الحوار المتمدن - موبايل



من عيون أم الربيع إلى عين اللوح : الطبيعة العذراء والتهميش الممنهج

عبد الله عنتار

2017 / 7 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


من عيون أم الربيع إلى عين اللوح : الطبيعة العذراء والتهميش الممنهج

وصلنا في ذلك اليوم إلى عيون أم الربيع، كانت المياه تنساب من كل جانب، كانت تتدفق بغزارة كأن هناك محركا يتحرك في عمق الأطلس المتوسط، إنه خزان مياه لا يتوقف عن إرسال المياه، الطريق المؤدية إلى عيون الربيع كارثية بكل المقاييس تتخللها الحفر والأخاديد، كما أنها ضيقة، وتعمها التعرجات الخطيرة من حين لآخر، على ضفاف المياه المنسابة شيد الأمازيغ منازلا من القش من أجل كرائها للزوار، كما شيدوا أفرانا من الطين وأعدوا الأكلات المتنوعة كالطاجين وغيرها من الأكلات، لكن بطريقة بدائية وتقليدية تعكس بساطة الساكنة الأمازيغية، ولا ننسى أيضا تأثيث المنازل بالحصائر والزرابي المحلية، يتم تشييد المنازل المجاورة للعيون بأشجار الأرز والدفلى والعرعار والزيتون وعلى سقفها يضعون القزدير الذي يوضع فوقه الطين لكي تظل المنازل باردة، في هذه العيون توجد ثلاثة فنادق بمواصفات عصرية، شيد أصحابها صهاريج لتجميع المياه، يشكو أحد هؤلاء من تردي البنية التحتية ومن الكلفة الضخمة لبناء فندق، فهذا الأخير مشيد في مكان عال على العيون وليس من السهل الوصول إليه، وعلى الرغم من تدفق المياه بقوة، فقد تم تشييد بحيرة بدائية يستحم فيه الأطفال الصغار، لكن لا أحد من المسؤولين فكر يوما في إصلاح هذه البحيرة، أو شيد القنطرة البدائية المتهالكة التي تعبرها العشرات من السيارات يوميا، اللهم رجل واحد يحمل معولا صغيرا، والملاحظ أن معوله لن يضيف شيئا للطريق، فلا يعدو هذا الرجل الفقير يوهم الزوار لكي يحصل على بعض الدراهم ليدبر حياته، سمعت أحد الزوار الراجعين من العيون يقول له : " فين هي الطريق اللي صوبتي وت سير تلعب، الطريق اللي شفت البارح هي اللي شفت اليوم ". قضينا ليلة في عيون أم الربيع وفي الصباح غادرناها وعلى مخرجها انحرفنا يمينا صوب عين اللوح في طريق تتخللها الحفر، ولاحت على ارصفتها منازل مبنية من القش يبيع أصحابها البيض واللبن، إلى جانب أطفالهم الذين يتسولون، يمارس السكان في هذه الربوع الزراعة كزراعة الشعير والقمح والذرة والمغروسات كالتفاح، وبالنسبة لأدوات الحصاد تبقى أدوات تقليدية بالنظر إلى التضاريس الوعرة، لذلك يتم اللجوء إلى المناجل لقص الزرع وإلى الاستعانة بالبغال لدرس المحاصيل في البيدر، لا تبدو التربة صالحة للزراعة لأنها مليئة بالحجر المنساب بفعل المجاري المائية المنزاحة من الجبال، يمارس السكان الرعي وخاصة الماعز والأغنام ويبني هؤلاء منازل ذات سقوف مثلثة خاصة بالثلوج التي تنهمر بغزارة في فصل الشتاء. وبينما السيارة تمضي بين الطرق الملتوية يلاحظ أيضا قطيعا من القردة يتسلق الأشجار المتاخمة للرصيف، غالبا ما يتوقف زوار المنطقة للتفرج عليهم . تتواجد بحيرة ويوان على بعد 10 كيلومترات من عيون أم الربيع، تصل مساحتها إلى أربعين هكتارا، تعني ويوان : " هذا في ملكي أنا " تحكي امرأة أمازيغية أن أحد الأشخاص كان يتصارعان على الأرض، فقال واحد للاخر : " ويوان"، يسمح المسؤولون بالتخييم فيها ولا يسمح بالسباحة فيها او الصيد وتضمن اسماكا متنوعة وعلى رأسها البوري والسلاحف أيضا والطيور وعلى رأسها البط، الملفت من خلال زيارتنا للبحيرة أنه على الرغم من لوحات التشوير التي تمنع الصيد أو السباحة، فهناك قوارب تتحيز على جنباتها وهناك سباحون وصيادون متعددون، لكن عموما لا توحي البحيرة كليا بالسباحة لأنها مليئة بالأعشاب المائية، كما أنها ملوثة وداكنة، قضينا بعض الساعات هناك وتوجهنا نحو عين اللوح وهي قرية أمازيغية تتموقع في منحدر عميق وسط غابات كثيفة ويحدها جبلان يسدان الأنفاس وتعرف كل صيف مهرجانا يسمى بحب الملوك الذي تجري أطواره في ملعب مترب يقع جنوب القرية، ينطلق الموكب بحضور الدرك والقوات المساعدة من الشارع الرئيسي ويرتدي المنظمون لباسا اسودا موحدا ويضعون أمامهم الطبول حتى يصلوا إلى المنصة . تميزت القرية عبر التاريخ بصناعة الأخشاب ومنها جاءت كلمة اللوح التي هي الخشب الموجود بكثافة بالقرب من العيون التي تتموقع في المنطقة. في المساء رجعنا إلى بحيرة ويوان وبتنا في منزل سيدة تكتري البيوت على جنبات البحيرة، تبلغ السيدة حوالي 60 سنة، لها أربعة أولاد وبنت، أعدت لنا طاجينا رائعا لا ينسى . صادف وجودنا في المنطقة تنظيم عرس هناك وحضرنا إليه وشاهدنا الأهالي يرقصون رقصة احيدوس جماعات، إذ يهب كل الأفراد من كل فج حاملين معهم البنادير ويشكلون دائرة كبيرة أو مجموعة دوائر ويرقصون بأكتافهم ويغنون أغاني امازيغية عجزت عن فهمها .الملاحظ أن النساء والرجال يرقصون جنبا إلى جنب دون عقد ويضحكون مع بعضهم ولا مانع في ذلك، يبقى المجتمع الأمازيغي مجتمعا مفتوحا، مع أفول الشمس مر الموكب أمامنا وكانت تقوده امرأة وهي تحمل قصبة تخترقها أوراق نقدية وتعلوها وردة ايذانا بالحب، كانت العروس ترتدي اللون الأخضر كرمز للطبيعة وللتجدد والحياة، كانت ترقص مع المجموعة بلا خجل . كان أغلب الزوار يرقصون مشكلين دائرة التي توحي بالكمال واستمر رقصهم حتى الخامسة صباحا .

عبد الله عنتار/ عين اللوح/ 16 يوليوز 2017 .







اخر الافلام

.. 12-12-2017 | نشرة أخبار اليوم.. لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآ


.. جولة الصحافة 12-12-2017 | -واتساب- يتوقف عن العمل على الأجهز


.. 3 هواتف جديدة من آبل العام المقبل




.. مواجهات عنيفة في غزة مع الجنود الإسرائيليين


.. بوتين في زيارة خاطفة إلى القاهرة وتركيا