الحوار المتمدن - موبايل



معيار التفريق بين التفسير والتأويل وحقيقة التدبر في فهم النص الديني

عباس علي العلي

2017 / 7 / 16
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


التأويل والتفسير
من القضايا الجدلية التي شكلت علامة بارزة في الفكر الإسلامي وهو يتناول جسد الدين وروحه في النصوص هي مسألة التأويل وقضية التفسير، بأعتبارهما أداتين في طريقة إيصال النص الديني ليكون حاضرا في الوجود بمعناه ومقصده ودلالته، وهذا يرجع أما لكون النص غير قابل للإدراك بذاته أو أنه عصي الفهم على العقل المتدين، فيحضر من يتطوع ليجعل النص قريبا منه الإنسان سهل الفهم وميسر الإدراك.
لنقرا النصوص الدينية التي بينت حقيقة ما نزله الله في القرآن من نصوص إن كانت قابلة للأفتراض بأنها بحاجة للتيسير في الفهم والشرح والتفسير:
• {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}مريم97.
• {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}الدخان58.
• {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}القمر17، وقد جاء النص توكيدا وتكرا في أربعة نصوص متطابقة باللفظ والشكل في سورة القمر ثلاث مرات في الآيات17،22،32، 40.
• {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .... يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}البقرة185.
• {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}الكهف88.
• {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}الدخان58.
• {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}الأعلى8.
هذه النصوص مجمعة على نسق واحد أن التيسير كان هدف من أهداف الله حين أنزله للناس، كي لا يكون هناك من حرج أو مشقة للوصول إلى المقاصد المعنوية منها، ولا سيما أنه جاء عربيا خالصا بلسان قومه وهم الأعلم من غيرهم بلغتهم والأقدر على فهمها وتعبيرها بالشكل المفترض أن يصل، وبالتالي الزعم بتفسير القرأن وشرحه لم يكن إلا مجرد ألية ممنهجة، أراد البعض منها إسقاط مجموعة من عموم الأفكار والنظريات والأراء لغرض محدد وغاية مقصودة تدور في فلك خاص لا علاقة له لا بالنص ولا بحكم الله.
بقي القرآن الكريم كما هو نصا عربيا خالصل لقوم كان لسانهم لسان القرآن ومفاهيمهم مفاهيمه إلا أن النص حسم موضوع التبيان في ما يريد أن يصل للناس بتمام المعنى وكامل القصد{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }النحل103، فالمبين لا يحتاج إلى من يبينه والعربي لا يحتاج إلى من يترجم له من العربية للعربية، طالما أن النص لم يحمل دلالات غريبة ولا فيه من العجمة ما يصعب على الناس، فالتفسير أما لغو أو عبث لا محل له ولا مناسبة.
فقد درج المفسرون على شرح المعاني ومن ثم ربط تلم المعاني المشروحة مع بعضها في نسيق يباقي بناء على الشرح ليصلوا إلى النتائج، أي جعلوا الشرح هو مصدر القصدية وليس روحية النص وبنائه وسياقاته التي وردت في الكتاب، هذا التحول جعل من طبقة المفسرين صاحبة زمام الولاية على النص وأخرجوه من دائرة الحكم والتحكيم ليكون ما فهمه المفسر هو القاعدة التي تستنبط منها الأحكام.
لو أخذنا مثلا عمليا في كيفية تحريف المعاني ومن ثم أستناج النتائج على ضوء الألية التي جاء بها المفسرون لوجدنا كيفية العبث بالنصوص لمصلحة القراءة ولوحدها{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33، النص فيما يبدو واضحا في ترتيب الحكم وخاصة في تحديد الإشارتين المهمتين فيه وهما (الأيدي والأرجل) من جهة ومسألة (القطع) من جهة أخرى وعليه تم بناء مفهوم المفسر على وجوب البتر من خلاف .
في نص ثان نجد أن معنى اليد لا يكون هو في نفس السياق الذي أورده الشار أو المفسر دون أن يبين العلة في عدم التفريق بين مفهومي اليد في النصين{وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الأعراف149، وفي نفس سياق هذا المعنى وردت غالبية النصوص التي بلغ عددها في القرآن ست وثلاثون موضعا {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}طه110.
من متابعة كل النصوص نجد أن الأختلاف ورد في تحديد معنى اليد من حيث هي معنى عام أولا، وفي تحديد معنى اليد حيث هي شيء موصوف ومحدد ودلالة، فضلا عن معنى القطع الوارد في آيتين مقرونتين باليد، وهنا علينا أن نحدد سير السياق العام في تحديد المفاهيم لنص إلى ما يعرف بالسياق الكلي الذي تريده المباني اللفظية من ورود الكلمة:
• الأصل أن اليد هي العضو الظاهر من الجسد والذي يسمى اليوم الأطراف العليا للإنسان بمعنى أخص هو الكف كاملا مع الذراع حتى مفصل الكتف الأعلى وهذا هو المفهوم الجسدي{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}المائدة11.
• وأيضا ورد المبنى ليحدد الجهة لا سيما وإن السياق البنائي يتولى توضيح ذلك{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}يس9، وهنا الإشارة تتحول إلى تحديد الأمام كجهة لورود نظيرها الخلف في النص{إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}فصلت14.
• وجاءت اليد أيضا بمعنى العمل والأشتغال بها كناية عن مفهوم فعل اليد وليس ذات اليد {وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} القصص47.
• كما ورد بمعنى جزئي لتشير للكلي لدلالة على الأنتساب مثل كالسبابة والإبهام أو السبابة لوحدها {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}البقرة79، فالكتابة وإن جرت باليد عامة ولكن تخصيصا تكون بالسبابة والإبهام، أو{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}الفرقان27، أو بمطلق الكف أو بعضه{لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}يس35.
• وأخيرا وردت بمعنى النتيجة التي يصل إليها مفهوم العمل والكسب وهنا الإشارة لا تتعلق باليد حقيقة بل إلى معنى أكبر{وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}الأعراف149.
من كل ما تقدم نلاحظ أن السياق لم يكن واحدا ولا متشابها ولا يمكن عد كل كلمة على أنها هي الأساس الذي من الممكن أن يكون جامعا لكل المعاني والدلالات، وقد تذرع البعض أن من أساليب البلاغة العربية هو الإشارة بالشيء أما للكل والجزء أو الفعل أو النتيجة وبالتالي فالسياق هنا توفر بمعنى بلاغي وليس قصدي حسب، وبما أن القرآن ليس كتابا بلاغيا بمعنى أنه ليس الهدف من كتابته هو أظهار البداعة في والبلاغة في النصوص وإنما المطلوب منه ترتيب أحكام وبيان مقاصد، فيكون الأنحياز للقصد لا للبلاغة في السرد الأدبي هو الواجب والأوجب وإن توفرت البلاغة فيه.
إذا لا بد من البحث عن السياق القصدي من جملة هذه النصوص على أن يكون شاملا لا يخرج فيه أستثنء ولا تمرد عليه، وهذا هو ما يجب أن يكون حاضرا لمن يريد أن يبلغ الحكم ويحتكم للنص في دلالاته ومعانيه الكلية، خاصة وأن كلمة اليد وردت في مكان أخر تشير إلى ما لا تشير إليه البلاغة وتؤكد على القصد لا سيما وأنها تكررت بالصيغة الواحدة والقصد الموحد سياقيا{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}الحديد29،{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}الفتح10.
هنا يكون مقصد اليد وأيديهم وأياديهم كلها تجمع على معنى واحد ومقصد واحد هو القدرة على الفعل سواء أكان في معنى الإشارة للجهة كما في قوله تعالى (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)، أي أن الله يعلم ما كان من الفعل الكسبي الحاصل من الناس سواء أكان هذا الفعل حاضرا أو ماضيا، يتذكرونه أو ينسوه، وأيضا يشير إلى المعاني الجسدية الحسية بأستخدام اليد كاملة لمفصل الكتف أو الكف أو الأنامل أو أي أشارة لها، كما ينطبق المعنى على الكسب الفعلي أو تحصيل نتائج هذا الكسب، فعل الإنسان وقدرته على الفعل هي السياق العملي والقصدي لورود كلمة اليد طالما أن النص أستخدام كامل السياق في وصف فعل الله وقوته وإرادته.
ولو طبقنا هذا المفهوم على كامل النصوص الواردة فب شأن اليد نجدها تنطبق من دون تفريط ولا أفراط وبالتمام حتى لو أقترنت بفعل محدد هو القطع مثلا كما ورد في نص من هذه النصوص {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}المائدة38، والقطع الواجب هنا قطع الفعل لا قطع اليد حقيقة وإن أورد المؤرخون روايات تؤيد معنى حصول البتر فتبقى مجرد روايات تأريخية دونت عن أحداث شفهية تناقلة وردت كأخبار والخبر منطقا قابل للصدق والكذب بذاته، فهي أحتمالات وأجتهادات تتعارض مع النص، ولا أجتهاد في مورد النص.
فالقطع لغة هو وقف سيالية الفعل الأصلية من الأستمرار بفعلها بفعل أخر أقوى منها، أي التفريق بين الحدث وفعله لبلوغ النتيجة المرجوه منه، هذه الأشارة المعنوية وردت كثيرا في النصوص وأشار لها الأستخدام العملي لمعنى القطع {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}محمد22, وأيضا في نفس السياق القصدي والمعنوي والدلالي جاء النص التالي{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}المؤمنون53, {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}البقرة27، السؤال هنا القطع يرد على الفعل أم على اليد؟ وأيهما أولا بالعمل به لا سيما وأن الله يريد الأصلاح ولا يبتغ الإفساد طالما أن طريق التوبة متاح والمد الرباني للناس مأمول.
هذا المثال وشرحه يبين لنا أن التفسير وخاصة الذي يعتمد الشرح اللغوي والبناء عليه في تسطير الأحكام وأستخراج القواعد العامة من الأدلة الجزئية ليس هو الخيار المطلوب والصحيح دائما في بيان ما يريد الله لنا من خلال دعم النصوص أو إسنادها بالفهم العام لا بالفهم القصدي الحكمي المعزز بما يعرف بالإرادة الجامعة لله من نصوصه في أختيار المعاني من مبانيها الخاصة.
أما التأويل فهذه مشكلة أخرى أضيفت لسلسلة الأبتلاء الإنساني من وجودية النص، فالتأويل ليس تفسيرا للمعنى حرفيا كما عند طبقة المفسرين وشراح الأحاديث، بل هو إظهارا ما خفي منه كمعنى أجماب قصدي مخصوص، فجذر أول أي جعله أولى من غيره من المعاني الأحتمالية وبذلك يجب القطع اليقيني بالمأول من خلال المضمر المعنوي بالنص {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } يوسف36.
هذا المعنى معروف ومحدد في الفكر الديني الإسلامي وقد خصص البعض له دراسات وأبحاث ضخمة، لكن العمل بشروطه لم يتم على ضوء ما عرفوه، بل أبتكروا أساليب أخرى بعناوين أخرى وتحت مسميات جديدة تنتهي جميعا إلى التأويل، وحتى ما يعرف اليوم بالفقه وأصوله هي دراسات تأويلية للمعنى وإن كان التعريف المشهور لها أنها (أستنباط القواعد الكلية من أدلتها الجزئية للكشف عن الأحكام العملية)، فهي تتعامل مع النصوص كمصدر أول يستنبط منه الحكم وإ‘ليه يرجع في تثبيت الأحكام العملية، وما عملية التفقه إلا محاولة تأويل النصوص للدلالة على ما يستنبط على ما فيها من أحكام كلية، خاصة وإذا ترافق التفسير مع التأويل وجمعا على أنهما الطريق للكشف عن معاني النصوص وقصدياته التي ستشكل محور القاعدة الأستنباطية.
والتأويل الذي ورد في النص الديني له أشتراطات أولية يقوم بقيامها وينتفي بعدمها، فمن لا يملك الشروط ومتمثل لها لا يمكن أن يكون متأولا ولا قادرا على أنتاج الحصيلة الأستنباطية{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}آل عمران7, الشرط الأساس في التأويل أنه محصور ومخصص فقط بالراسخون في العلم ولا يجوز لغيرهم بمنطق النص.
السؤال هنا الذي لا بد من الأجابة عليه دون مواربة أو ترجيح بين أحتمالات أو الترديد بيت مجموعة دلالات، من هم الراسخون في العلم؟. وهل حدد النص الماهية التي يمكن أعتمادها على قاعدة أن القرآن الكريم لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وما فرطنا فيه من شي؟ الجواب نعم جاء التخصيص النصي بوضوح وجلاء{لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}النساء162.
بالرغم من أنه جاء النص التعريفي عاما لكنه خصص بالتبعيض الجزئي ما هو أكبر منه، فالمؤمنون الذين ذكرتهم الآية هم ليس الراسخون بل أشارت إلى شيء أخر تعظيما لهم وتفريدا عن المعنى بقوله (منهم)، السؤال المبهم هنا من هم الـ (منهم) الذي خصم الله؟ لنعود نستكشف الآيات لنعرف هل ذكر منهم بتعريف محدد سواء بالإشارة أو التصريح، أولا هناك قطع تام أن لا أحد يعلم تأويله إلا الله أما الراسخون فهم الذين يقولون أن التأويل من الله وليس منهم، بمعنى أن التأويل المقصود بالنص هو من عين علم الله أما الراسخون فهم ينقلون هذا العلم ولا يزعمون به.
أما في غير النص كالأحاديث والأحلام والأخبار والقضايا فهي جهدهم بما علمهم الله وليس بالضرورة أنه علم الله القاطع،{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }الأعراف53، هنا التأويل يحصل نتيجة الكشف الأخير للحساب، وهنا أيضا يعلم الظالمون أنهم نسوا ما جائهم عن طريق رسلهم وقد أخبروا وتبلغوا بذلك، ولكنهم كانوا قوما لا يفقهون.
فتأويل النص لا يكون لغير الله أبدا وقطعا وبالنص ولا لأحد زعم أنه متأول له ولو كان نبي أو رسول، ولكنه يأت إلينا منزلا من خلال الرسول والنبي بما ينقله عنه بالواسطة، وكل ما في أمر ما أنزل لهم يعود إلى الأنبياء والرسل حصرا وتخصيصا، هذه النتيجة هي التي تشير إلى معنى (منهم) أي من الأنبياء والرسل وإن كانت الصيغة تبعيضية، فليس كل الرسل والأنبياء حملوا التأويل للناس، فمنهم من كان نبيا لنفسه أو بين قومه لهدف محدد ولغاية محددة، ومنهم من حمل رسالة ولكن لم تتضمن تأويل ما يريد الله، فمنهم تعني من الرسل والأنبياء ممن حملوا ونقلوا وبلغوا تأويل الله للنصوص.
لذا لم يدع يوسف ع أنه متأولا لحكم اله بل متأول للأحاديث والأحلام والرؤية كما في كل النصوص التي وردت في القرآن الكريم {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}يوسف6,وأيضا ما جاء بقصة موسى ع والعبد الصالح {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}الكهف78، فهو أول الأحداث التي جرت بينه وبين نبي الله، ولم يتأول في النص الذي هو كلام الله وحكمه.
لذا فالمخصوص بالتأويل (منهم) لا يمكن تعميمه لكل الناس وإن كان من المؤمنين الذين أوردتهم آية النص الأشارة التي سقناها للشرح، بل هم من تخصص بالنقل عن الله تبليغا وإعذارا، هذا ما نجده بمنطوق من كذبوهم ولكن لم يكن التكذيب لهم تحديدا بل التكذيب ورد على صدقية تأويل الله قبل أن يأتيهم كاملا أو يكمل وحيه {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}يونس39.
نهاية البحث أن من يدع التأويل ويزعم بأنه صالح له أو قادر عليه أو متمكن منه فهو على غير جادة الحق، وزعم بما لا يمكن ولا يكون، وكل تأوبل بغير علم الله ومنه هو إفساد للنص وتحريفا لكلام الله لمراد معلوم أما جهلا أو تجاهلا وأستخفافا بأمر الله، فلا تأويل ولا تفسير بل دراسة القرأن وفهمه وهي واجب على المقتدر منه وحق لكل إنسان في حدود ما أمكن أو يمكن أن يكون وفقا للميزان.







اخر الافلام

.. بي_بي_سي_ترندينغ : رجل يسامح قتلة حفيدته #الكنيسة_البطرسية


.. فرنسا.. بلدية كليشي والجمعيات الإسلامية تتوصل إلى إيجاد أماك


.. جون سوليفان: إلتزام الخرطوم بحماية حقوق الإنسان والحريات الد




.. القوات العراقية تستعيد كامل قضاء راوة من قبضة تنظيم -الدولة


.. اقتحام القوات العراقية لراوة آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامي