم هو مضحك " . . . كل شيء في الانسانية هو عادة ، و عادة أبيك بعد انتهاء مرضه هي جعل حياتكم جحيما لا يطاق ، الجحيم هو عذاب الانسان من أنه لا يستطيع ان يحب ، أبوك يجسد هذا الجحيم فهو لا يعبد إلا نفسه ، هاهو من جديد يمزق روايتك المفضلة ، لا احد يدافع عنك ، يصل به الحد إلى طردك من المنزل ، و لا يبقى إلا هو و أختك الكبرى ، إن امك مريضة ملقاة في المستشفى نتيجة انهيار عصبي ، كان نتيجة تراكمات كثيرة من الضرب و الاهانات ، تذهب بعيدا و انت تمسك قطعة ممزقة من روايتك المكتوب فيها : "انا لا استطيع التعبير عن نفسي بمزيد من الوضوح ، ، ولكن ويل للذين أنهوا حياتهم على هذه الأرض بأنفسهم ، ويل للمنتحرين .. احسب أنه ليس من يفوق هؤلاء شقاءا ، يقال أنه اثم أن ندعو الله لمن قتل نفسه بارادته ، وواضح أن الكنيسة تطرد من حضنها ذلك الذي قتل نفسه بارادته . ولكنني اشعر مع ذلك ، في سريرة نفسي ، انه يجوز الدعاء للمنتحرين ، لأن المسيح لن يسوؤه افراط في الحب . لقد دعوت طوال حياتي للمنتحرين ، اعترف لكم بهذا يا آبائي ومعلمي ، ومازلت أدعو لهم كل يوم " . . . كنت تفكر في الانتحار وانهاء معاناتك هذه ، لكن بعد ان قرأت هذا من روايتك الممزقة ، قررت فعل البديل ، ها أنت تتجه نحو المنزل مجددا تريد قتل أبيك لتنتهي المسألة ، تتمنى لو قتله سرطان الكبد قبلا ولم تضطر عائلتك لتصل لمثل هذه النقطة ، ها أنت رفعت و شمرت عن ذراعيك ، تطرق الباب بقوة ، تمسك ساطورا جلبته من الخارج ، تستخفي عند جدار الباب حتى تباغت المجرم والدك . . . يفتح والدك الباب ، يقوم بالتقدم امام الباب من غير الاحساس بوجودك . . . هاهو غافل عنك . .ها أنت ترفع ساطورك عاليا . . عاليا و تنزل به بكل قوتك على رأس والدك ، فيسقط من ضربة واحدة . . »
مع هذه العبارة الأخيرة ، استيقظ أوربان تحت فزع شديد يرتعد ارتعادا كأنما ذلك الحلم الذي عاشه يمثل حقيقة وواقعا ، يقوم بالنظر إلى يديه باحثا عن الساطور ، وعيناه تفيضان من الدمع ، يبحث هل يوجد دم في يديه ، هل قتل والده . . . ؟ . . و يجدر بنا الاشارة الى ان أوربان قد عايش تخبطا وقلقا شديدين اثناء حديث ذاك الطبيب ، فلم يزايله العرق المتصبب ولا الحمى التي شرعت تنساب في جسمه ، حتى بلغ الأمر دموعا أحيانا مع ارتجاف شديد خصوصا في اليد اليمنى ، كذلك شحوب و اصفرار سببا له جفافا في فمه ، جفافا ظهرت أمارته على الشفتين سريعا ، إلى أن بلغ مقطع قتل والده هنالك استفاق من هول الحادثة ، خصوصا أن له ذكريات طيبة جدا مع والده . . .
استفاق أوربان من التنويم الذي عاشه ، و بعد أن تحقق من يديه أنهما خاليتان من بقع الدم ، وانه لا ساطور يحمله في ذراعه ، قام بالنهوض مباشرة من غير القاء كلمة واحدة ، متوجها نحو الباب . . . . . . . لم يرى أحدهم أوربان من تلك اللحظة .







اخر الافلام

.. بتحلى الحياة – فقرة الأفلام مع تانيا فخري


.. On screen تعرف على أخر تطورات إستقالة - أشرف زكي - نقيب المم


.. On screen اكاديمية الفنون تحتفل بتخرج دفعة جديدة في حضور بعض




.. بتحلى الحياة – الممثل طوني معلوف


.. بدء عرض فيلم -سراب الحمام- الذي يروي قصة الغزو العراقي للكوي