الحوار المتمدن - موبايل



-مفاوضات إيفيان- أجبرت الجنرال -ديغول- على الاعتراف ب: -جبهة التحرير الوطني-

علجية عيش

2017 / 7 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


ديغول سعى الى خلق قوة ثالثة تصبح الإدارة الجزائرية للاستعمار الحديث
"مفاوضات إيفيان" أجبرت الجنرال "ديغول" على الاعتراف بـ: "جبهة التحرير الوطني"

حظي تأسيس الحكومة المؤقتة اعتراف العديد من الدول، برهن ذلك على أن جبهة التحرير الوطني لم تكن في حالة احتضار كما كانت تدعي الأطروحة الديغولية، و قد حرصت الحكومة المؤقتة على أن تلفت نظر الرأي العام و المجتمع الدوليين إلى المكائد الفرنسية تجاه الثورة الجزائرية، خاصة ما تعلق بتمديد عمليات الاستفتاء، و الحقيقة لولا تظاهرة 17 أكتوبر 1961 لما اعترف ديغول أن الحل يكون سياسي و ليس عسكري، حيث أجبر على الاعتراف بجبهة التحرير الوطني، كما أجبر على التفاوض معها، حيث جاءت مفاوضات إيفيان التي أنهت الاستعمار و اتفاق الجانبان على توقيف القتال، و الجزائر تحتفل بالذكرى الـ: 55 لإسترجاع السيادة الوطنية ما يزال البعض يعتقد أن ديغول هو الذي منح الإستقلال للجزائريين، و تناسوا أن الجزائر دفعت ضريبة الدم في سبيل الإستقلال قدرت بما يزيد عن مليون و نصف مليون شهيد من خيرة أبنائها في وقت تقول بعض الأرقام أن عدد شهداء الجزائر بلغ 10 مليون شهيد


كانت الحكومة المؤقتة بقيادة فرحات عباس بمثابة الرأس المسير للثورة ، ففي اللقاء الذي عقدته لجنة التنسيق و التنفيذ التي تمثل السلطة التنفيذية للمجلس الوطني للثورة الجزائرية في 09 سبتمبر 1958 ضمَّ كل من فرحات عباس، الأخضر بن طوبال، عبد الحفيظ بوالصوف، محمود الشريف، كريم بلقاسم، محمد الأمين دباغين، عبد الحميد مهري، عمر أوعمران، ناقشت المجموعة مسألة تشكيل الحكومة المؤقتة، و قد استعرضوا في الاجتماع الوضع السياسي و العسكري للبلاد و تطور الأحداث على الساحة الفرنسية، و مجيء ديغول الى الحكم، أين تقرر تشكيل في أقرب وقت حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية، دشنت ميلادها بالإعلان عن موقفين أساسيين، و هذا بغية التضييق على الدبلوماسية الديغولية، الأول هو الإعلان عن استعدادها للتفاوض و الثاني هو قرار إطلاق سراح بعض الأسرى الفرنسيين، وقد كلفت القضية الجزائرية خسائر كبيرة بالنسبة لفرنسا، حيث أُجْبِرَ الجنرال ديغول على طرح بعض الاقتراحات لإنهاء الحرب، لأن المقاومة التي أبداها الثوار الجزائريين في الجبال أصبحت تهدد صميم فرنسا، فعمد ديغول إلى تقسيم الأمة الجزائرية، بحيث تكون لكل منطقة حكم ذاتي مبني على مجموعات (عرقية فرنسية، عرقية قبائلية و ميزابية) تتعايش فيما بينها في إطار النظام الفيدرالي الذي هو امتداد للقانون الأساسي لـ: لانيال Laniel 1958 الذي يهدف في الواقع إلى تجزئة الجزائر، تم ذلك عن طريق التهديد، بعدما اختار ديغول منطقة خاصة للأوروبيين، مع الاحتفاظ بالصحراء و كل المنشآت النفطية التي اعتبرها ثمارا لفرنسا، و قال أنها تهم كل الدول العربية.

حسبما جاء في مذكرات يوسف بن خدة، فقد كانت قضية "النفط" السبب الرئيسي في طول الحرب و تقدمها بثلاث سنوات، فديغول لم يكن يعترف بجبهة التحرير الوطني كممثل وحيد للمقاومة الجزائرية ، كما أن موقف الحكومة المؤقتة كان واضحا، إذ كانت ترى أن تقرير المصير مرهون بتوفر شروط سياسية و عسكرية، و أن لا يتم وقف إطلاق النار دون تحقيق هذه الشروط، و مقابل هذه الشروط لجأ ديغول إلى المناورات، حيث لجأ إلى مساومة قادة الولاية الرابعة من أجل وقف إطلاق النار في هذه المنطقة فقط، في نفس الوقت قام بدعم القوات المسلحة في الجزائر فيما عرف بعمليات "شال" و "موريس" للقضاء على الثورة الجزائرية، و اعتبر ديغول أنه بهذا المخططين أن التحقيق العسكري على الثورة قد أصبح وشيكا، و فضلا عن هذا، ادّعى ديغول أن الحكومة المؤقتة ترفض التفاوض، و لكن ما فتئ ديغول أن يكتشف بنفسه أن التقارير التي كانت تصله ليست صحيحة، و أن جيش التحرير الوطني ما زال يتمتع بالقوة، و الحقيقة و كما جاء في كتاب : النُّوفَمْبَرِيُّون يُطِيحُونَ بجنرالات فرنسا (ديغول ينهزم في الجزائر) تأليف علجية عيش طبعة 2017 ، أن ديغول أن ديغول كان يبحث عن طرق يصل بها إلى "الهدنة" ، كما جاء على لسان ممثله " لومبيدو" في لقاء لوسارن المنعقد في 20 فيفري 1961 من أجل أن يحقق حلمه في فصل الصحراء عن الجزائر، و هو المقترح الذي رفضته الحكومة المؤقتة، و هنا أجبر ديغول على المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني، غير انه أبقى تحفظه على قضية الصحراء، لأنه كان يدرك أن الدول المجاورة ستؤيده ، خاصة المغرب ، التي كانت تطالب بتندوف ( أيام محمد الخامس) ، و بورقيبة كان يطالب بعلامة الكلم رقم 233، و هي منطقة نفطية تقع غرب غدامس، و أمام إحساسه بالفشل أعلن ديغول في خطاب له في سبتمبر 1959 عن مشروع جديد سمي بـ: "تقرير المصير" من أجل أن يكسب الرأي العام الدولي و المحلي لصفه و تبرير هزيمته العسكرية أمام جيش التحرير الوطني، لكن رد الثورة كان عنيفا، فقد عبرت الحكومة المؤقتة عن استعدادها للدخول في محادثات مع الحكومة الفرنسية لبحث الشروط السياسية و العسكرية لوقف القتال، و بحث شروط و ضمانات تقرير المصير، و أن يقول الشعب كلمته بعيدا عن أيّ تهديد، مع سحب الجيش الفرنسي من الجزائر، و أكدت على رفضها لمشروع التهدئة الذي جاء به ديغول، بعدما كشفت مناوراته أمام القارات الخمس، و التي من خلالها كسبت تأييد عالمي للقضية الجزائرية، لم يكن لديغول خيار آخر سوى الذهاب إلى "المفاوضات" بعدما وجد نفسه وحيدا يواجه المعمرين المتواجدين بالجزائر الذين أصروا على البقاء ، فكانت مهمته إقناعهم بوجوب التفاوض مع جبهة التحرير الوطني لإيجاد مخرج لفرنسا من الحرب التي كلفتها خسائر مادية و بشرية فادحة.
فهذه شهادة حية من المجاهد عبد الحميد ابراهيمي في مذكراته التي جاءت تحت عنوان: " في أصل المأساة الجزائرية " أن ديغول كان مقتنعا بالمجيء الحتمي للإستقلال السياسي للجزائر، و الحقيقة لولا تظاهرة 17 أكتوبر 1961 لما اعترف ديغول أن الحل يكون سياسي و ليس عسكري، حيث أجبر على الإعتراف بجبهة التحرير الوطني، كما أجبر على التفاوض معها، حيث جاءت مفاوضات إيفيان التي أنهت الإستعمار و اتفاق الجانبان على توقيف القتال، اقتنع الفرنسيون بأن الأساليب القمعية التي مارسوها في حق الشعب الجزائري لم تستطع إيقاف الثورة عن مسارها من أجل تحقيق النصر، حيث لجأ ديغول إلى المفاوضات، فيما عرف باتفاقيات إيفيان لوقف إطلاق النار و تقرير المصير، كانت مهمة ديغول هي إقناع المعمرين بوجوب التفاوض مع قادة جبهة التحرير الوطني لإيجاد مخرج لفرنسا من الحرب التي كلفتها خسائر مادية و بشرية، و القبول بالحل السياسي، لقد لجأت فرنسا إلى التفاوض ، دون أن تتطرق إلى قضية الصحراء، و كأنها أرض فرنسية، لكن هذه المفاوضات التي كانت من المفروض أن تتم في إيفيان تجلت أكثر من مرة لأسباب عديدة منها انقلاب الجنرالات الفرنسيين المتطرفين على الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول و الإطاحة به و منهم الجنرال سالان، جوهو و شال، كما أن تأجيلها كان بسبب رفض الطرف الجزائري التفاوض بشان المبادئ التي جاء بها بيان أول نوفمبر 1954 ، مما دفع رئيس الوفد الفرنسي لويس جوكس إلى وقف المفاوضات في 13 جوان 1961، و لاستئنافها تم اختيار مدينة لوقران lugrin ، دون التوصل إلى أيّة نتيجة، و كان الطرف الجزائري هو الذي أصر على إيقافها بسبب إصرار الحكومة الفرنسية على عدم الاعتراف بالسيادة الجزائرية على الصحراء، إلى أن اعترفت فرنسا بهذا الحق في خطاب ألقاه ديغول يوم 05 سبتمبر 1961 اعترف فيه بسيادة الجزائر على صحرائها، فكان اللقاء الثالث بمدينة بال السويسرية.

و رغم الخلافات التي نشبت بين قادة الثورة في الداخل و الخارج، غير أن المفاوضات استمرت بعد موافقة المجلس الوطني للثورة الجزائرية فيما عرفت بمفاوضات إيفيان الثانية ، حضرها كريم بلقاسم، سعد دحلب، محمد الصديق بن يحي، الأخضر بن طوبال ، عمار بن عودة، رضا مالك و الصغير مصطفاي، و التقى الجميع بالوفد الفرنسي الذي كان يمثله لويس جوكس الجنرال دوكاماس و آخرون، و توج اللقاء بتوقيع اتفاقيات يوم 19 مارس 1962 و توقيف إطلاق النار، و تنظيم استفتاء تقرير المصير، لقد تمكنت الثورة الجزائرية من تحقيق انتصارات دبلوماسية هامة، حيث ساندت العديد من الدول حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، و أصبحت القضية الجزائرية تناقش على مستوى جمعية الأمم المتحدة، أما الحكومة الفرنسية برئاسة الجنرال ديغول، فأصبحت تتخبط و تبحث عن كيفية التخلص من مشكل حرب الجزائر بأقل الخسائر، فالمفاوضات بين الحكومة الفرنسية و قيادة الثورة الجزائرية كانت تتعثر أحيانا، و كانت الحكومة الفرنسية تختبر مواقف الحكومة الجزائرية المؤقتة و تبحث عن مخرج يحفظ فرنسا مصالحها بعد منح الجزائر استقلالها، حيث بدأت المساومات، بمنح الجزائر حق الحكم الذاتي مع الاحتفاظ ببعض المناطق تحت السلطة الفرنسية، لكن صمود الثورة و إصرار قيادتها على تحقيق هدف الاستقلال التام، و لتحقيق ذلك جاءت خطة تشجيع الضباط الجزائريين الذين كانوا في صفوف الجيش الفرنسي على الفرار المموه منه و الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني قصد اختراق صفوفه و التأثير في توجيه نفوذه في إطار الخطة الفرنسية، و هي في الحقيقة خطة وضعها ديغول للحفاظ على المصالح الفرنسية.

بعض المؤرخين و منهم محمد الميلي يرون أن اتفاقيات إيفيان إمّا هي مشروع عملي لتفجير جبهة التحرير الوطني أو حل وسط ثوري، فقد سعى ديغول الى خلق قوة ثالثة تصبح الإدارة الجزائرية للاستعمار الحديث، و بالتالي يضمن مصالحه، بدليل الضمانات التي منحتها اتفاقيات إيفيان للأقلية الأوروبية، و احتفاظ الحكومة الفرنسية بقاعدة مرسى الكبير و بعدد من المطارات و غير ذلك، مع الحفاظ على العلاقات الاقتصادية و المالية بين البلدين، كذلك التعاون في المجال الثقافي، أي تكوين فئة جزائرية تخدم مصالحه، و بهذه الشروط أو القيود دخلت العلاقات الجزائرية الفرنسية بعد الاستقلال مرحلة جديدة و كأن شيئا لم يحدث، ما لا يمكن نسيانه هو أن ديغول خلق فتنة في صفوف الثوار بإقحام بعض الخونة و المرتزقة و الجواسيس في صفوف الثورة، و لكن مشاريعه كلها باءت بالفشل أمام صلابة و عزيمة الثوار، فلم يكن له خيار سوى الاستسلام، كل هذه العوامل أرغمت ديغول على الاعتراف بالسيادة الجزائرية.

علجية عيش
مقتطفات من كتاب النُّوفَمْبَرِيُّون يُطِيحُونَ بجنرالات فرنسا " ديغول ينهزم في الجزائر" تأليف علجية عيش عن دار الأوطان للنشر و التوزيع و الترجمة طبعة 2017







اخر الافلام

.. ما وراء الخبر-مسؤولية التحالف العربي عن مقتل الأطفال باليمن


.. قتلى وجرحى بعملية دعس في برشلونة


.. حراك الجنوب اليمني يعتبر دور الإمارات احتلالا




.. دعوة السبسي للمساواة بالإرث تثير جدلا واسعا بتونس


.. أوروبا.. حوادث الدعس