الحوار المتمدن - موبايل



هل سيصنع الاستبداد من -سيليا- معتقلة الريف -جان دارك- المغرب أو وجميلة بوحيرد؟

نبيل بكاني

2017 / 7 / 20
مواضيع وابحاث سياسية



نبيل بكاني

رغم احتكار الذكور على مر التاريخ للنضالات الشعبية، وظهور المرأة كجزئية هامشية منحت رونقا خاصا لتلك الحركات، بيد أن مشاركة العنصر النسوي، وان كانت ضئيلة على مستوى الحجم والمساحة، إلا أنها مثلت جزئية رئيسة وبطولية داخل تلك الحركات بكل ما للكلمة من معنى في كثير من الأوقات والمواقف وحتى في أصعب الظروف، وفي لحظات الحسم أيضا. كما كان للمرأة دور قيادي مستميت في تلك الكفاحات التي تعاملت معها بحنكة وبروح مسئولية، حسمت في النهاية، الموقف لصالح حمل هؤلاء النسوة مشعل البطولة ووسام الفخر الذي سجلهن في كتب التاريخ بمداد الاستحقاق والجدارة لا بمداد المجاملة أو المحاباة التاريخية.

في التاريخ الأوروبي المليء بالبطولات، كما في باقي تاريخ الإنسانية، نتحدث كثيرا عن الفتاة -القديسة- الفرنسية، جان دارك، التي قادت جيشا من الرجال ضد الاحتلال الانكليزي في ما يعرف بحرب المائة عام، والتي حوكمت في النهاية بالخوزقة والحرق حتى الموت، قبل أن تفقد انكلترا كامل المقاطعات الخاضعة لها على التراب الفرنسي.

في عالمنا العربي أيضا، خلد تاريخ الكفاح أسماء نسوية كبطلات، لأنهن قدن حركات كفاح وتحرر ضد الاستبداد، سواء كان تحت ظل استعمار أجنبي أو سلطة حاكمة، وهن كثر، غير أن بضعة أسماء تحضرنا كثيرا نظرا للشهرة التي اكتسبنها، كالجزائرية جميلة بوحيرد التي كُتب عن نضالها البطولي الكثير من المقالات، وحتى الشعر الثوري خلد ذكرها، كتلك القصيدة الشهيرة لنزار قباني، اعترافا وتأثرا بصلابتها ضد المستعمر الفرنسي الذي نكل كثيرا برجالات الثورة الجزائرية وبنساءها، وبسبب صبرها على التعذيب وسياط الجلادين.

في المغرب، وخلال حكم الحسن الثاني، برز اسم سعيدة المنبهي التي لقبت بعروس الشهيدات بعدما سلكت طريق اللارجوع أو التراجع عن القناعات التي نشأت عليها في فترة صراع محموم بين فصائل اليسار الثوري والسلطات، وتقلدت وسام الشهادة بعد ستة وثلاثين يوما من الإضراب عن الطعام تحديا لاستبداد النظام.

اليوم؛ وبعد مسرحية "المصالحة والانصاف" التي خصصت لها الدولة بداية "العهد الجديد" ميزانية مهمة لجبر بعض الضرر المادي الذي لحق ضحايا "سنوات الجمر" جراء الاعتقال التعسفي والتعذيب والطرد من الوظيفة أو من الدراسة وغيرها من الاعتداءات الجسيمة، دون أن يطال هذا الجبر، الضرر المعنوي والنفسي، بسبب عدم القصاص من الجلادين المتورطين في تلك الجرائم غير الإنسانية، وامتناع الدولة عن الاعتذار الصريح للضحايا وذوي الهالكين كما تفرض القوانين والتعهدات، وهاتان النقطتان هما أساس الانتقال الديمقراطي؛ فان تلك السلوكيات المنافية لحقوق الإنسان والتي حاولت الدولة تغطيتها بقناع الإصلاحات الديمقراطية والدستورية والانفتاح المزعوم الذي يحاول المغرب الظهور به أمام العالم، قد تعرت كليا، والعالم يشاهد ويتابع تخبط الدولة في التعامل مع أزمة "حراك الريف". ودخول المعتقلين السياسيين ومن بينهم الناشطة "سيليا"، الأنثى الوحيدة بين المعتقلين، في إضراب عن الطعام هو تأكيد على أن الأزمة قد أمست أمام الباب المسدود ولم يعد هنالك أمل في رضوخ الدولة وتسليمها بالإجماع الشعبي والسياسي والحقوقي على عدالة القضية وسلمية النضال وبراءة النشطاء المعتقلين، ولا يمكن النظر سوى بتشاؤم كبير نحو ما قد تتطور إليه الأمور بخصوص هذا الإضراب البطولي، في واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي وحقوقي أفلس نهائيا من كل جوانبه، وقد أمسى على الحضيض.

"سيليا" هذه الفتاة التي اعتقلت بالخطأ في المكان والزمان الخطأ، بتهم لم نستطع حتى اليوم فهم مضمونها بالتحديد، هذا في وقت ينعم فيه ناهبوا المال العام بالحرية، تحولت إلى رمز وأيقونة للانتفاضة المباركة التي يشهدها الريف الأبي، وبقاؤها رهن الاعتقال بسبب دعمها للحراك بغنائها وفنها المدافع عن قضية آمنت بها، رغم أنها لم تحرض ضد أحد ولم تروج لكراهية أو عنصرية وهي الإطارات الثلاث التي تحدد حرية التعبير، كما وقع عليها المغرب في مواثيق الأمم المتحدة، تواجدها في المعتقل هو خطأ جسيم ترتكبه الدولة، ليس في حق هذه الفتاة فقط، وإنما في حق نفسها أيضا بما لذلك من نتائج عكسية على صورتها، حيث فضحت بنفسها تضليلها وبخست كل إصلاحاتها في ما يهم حقوق المرأة ومزعت الثقة عن نفسها.

جان دارك وجميلة بوحيرد وسعيدة المنبهي وأخريات، هن مناضلات حولهن الاستبداد إلى أسطورات، ولولا غياب الديمقراطية والعدالة لما صرن رموزا في السياسة والنضال. فهل سيصنع الاستبداد المغربي بعد مسرحيات الانتقال الديمقراطي والمصالحة وخطاب 9 مارس (آذار) ودستور 2011، من جديد اسما آخر ينضاف إلى تلك الرموز، ليتحول بدوره إلى أيقونة، ليس في المغرب فقط، وإنما في كل العالم في ظل "العولمة الرقمية".. أيقونة ورمز ستحاكم به الدولة بتهم رعاية الطغيان والاستبداد عبر حكوماتها ومؤسساتها الفاسدة، وتوفير الحماية والإفلات من المحاسبة والعقاب للجناة الحقيقيين وللجلادين ومن يهددون استقرار الوطن بانتهاكهم لحقوق وحريات المواطنين، ودليلنا في ذلك العشرات من القضايا الكبرى والجسيمة التي تورطت فيها المؤسسات الأمنية منذ الاستقلال إلى اليوم، ودون أن يطبق على المسئولين المعنيين فيها، العقاب المناسب المنصوص عليه في القانون الجنائي المغربي. وفي عصر ثورة الإعلام والتواصل والضغط الحقوقي الدولي وتأثيره في تغيير موازين وسياسات دول عظمى تجاه حكومات وأنظمة متهمة بالاستبداد، فان تداعيات إصرار الدولة على نهج سياسة القمع والاعتقال السياسي الممنهج وتكميم الأفواه وانتهاك حقوق الإنسان وتلفيق التهم وإقامة محاكمات سياسية تغيب فيها كافة معايير العدالة وتوظيف القضاء سياسيا، ستكون نتائجه وخيمة ولا أحد يمكن له أن يتكهن بالتطورات التي قد تطرأ في القادم من الأيام.

صحفي وكاتب







اخر الافلام

.. شاهد: الخرفان تعوض السيارات في شوارع مدريد


.. مقتل شحص وإصابة ثلاثة خلال إقتحام 300 مهاجر للسياج الفاصل بي


.. جبهة الحديدة ... تعزيزات عسكرية جديدة للمقاومة اليمنية المشت




.. إيران ... تعديل وزاري لامتصاص موجة الغضب الشعبي


.. كردستان العراق ... الحزب الديمقراطي في الصدارة