الحوار المتمدن - موبايل



الحب في الوجودية

صيقع سيف الإسلام

2017 / 7 / 14
الادب والفن



كانت أمسية من تلك الأماسي التي يرغب المرء بإعادتها وتكرارها ، إنها بتعبير دستويفسكي : « الأنثى التي تقرأ لا تحب بسهولة ، إنها فقط تبحث عن نظيرها الروحي الذي يشبه تفاصيلها الصغيرة » . . . عليك ان تعذرني أيها القارئ مسبقا ، فأنا أخلط الأوراق كثيرا ، مما يجعل التركيز مطلوبا منك ، لست اتباهى بهذا ، لكنها تلك الخاصية التي لا يملك المرء منها مفرا ، قطعا أيها القارئ لك شيء من معرفة أن هناك صفات بشرية يصعب التخلص منها اذا كانت غير مرغوبة ، و كوني اقول هذا حتى ادافع عن نفسي ، فتترك كلماتي مبكرا ان كنت لا تتمتع بصبر و بصيرة نافذة تمكنك من فهم شيء مما سأحكيه لك ، و قبل أن أوضح الرابط بين روعة الأمسية و المقولة التي سردتها ، سأعطيك مفتاح اللغز كله الآن حتى لا تضيع بين الأحرف . . . إنني شخص لا يؤمن بالغايات و لا بالمنطلقات سواءا تلك التي يسمونها : القيم ، المبادئ ، المسلمات ...الخ . . . و عدم إيماني هذا هو ما منحني فرصة التعرف على تلك الآنسة الرائعة التي منحتني الأمسية المنشودة ، الأنثى التي قصدتها بممقولة الاديب الروسي ، لن أصف لك مقدار جمالها ، و كم كان فستانها الاحمر مبهجا للعين ، او كيف كانت حركاتها متناسقة تدل على ذكاء حركي مرتفع ، سأقول فقط انها من النوع الذي يجعلك ترتعش بعمق أفكارها ، إنني وقعت في حب عقلها ، كما وقع اينشتاين في حب عقل ميليفا ماريك ، و هاهي التفاصيل المفزعة :

كانت الآنسة جالسة لوحدها ( بفستانها الأحمر المبهج ) ، ولأني لم اكن بعيدا ، استحال عدم ملاحظتها ، و سبب ملاحظتي لها لا لأني مهتم بالجمال الحسي كما يصفه البعض ، فتلك خاصية تبرع فيها هرموناتي وتؤدي وظيفتها باتقان ، إنما مرجع القضية لسببين ، الاول أنني لا اؤمن بوجود الحب ، الحب المثالي أو الأفلاطوني أو العذري أو مهما كانوا يسمونه ، و تفسيري لهذا الادعاء هو ما سيأتي شرحه حينما تحيط أيها القارئ بالحوار الذي جرى معي و الآنسة ، السبب الثاني : هو أنه بدر من الفاتنة التي كانت قابعة بجانبي بعض التصرفات التي لا تكون إلا من خبير ملم بمعرفة جيدة ، مع ذكاء ملموس . . . بعد ان وقف أمامها مؤلف ما ، نسيت ان اقول اننا كنا ضمن محفل فكري ضم شخصيات مهمة متبرزة في مجالات فكرية مختلفة ، وقد تمت دعوتي بعد اصدار مؤلفي الخاص الموسوم بــ « آباء الوجودية » ، قلت بعد أن تقدم احد المؤلفين عندها يريد التعرف عليها ، كان واضحا أنه مغلوب عليه من الجمال الواقف امامه ، حينذاك سمعته يحاول الترحيب بها بطريقة تقليدية ، لا تقليدية كالتي تصدر من عامة الناس من عبارات الترحيب و التهليل ، انما التقليدية في نظر الطبقة الراقية ممن لهم باع في المعالجة النفسانية و خبرة في السلوك الإنساني و البشري عموما ، إن صديقنا المعجب هذا أطلق إحدى العبارات من قصيدة لفريديرك نيتشه يذكر فيها : « أجهل ما أحب ، لا سلم لي أو راحة ، أجهل ما أؤمن به » ، لما كانت هذه القصيدة مشهورة في الأوساط العلمية الأدبية ، توقع فارس الاحلام هذا ابتسامة من الآنسة و إقبالا عليه ، يعتقد انه يؤثر عليها بحفظ و ترتيل عبارة ما ، بل يبدو من أسنانه البيضاء التي برزت بعد تلاوته للعبارة أنه ممتلئ ثقة و منتفخ باليقين من جدارة اسلوبه ، لا شك أنه نجح بهذا مع عديد من النساء التي لا يعرفن نيتشه ، أو لا يعرفن أي شيء ، لكن الامر اختلف مع صديقتنا الفاتنة التي كانت ردة فعلها مدروسة جدا ، تنم عن مهارة عالية . . . أعطت لنفسها مدة عشر ثوان تنظر لحوض السمك الموجود أمامها ، تخللت العشر ثواني عملية شرب لكمية صغيرة جدا من الشامبانيا ، روزيه شامبين لأكون دقيقا ، ثم التفت إلى ذاك المؤلف قائلة : « إن تورم الغدة الدرقية يأتي مصحوبا بنقاط حمراء أسفل الفم مباشرة » . . . هنا أرجع المؤلف رأسه قليلا ، علامة على الاستغراب الشديد ، لوهلة اعتقد أنه لم ينطق عبارته السابقة نطقا يصل إلى مسامعها ، بل زاد استغرابه متبوعا بغصة خفيفة جعلته يبتلع ريقه عن غير ارادة منه ، هنا راح ذهنه يقذف بالاحتمالات في رأسه : ربما سمعته ولم تفهم ، ربما ليست مهتمة به أو هي من مناهضي فكر نيتشه ... الخ . . حتى آل به الحال أن يرفع يده إلى فمه يتحسس هل توجد به نقاط حمراء ، حينذاك أكملت الآنسة كلامها _ مع ابتسامة خبيثة تعلو وجهها_قالت :« أنت شاب و ترغب لنفسك في زواج و بنين . لكنني أسألك : هل أنت بالإنسان الذي يحق له أن يرغب لنفسه في ولد ؟ » .

التحليل :

بعد ان أطلق الفارس عبارته التي يعول عليها ، راح ينتظر نتائج فعلته تلك ، إن استمرارية الآنسة بالنظر و التركيز في حوض الاسماك القريب منها ، إنما ارادت به ان تعطي الشخص الواقف امامها نوعا من الصدمة الصغيرة ، تريد بذلك جعله يشك في قراره الذي اتخذه فيتهم اسلوبه المعتمد في التودد ، هذا اعطاه جرعة زائدة افرزتها الغدة الكظرية من الادرينالين ، مسببا له مزيدا من التوتر و القلق ، ثم راحت الآنسة تضاعف من نسبة التوتر هذه ، حيث قامت بشرب كمية صغيرة من الشامبانيا بوتيرة بطيئة ، مشعرة ضيفها أنها مرتاحة مع حوض الأسماك أمامها ، كأنها لم تلاحظه أبدا ، كأنه مخفي بالنسبة إليها ، ساعد هذا في احلال الاضطراب و التوجس داخل نفسية صديقنا ، حتى صدرت الخاتمة بقولها عن تورم الغدة الدرقية . . . إن الاسلوب الافضل في استقطاب نباهة شخص ما كما في محاولة ارباك و تشويش افكار هذا الشخص هو أن يطلق أحدهم عبارة غريبة عن الموضوع تجعله في حيرة من أمره ، و الاسوأ ان هذه العبارة الغريبة تسبب له عجزا و توقفا في التفكير ، يفقد معه الخطوة القادمة التي كان يخطط لها ، حيث يتسرب الشعور بالضعف و الهوان أمام الشخص الذي اطلق تلك العبارة غير المألوفة ، التي غالبا ما تؤدي مفعولها اذا ما كانت في منتصف حدث ما ، لا في بداية الحدث . . . مع الاحساس بالتوتر و الارباك ، زاد التعليق حول الغدة الدرقية صديقنا في مستوى الجهل الذي بلغه على مر تلك الثواني ، تنبه وقتها أنه ليس مسيطرا على الوضع ، إن الرجل يحب السيطرة على الظروف المحيطة به حينما تكون القضية امرأة خصوصا ، و لما كانت آنستنا مدركة لمفهوم السيطرة هذا ، ضربته في مقتل بأسلوبها ، مديرة دفة التحكم إليها ، يقول لسان حالها أنها سيدة الموقف ، و الحال أن التعليق حول تورم الغدة الدرقية المصحوب بنقاط حمراء ، إنما كان عن السمكة المتوفرة داخل الحوض ، والتي كانت مفتوحة الفم طيلة الوقت الذي قضته الآنسة أمام ذلك الحوض ، استنتجت أنه يوجد نقص في مادة اليود ، كما أنني لا اريد لعب شخصية شارلوك هولمز التي بالغ فيها احيانا السير ارثر كونان دويل ، ساعترف اني علمت هذا بصفة مباشرة من الآنسة نفسها ضمن حوارنا الذي جرى ، بل الشيء الذي تفطنت له هو عبارتها الأخيرة : :« أنت شاب و ترغب لنفسك في زواج و بنين . لكنني أسألك : هل أنت بالإنسان الذي يحق له أن يرغب لنفسه في ولد ؟ » . . . إن هذه العبارة تعود لفريدريك نيتشه كذلك من كتابه « هكذا تكلم زرداشت » ، حيث بهذا الاقتباس ارادت الآنسة اختبار المؤلف في مدى درايته بالفيلسوف الألماني ، ثم إني على يقين من وجود مرحلة قادمة كانت تحتفظ بها تلك الفاتنة بافتراض ادراك المؤلف للغز الذي طرحته ، قطعا هي من النوع صاحب الخطط بعدد حروف الأبجدية ، لكن خطتها الأولى نجحت بامتياز ، لما لم يفهم فارس الاحلام العبارة و راح يحدث نفسه : « بنين و زواج و اولاد . . . لا شك ان هذه السيدة مخبولة ؟ ؟ ؟ . . . » . . . مع هذا السيناريو صار المؤلف _الضحية_ يخسر اتزانه مع احساس يغالبه كأن الأرضية نزعت من تحته ، هاهو يتهاوى إلى الأسفل من غير نهاية لتلك الحفرة المظلمة ، لقد تمنى أن يدفن نفسه في التراب دون ان يعيش لحظات الاحراج تلك ، العجيب أن اللعبة لم تنتهي عند ذلك الحد ، بل بقي وراءها ورقة اخيرة تمثلت في كيفية انسحاب فارس الاحلام من ميدان المعركة ، وقد مثل ذلك متعة كبيرة ولذة عظيمة بالنسبة للآنسة الحسناء . دوما ما كان الخروج من المواقف المحرجة و الصعبة يمثل مشكلة عويصة للجميع ، في هذه الحالة يسعى الشخص لتعبيد طريق و تسهيل فرصة للانسحاب ، فينطلق ذهنه ضمن عملية تسارعية تشبه تلك التي نراها في أحد مراكز الاطفاء ساعة انطلاق الإنذار ، لعله يظفر بحل يحفظ ما تبقى من كرامته و يلملم ماء وجهه الذي جف او شذ عن مساره الى ارض مستنقع قذر ، أما مؤلفنا فلم يحسن التعامل مع الموقف و اراد استعمال حيلة سخيفة مكشوفة لصبي ذكي ، سعى هو في رفع رقبته عاليا ، مع لوي لشفته و تعريج أنفه ، يريد ابراز اشمئزازه من هذا التصرف ، كأن به اظهارا لمكانته ضمن المحفل الثقافي ، و لا يكون أحدهم معه على تلك الهيئة الا شخص جاهل به ، معدوم الحس و الذوق ، كأن صفا من الناس المرموقين ينتظرونه ، هم احتياط بالنسبة إليه ، حتى لا يخسر لذة الوقوف أمام الجمهور ، جمهور سيحكي له عن هذه الآنسة المخبولة ، يحاول رفع أنفه من التراب ، واخراج رأسه من الرمل ، و بعد تنهيدة يطلقها من صدره مصحوبة بغيظ شديد ، استدار مباشرة و عاد لينخرط مع الآخرين ، مع العلم أن آنستنا الفاتنة بقيت أغلب المدة تراقب السمكة ذات الفم المفتوح .

عودة :

بعد انسحاب الفارس ، استثارني اسلوب هذه الفاتنة في التعامل ، فقررت التقدم نحوها ، مستغلا عبارتها الأخيرة للفيلسوف الألماني ، و التي كنت أثق أنني املك ما يكملها ضمن نفس الصفحة ، واثقا من ذاكرتي التصويرية ، و قبل أن ادري وجدت نفسي واقفا عندها اردد : « لي سؤال أخصك به وحدك يا أخي : مثل رصاص المطمر أقذف بهذا السؤال في روحك لاختبر عمقها » . . . لقد كانت هذه العبارة التي تسبق مباشرة العبارة التي سردتها الآنسة ، لا شك ان هذا الترتيب يكشف لنا سبب اختيارها للعبارة الثانية بدل الأولى التي ذكرتها أنا . إن سبب اختيارها للعبارة الثانية هو محاولة لاخفاء مقطع جملة « لاختبر عمقها » ، لعله يكشف نية هذه السيدة في محاولة اختبار عمق أفكار الشخص الذي يقف أمامها ، فجاءت بالعبارة التي تتلوها_وهي الأهم_حتى تكشف عن الكفاءة في قالب لا يحتمل الشبهات . . . بعد سماع الآنسة الجميلة للعبارة التي تلوتها عليها من كتاب « هكذا تكلم زرداشت » ومن غير النظر في عينيها ، بل كنت مركزا على السمكة انا ايضا ، في محاكاة لتصرفاتها ، قلت بعد سماعها للعبارة نظرت بدهشة خفيفة تمثلت في ارتفاع حواجبها و توسع عيونها ، شاهدت فقط الانعكاس على زجاج الحوض ، لم تسنح الفرصة لرؤيتها هي ، و مع بقاء تركيز كل منا على السمكة ، استأنفت كلامي :

_ « . . . قبل كل شيء ، انت تعلمين لماذا انا هنا ؟ . . تعلمين الارادة التي تدفعني للوقوف بهذا القرب منك ، كما الهدف لك معلوم أيضا . . لا يزيد الأمر عن فيرمونات تأتي من جسدك ، سامحة للأوكسيتوسين الخاص بي أن يمدني بمشاعر الهدوء و الراحة ، كذا التستسترون بدأ يعطي مفعوله ، و كوني أتحدث معك بهذا الاسلوب المباشر هو أنني ببساطة متصالح مع ذاتي ، أيضا ثقتي بفهمك الجيد لما قلته للتو ، يمكنني أن اعدل لصيغة أقل وضوحا ، اقصد صيغة داكو الفرنسي وهي اننا نملك نفس طول الموجات . . . لم اقلها لاني اجدها عبارة مضحكة قليلا ولا تعطيني ذلك الرضا و الاشباع المعنوي بعد ترديدها ، ولو أنني اعتبرها صحيحة طبعا . . . إنني لا اهتم بالاسماء او التواريخ أو الاحداث ، اؤمن فقط بقضايا معينة أجد نفسي مضطرا نحوها من غير بديل ، احدى هذه القضايا معك اليوم ، وهي اساسية في نظر البعض ، بل محور الوجود كله_سيجموند فرويد_ . . .إلا أن هذا الهدف الرئيسي يمكن أن لا يحدث طبعا ، لذلك املك مغزى فرعيا هو تمهيد للرئيسي ان نال اعجابك . . . إن سؤالي يتعلق بالمؤلف الذي اتاك قبيل قليل ، الظاهر منه طبعا الوقوع تحت تأثير سحرك ، و بما أنك ذات نزعة عدمية كما لاحظت من تصرفاتك ، علمت ذلك من محض النظر إليك ، وتصرفك مع ذاك الكاتب قد دعم أطروحتي اتجاهك ، قلت كونك ذات نزعة عدمية ، تعتقدين بتساوي الأمور كشخصية « مورسو » في رواية الغريب لألبير كامو ، التساوي بين الانخراط مع المؤلف وبين عدم الانخراط معه ، إن مورسو على غرارك قد قبل الزواج بتلك السيدة رغم انه وضح لها ان زواجه منها لا يختلف عن عدم زواجه منها ، لكن هناك عاملا اضافيا هو الرغبة ، وبتعبير نيتشه نفسه : "نحن في الحب مع الرغبة أكثر من المرغوب " . . . إنني استغرب فقط عدم انخراطك بحثا عن الرغبة ، أما المرغوب فكلانا يعلم أنه يمكن استبداله . صحيح أن المجتمعات و الأشخاص يعتقدون بوجود عذري للحب ، الحب الافلاطوني على مصطلح البعض ، جاهلين أنهم حقيقة يبحثون عن حب أنفسهم فقط من خلال رؤية انعكاسهم على الآخرين ، يبحثون عن الرغبة التي تأتي كصدى ناتج فقط ، لا عن المرغوب ، هم يعبدون أنفسهم فقط ، ناهيك عن ان محركهم الأول هو الالتقاء الجسدي ، إن كل التقديمات من الموسيقى و الرقص و الطبخ و الزفاف داخل الكنيسة و قراءة الكتاب المقدس ...الخ ...كلها من اجل لحظة واحدة هي تلك التي تخص الفراش . . . انا افهم ذلك جيدا صدقيني . . . هذا هو سؤالي باختصار : لماذا لم تذهبي وراء الرغبة ؟ ... »

كانت الآنسة تستمع بشغف لكل كلمة صدرت مني ، إلا ان سكوتها قد اثار نوعا من الريبة داخلي ، سرعان ما زال حينما شرعت تتكلم وهي تدير رأسها باتجاهي ، كأن شرفا عظيما لي أن تلتقي عيوني مع عيونها . . . المهم أنها حركت معصمها قليلا ، أظنه كان يؤلمها ربما ، ثم قالت لي بنظرة تعكس ثقة كبيرة :
« . . . ابتدءا انا اوافق كلامك ايها السيد المجهول ، كما أنني لا اهتم بالتواريخ أو الاسماء تماما مثلك . . . و لأن لي وقتا سأضيعه في انتظار نهاية هذه الأمسية المملة ، فسأتحدث عن نفسي ، ترى ماهو الذي يستطيع أن يتحدث به الإنسان السوي ويحس بأعظم المتعة ؟ ، الجواب هو أن يتحدث عن نفسه ، نعم هذا ما أنا مقبلة عليه من خلال الإجابة على سؤالك الذي طرحته . . . و قبل أن ابدأ يا هذا ، أرجو ان لا تشعر بالاهانة ان دعوتك بــ : يا هذا أو السيد المجهول ، إنني فقط متصالحة مع ذاتي كما هو حالك ، هكذا سأقول لك بدءا أنني كامرأة غامضة المعاني ، تجد صعوبة في تبسيط الامور وتسهيلها . . لكن . . لكني أثق بذكائك ايها .. لا يهم . . نعم اثق بذكائك ، من كلامك يبدو انك شخص كفؤ ، فاسمع اذن ما أرد به على كوني تاركة الرغبة لا المرغوب . . . لنفترض وجود شخصان : الاول هو صديقنا المؤلف ذاك و الثاني هي أنا . . . يقف المؤلف عند النقطة "أ" ، أقف عند النقطة "ب". . . إن كل من " أ " و "ب" شارعان في مدينة خيالية ما ، حيث ينطلق المؤلف من " أ " على الساعة 9:00 ، أما أنا فلا استيقظ حتى 9:30 ، ثم تبدأ رحلتنا :
يترك المؤلف النقطة "أ" يريد بلوغ مقر عمله على الساعة 9:30 ، لكن سيارات الأجرة في تلك الصبيحة كان غالبها مشغولا ، السيارة الوحيدة التي أوقفها المؤلف اضطر لتركها كونه نسي أحد الملفات في غرفة فندقه ضمن الطابق الأخير ، هنا غادرت سيارة الأجرة ، مما أجبر صديقنا على المشي سيرا كي يبلغ الشارع رقم 29 ، مدة السير استغرقت 15 دقيقة ، اضافة الى 10 دقائق في محاولة استرجاع الملف المنسي ، الساعة حاليا 9:25 ، بعد الوصول للشارع 29 ينتظر المؤلف الحافلة التي تأخذه لمقر عمله ، المقرر انطلاقها عند 9:45 ، تبلغ الحافلة موقفها بتوقيت دقيق ، حيث يركب الناس سريعا ، منهم صديقنا يجلس في الأخير بجانب نافذة مطلة على الخارج ، لكن الشارع رقم 32 و الذي تمر منه الحافلة كان مزدحما بشدة ، مما جعل السائق يستدير و يأخذ طريقا أطول حتى يبلغ محطته الأخيرة ، و لأن مقر عمل المؤلف سيكون بعيدا اذا لم تمر الحافلة على الشارع 32 ، هنا نزل صديقنا بالقرب من الشارع " ب " ، كي يتسنى له الحال اكمال ما تبقى سيرا مجددا ، الساعة حاليا 10:00 ، في تلك الفترة كنت أنا قد استيقظت و جهزت نفسي للانطلاق في رحلتي المقررة الى مدينة خيالية اخرى ، في تمام الساعة 11:00 ، وكما أني انتهيت و نزلت من غرفة فندقي ، تخيل من وجدته مارا في الشارع " ب " ، إنه الموظف من الشارع " أ " ، الساعة 10:19 التقت عيناي بعينيه ، و لأن حدقة عيني كانت متسعة استجاب دماغ المؤلف مباشرة معطيا له شعورا بالاعجاب ، اما الفرمونات التي كانت تصدر من جسدي ، جعلت هرمون التستسترون يتدفق ، و بتدفق التستسترون شعر المؤلف بالانجذاب نحوي ، حتى أنه عبر عن تدفق الهرمون الجنسي بكلمة قالها لي أنني جميلة ، إن كلمة جميلة التي خرجت من فمه هي مجرد تعبير على أن الفيرمونات قد أثرت فيه مولدة تلك الاستجابة ، و كنقطة اضافية كنت أنا و المؤلف نملك نفس طول الموجة . . . هنا لا داع لفرض سيناريو وسيط ، بل أنتقل مباشرة للتحدث عن الرغبة . . . بعد عملية الاعجاب التي حدثت بيننا ، انتقلنا لما تسميه المجتمعات الجاهلة بالحب ، فالمؤلف لم يكن يحبني ولم اكن أحبه ، هو فقط أحب نفسه مزيد حب من خلالي ، وانا أحببت نفسي أكثر من خلاله ، لنأخذ عبارة صديقنا الموظف من الشارع " أ " ، اقصد عبارة نيتشه ، ان استشهاده بتلك العبارة وغيرها من القصائد و الاشعار و الرسائل التي كتبها لي ، ما كانت في الحقيقة الا من اجل نفسه ، انه لحظة سردها يشعر بلذة كبيرة عن نفسه ينسى كل شيء محيط به ، لسان حاله لحظة سردها يقول : انظري أنا اقرأ لنيتشه واقتبسه ، انظري انا اتمتع بذاكرة لا احتاج معها لقراءة شيء ، انظري انا نوع خاص لي طرق خاصة في استجلاب محبتك ، لست عاديا مثل الآخرين . . . ان الاشعار التي كتبها من اجلي فهو مؤلف بارع ، كان يكتبها بلذة عظيمة ، يستشعر من خلالها براعته في الكتابة و التأليف ، ان قراءته للقصيدة الاخيرة التي كتبها لي كانت اعظم بالنسبة اليه مني انا، حبي للقصيدة كان قزما بالنسبة لحبه للقصيدة التي كتبها هو نفسه ، إن كلمة " أحبك " التي قالها لي ، لم تكن لي في الحقيقة ، بل كانت للأفعال التي كنت اقوم بها معه واتجاهه ، قال لي تلك الكلمة لأنني اجعله يشعر بالفخر اتجاه نفسه ، حينما فرحت بالقصيدة التي سردها إلي ، شعر باعجاب شديد باستجابتي لا بي انا ، كان ينتظر ان اصف له براعته في الكتابة و خياله الجامح و الواسع ، كان ينتظر ان اعترف له كم سعيدة ومحظوظة لأنه في حياتي ، كله فقط من اجله هو ، ما أنا الا وسيطة ووسيلة لا اكثر ، لم اشعر دقيقة انني الغاية عينها ، النهاية هي البحث عن ان ادغدغ غروره بنفسه ، لقد احب المؤلف نفسه من خلالي ، لم يحبني انا لشخصي و روحي . انني لا ابرأ نفسي فكما فعل هو معي ، قمت انا بنفس الفعل معه ، انني كررت تلك الكلمة " أحبك " له عددا من المرات ، اعترف اني كاذبة ، لقد احببت تعاطفه معي ، تلذذت بانه خاضع لي ، أسير عندي ، كانت احدى صديقاته ممن تعرفت عليهن لاحقا راغبة فيه و ملحة على الارتباط معه ، هل تعلم ان اعظم شعور احسست به ، هو ذاك الشعور بأني تفوقت على تلك الصديقة ففزت بالمؤلف بدلا منها ، لم أحبه هو ، بل احببت فوزي به ، احببت نفسي بالفوز به دون سواي ، ثم لما ماتت تلك الصديقة ، خسرت لذة عظيمة لم تقترب من مستواها لذة اخرى . . . لقد كان المؤلف جاهلا بأنه يحب نفسه فقط من خلالي ، هو اعتقد المسكين أنه يحبني صدقا ، كما يعتقد اغلب البشر ، لكنه كان كغيره جاهلا بهذه الحقيقة ، حقيقة أننا مع الرغبة لا مع المرغوب كما قال نيتشه . . . هنا سأجيبك لماذا لم اذهب وراء الرغبة ؟ . . . لقد امتلأ صدري حنقا و صار وجهي مكفهرا لما ادركت حقيقة اننا مع الرغبة فقط ، اننا أنانيون جدا فلا نحب الا انفسنا على حساب الغير ، ثم الذي اثار عصبيتي هو نطق تلك الكلمات الكاذبة من الحب الزائف و المخدوع ، بل ليست وحدها حتى الاحاسيس من وراءها احاسيس بليدة متعجرفة لا تقوم على اساس صحيح او صادق البتة . . البتة اقول لك يا هذا ، فلما كان الاساس غير صادق لم اجد من نفسي دافعا يحفزني الى الانخراط مع المؤلف ...»

لا اريد ان اطيل في تحليل كلام هذه الآنسة الذكية ، لكن الملاحظ لكلامها يدرك معرفتها باغوار النفس البشرية كما قدرتها الفذة على التجريد ، مما دفعني لترتيب كلماتي حتى لا اكون دون المستوى اللازم ، انه لامر مضحك رغم نزعتي الوجودية و العدمية ، تأتي تلك اللحظات التي ينزع فيها احدنا افكاره وعقائده وهو جاهل بالدافع الحقيقي لذلك ، السبب المختبئ في الاعماق البعيدة . الحاصل انني سعيت في جعلها تعيد الاعتبار للرغبة من اجل بلوغ الهدف الرئيسي الذي أشرت اليه سابقا في بداية كلامي معها ، مستغلا بضاعتي المعرفية نحو ذلك ، كأنني وكيل النيابة هيبوليت لما راح يشرح بالسيكولوجيا جريمة دميتري في الاخوة كارامازوف . . . نظرت اليها مباشرة و اخرجت يدي من جيبي ، حتى لا تعتقد أني كنت في موقف دفاعي من كلامها . . . قلت :
« لا يجب أن يكف المرء عن ان " يرغــب " . . . صحيح انه لا انفصال بين الدماغ و العضوية ، لكن في مرحلة ما يجب ان نتخلص من العاطفة السلبية التي تفقدنا العزاء الوحيد الذي نملكه في هذه الحياة القصيرة ، و لأنه ليس هناك شيء غير المتعة و الرغبة ، التي يجسدها الانسان الأناني ، وكلنا ذلك الإنسان الأناني ، كذا أن البديل الوحيد هو الانتحار ، و بما أنه ليس خيارا متاحا لاشخاص مثلنا ، حيث غريزة الجسد في البقاء اقوى من غريزة العقل ، يكفي ان ارمي نفسي في البحر محاولا الغرق ، حتى ابدأ في المقاومة و محاولة النجاة بالسباحة . . .هكذا لن يبقى لنا الا الرغبة ، اما خيارك يا آنستي الجميلة وهو المتمثل في نفي خيار الانتحار و نفي خيار الرغبة ، فهذا من اعظم الشر في حق نفسك ، و كمحاولة مني لايصالك الى قبول الرغبة سأعتمد تذكيرك بفكرتين . . . إن سبب قولي " تذكير " و ليس غيرها من الكلمات ذات المدلول البرهاني هو اني مؤمن يقينا بعقليتك الفذة صاحبة الاطلاع الواسع كما النباهة النادرة ، ليس بيننا من لم يخضع لقهر مشاعر معينة ضمن مواقف معينة ، ثم بعد ثلاثين سنة يكتشف انه كان مخطئا ، خطأ ناجم عن نسيان منه للتأصيل السليم الذي يعطيه عاطفة جديدة تحل محل العاطفة القديمة ليستأنف حياته . لقد كان لي زميل عمل مقرب جدا مني ،هو عند وصف المجتمع أفضل من أخ عندي ، ثم لما شاءت الطبيعة انتقالي الى ولاية ثانية ، استبدلت العاطفة التي كنت املكها لزميل العمل ذاك بعاطفة جديدة مع زميل جديد و هوايات جديدة . يستحيل على الإنسان أن يحب أخاه الانسان ولا يحتقره ، رأيي أن الإنسان خلق بتكوين جسمه عاجزا عن حب أخيه الإنسان . لقد وقع خطأ لغوي منذ البداية ، ما ينبغي أن نفهم من " حب الإنسانية " إلا الإنسانية التي يخلقها المرء لنفسه في قرارة قلبه ، بتعبير آخر : أنا أخلق نفسي و أخلق لها الحب ، أي أن الإنسانية لن توجد حقيقة واقعة في يوم من الأيام أبدا . . . و لعلي أشكل مثالا حيا لكلامي هذا ، فأنا لست اقول هذا الكلام أو أقف هذه الوقفة إلا من اجل الهدف الرئيسي الذي ابحث عنه في آخر هذه الليلة داخل غرفة فندقي ، لذلك أحاول الاختصار ما أمكن فأعود لتذكيرك بالفكرتين :
الفكرة الأولى :

لقد قلت في كلامك سابقا ان وجهك اكفهر و امتلأ صدرك حنقا لغياب أساس صادق تبنى عليه كلمة " أحبك " . . . هنا أذكرك أنه لا وجود لهذا الأساس اصالة ، إن ما يميز مبدأ الرغبة الذي نتحدث عنه أنه لا يعتمد أي اساس ، اساس شبيه بذاك الذي يملكه المؤمنون في أديانهم وكتبهم المقدسة ، و ها أنذا أسوق عبارة جديدة لبطل السهرة نيتشه : " إليكم مني هذه العلامة ، كل شعب يتحدث بلسان خيره وشره الخاص : و هذا اللسان لا يفهمه جاره . فلغته قد صاغها لنفسه في الأعراف و الشرائع " ، نفس المعنى يذكره سارتر في " الوجودية مذهب إنساني " حيث يقتبس عبارة من الاخوة كارامازوف تقول " إذا لم يكن الإله موجودا ، فسيكون كل شيء مباحا " ، ثم يوضح لنا سارتر أنه لا معنى لفكرة " الخير و الشر " ، و لا يوجد شيء اسمه الخير و الشر أصالة ، بتعبيرك انت : الاساس الصادق و غير الصادق ، كون وجود مثل هذا التقسيم يستلزم مباشرة وجود الإله . . . إن ما يمكن أن نجعله كمبدأ للرغبة ليس فكرة الاساس الصادق و غير الصادق ، او الخير و الشر ، فهذا لا معنى له ضمن نزعتنا الوجودية ، إنه يمكن ان نتحدث فقط عن فكرة شبيهة بالداروينية الاجتماعية ، بفكرة البقاء للاصلح ضمن ساحة المجتمعات ، و اذا اردنا افتراض سيناريو معين كما فعلت فسهل أيضا . إن الفرق بيننا وبين الشخص المؤمن في مسألة الرغبة أنه لا اساس لنا في حين هم يملكون اساسا . . . لنتخيل معا الموقف الآتي : نحن على شاطئ مكتظ ، فيه عشرات الاشخاص يحملون سكاكين حادة صارمة ، كلهم يتجهون نحو شخصين ، الشخص الاول هو أنا و الثاني شخص مؤمن ، يريد هذا الجمهور المكتظ أن نشهد شهادة زور ضد فئة معينة ، حيث ان لم نشهد شهادة الزور تلك سيقومون بقتلنا ، ولنسهل القضية فنقول أنهم يريدون معاقبة تلك الفئة بعمل الخدمات الاجتماعية لمدة سنة كاملة . . . إنني هنا كوجودي ساختار شهادة الزور بدل الموت ، فأنا اؤمن فقط بما هو اصلح لي اذا اقتضى الامر ضد مصالح الآخرين ، بالتالي ساشهد تلك الشهادة و انجو بجلدي سالما تحت رغبتي في العيش و الحياة ، اما صديقي المؤمن فإنه وان كان قادرا على فعل نفس فعلتي وبتصريح ربما من كتابه المقدس ، لكن كتابه المقدس يعطيه خيار الحفاظ على حياته بتلك الشهادة الكاذبة كاحتمال ثان لا كاحتمال أولي ، إنما الاحتمال الأول هو الوقوف مع الصدق دوما ، وقد يتعارض الصدق مع المصلحة ، فيعطي الكتاب المقدس الشخص المؤمن أولوية الوقوف مع الصدق لا مع المصلحة ، في حين أنا صاحب النزعة الوجودية اعتقد بأولوية المصلحة التي تخصني، بالتالي ليس هناك في حقي اساس ثابت بل متغير ، اما ذاك المؤمن فله اساس يجبره على مخالفة مصلحته ان استلزم الامر ، وان كان يعطيه الحق في مخالفة القيمة حينما تتعارض مع قيمة أكبر منها . . . اعلم أنه مثال سيء و لست بارعا في تخيل السيناريو مثلما فعلت سابقا يا عزيزتي ، لكني متأكد من وصول فكرتي . بهذا المعنى و هذا المعنى فقط يظهر لك أنه لا وجود لأساس تقوم عليه كلمة " أحبك " ، و عليه عدمية الأساس تقربنا خطوة معتبرة من الاندماج مع الرغبة دون مراعاة لأي شيء ، نراعي فقط أنانيتنا و ما يخدمنا .

الفكرة الثانية :

أن جميع البشر متشابهون ، فلا نحتاج لان ننخدع بذاك الامل المنعقد في البطين الأيمن داخل قلوبنا ، الامل في قاعدة سليمة تعطي لكل شيء المعنى الذي يليق به ، فيصير استمتاعنا به لانفسنا لا يقل عن استمتاعنا به مع الآخرين من دون أنانية ومن دون بحثنا الدؤوب عن انعكاساتنا في الآخرين لنحب أنفسنا من خلالهم . . . اذكر أني حضرت مسرحية لطيفة تم فيها اعادة تمثيل محاكمة غاليلي عام 1616 لكن مع تغيير طريف هو ان القاضي كان غاليلي نفسه و ووكيل النيابة روبرت هوك ، اما لجنة المحكمة فهم : اسحاق نيوتن ، كوبرنيكوس ، كبلر ، روبرت بويل ، غوتفريد لايبنيتز ...الخ . . . وقد كان المتهم جماعة من الرهبان و القساوسة من بينهم البابا أوربان الثامن ، وقد حكمت المحكمة بقط رؤوس الرهبان اما البابا فتمت احالته للسجن بصفة أبدية لان محاربته للعلم كانت اقل بالنسبة لغيره . . . إن هذه المسرحية تريد أن تقول لنا : كما هو الحال في تشابه سيكولوجيا المجتمعات و الانماط المتعلقة بهم ، الامر سيان بالنسبة للمجتمع العلمي فهو لا يمثل قاعدة شاذة ، أي أن التعصب الذي جاء من الكنيسة اتجاه غاليلي بجعله في الاقامة الجبرية ، يمكن ان نتوقع امكانية عكس الامور بحيث يقوم رجال العلم باضطهاد المسيحيين ، و جعل مبدأ غاليلي مذهبا جامدا قاطعا غير قابل للمناقشة ، بالتالي اصدقاء غاليلي كانوا سيحاكمون اينشتاين لانه قال بمذهب يخالف مذهب غاليلي ، وليس ببعيد ان نجد اينشتاين مخوزقا بواسطة اصدقاء غاليلي ، كما وجدنا جوردانو برونو مخوزقا بواسطة الكنيسة ، بل ها أنذا أمضي متعمقا في الشرح :
إن الإنسان باي صفة كان . . عالما أو فيلسوفا أو حلاقا أو طبيبا أو نجارا ... الخ ... كل هؤلاء لهم نصيب من المشاعر الايجابية كالحب و الرحمة و التضحية ، كما لهم نصيب من المشاعر السلبية كالحقد و الكره و الانتقام و غيرها . الفرق الوحيد يكمن في ميدان هذا الحقد أو الكره ، أي أن كره النجار لجاره الطبيب يعود لأنه يشعر معه بالنقص و المذلة بالنسبة لنظرة المجتمع ، أما كره كبلر فسيكون متعلقا بالساحة العلمية ، كبلر سيكره نيوتن لانه دشن قوانين الجاذبية و حساب التكامل في الرياضيات ...الخ.. يمكننا ان نتخيل رسائل تتحدث بالبغض عن نيوتن وكيف أنه عبقري لكنه أصيب بالجنون ، حيث يستمتع احد هؤلاء العلماء بالطعن في نيوتن كما يستمتع النجار بالطعن في جاره الطبيب ، بل سيخرج لنا شخص كنيتشه يطعن في العلماء جميعا في كتابه " ما وراء الخير و الشر " ، فيصف تارة ديكارت بالسذاجة ، وتارة شوبنهاور بالضعف ، ثم يعطي قاعدة عامة أن لا نقارن العالم بصانع الحضارة ذاك وهو يقصد الفيلسوف ، الفيلسوف الذي أيضا طعن فيه ، فهو يتهم إيمانويل كانط ايضا ، أليس كانط فيلسوفا ؟؟ . . . بل لقد تذكرت مثالا حيا في القرن العشرين و هي العداوة الشرسة من فيليب لينارد ضد اينشتاين ، حسدا منه لنظرية النسبية حتى أنه كان يصفها بالخيال العلمي و الشاعرية . . . إن هذا يثبت التشابه بين جميع المجتمعات المتدينة و الملحدة ، الخرافية و العلمية ... الخ ... فاذا كان هناك غبي في الحزب الاشتراكي ، فهناك نسخة غبية في الحزب الرأسمالي ، اذا كانت هناك شخصية فذة في الحزب العلماني ، فهناك شخصية فذة في الحزب الراديكالي الأصولي ، وان لم تكن هناك شخصية فذة في الحزب الراديكالي من عام 1955 الى عام 1987 ، فستأتي هذه الشخصية الفذة وتلتحق بالحزب الراديكالي في عام 1990 أو عام 1999 .. لا يهم .. الحاصل أن التناظر سيوجد قطعا ، ان لم يكن الآن فغدا و ان لم يكن غدا فبعد الغد . إن هنا نكتة لطيفة عملتها ساعدتني على التعرف على كل هذه الأحزاب و الأفكار ، لقد وضعت جدولا زمنيا ، حيث في كل شهر اقوم بتجربة أحد هذه الاحزاب تجربة عملية ، ففي الشهر الأول مثلا اقوم بتجربة الوجودية ، فأقلب محيط الحياة الخاص بي كله لخدمة هذا الجو الوجودي ، ثم في الشهر الثاني أجرب الإسلام مثلا ، أتكلم عن تجربة حقيقية فأقوم باداء الصلوات الخمس كل يوم من ذاك الشهر ، و ادرس القرآن ، و أزور المساجد ... الخ ... تجربة عملية مع : الشيوعية ، المسيحية ، البوذية ... الخ ... هذا الاسلوب سيعطيك فهما خاصا و عميقا يجعلك قادرا على ادراك الأطروحات ، ليس ذاك فقط ، بل الاستمتاع ايضا بالعادات الثقافية و الحضارية المختلفة . . . أظنني تكملت كثيرا يا آنستي الجميلة ، و الامر كما قلت لي سابقا ، أجد لذة في الحديث عن نفسي ، فأنا اشرح لك حتى استمتع أنا و أنتشي فأحب نفسي من خلالك مزيد حب ، فيا للأنانية . . . إن خلاصة كلامي هي أن هذا الأمل في خلق اساس يعطي نوعا من المعنى للأمور ، يعطي نوعا من المعنى لكلمة " أحبــك " ، قلت هذا المعنى لا يوجد يا حلوتي فالبشر جيمعا متشابهون ، كما انه لا اساس نبني عليه ، فلا يبقى إلا ان نستمتع بالايام المتبقية لنا ، ونعيش الرغبة التي تترجم أنانيتنا فقط ، أفضل من الانتحار . . . أريد أن احرق حينما أموت ، لطالما وجدت ذلك مغريا ومثيرا لي .. حسنا لا يهم فقط انه لا خيار سوى الرغبة ، اما الانتحار كما الشخص المرغوب فيه غير متاحان للاسف ... »

بعد أن أنهيت كلامي هذا ، أحسست أن حملا ثقيلا زال عن كاهلي ، لكن هذا لم يمنع عني مشاعر سلبية اجتالت قلبي ، حيث لاحظت انني أذكى كثيرا من هذا الذي قلته ، فلماذا تكون الأشياء التي يعبر عنها إنسان ذكي أغبى كثيرا مما يبقى في ذهنه . . . إلا ان تفكيري كله تبخر بعبارة واحدة صدرت من الآنسة الفاتنة أمامي ، حيث قالت :
« هل تفضل أن نذهب إلى غرفة الفندق الآن ، أم بعد انتهاء الامسية ؟ ...»







التعليقات


1 - تشجيع
عبد العالي ( 2017 / 7 / 28 - 17:51 )
بارك الله فيك نتمنى لك مزيدا من الابداع عطلة سعيدة سي سيف

اخر الافلام

.. حفل خطوبة الفنان محمد مهران ومى عبد الحافظ بحضور نجوم الفن


.. الشاعر أمير المجيد على قناة العراقية ضمن برنامج شاعر العراقي


.. قصائد مؤمن سمير في بيت الشعر بالأقصر2018 الجزء الأول




.. -حرروا الكلمة- شعار الدورة الثالثة لمهرجان كرامة-بيروت لأفلا


.. منتدى أصيلة في المغرب يبحث الأسباب الاجتماعية والثقافية للتط