الحوار المتمدن - موبايل



تحولات الطبقة الوسطى (البرجوازية) في العراق خلال (150 عام )(1869-2019)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 7 / 23
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تحولات الطبقة الوسطى (البرجوازية) في العراق خلال (150 عام )(1869-2019)
ان اصطلاح الطبقة الوسطى والبرجوازية هو كأي اصطلاح معرفي يتبع الحقل السيوسولوجي يخضع للنسبية والدراسة والمراجعة الدائمة من قبل الباحثيين والمؤرخين , سيما بعد ان دخل في الحقل السياسي والاقتصادي , واصبح مدخلا للنيل من الانظمة الليبرالية والدول الغربية التي تستند في ركيزتها الاجتماعية على الطبقة البرجوازية الراسمالية , ومسارا للتبشير بالايديولوجية الماركسية الثورية التي نالت من البرجوازية , ووصفتها باسوء المفردات والمصطلحات كالتعفن والانتهازية والطفيلية وغيرها . واول تلك الاشكالات هو ماهو المعيار الذي نعتمده في وصف الطبقة الوسطى والانضمام اليها ؟ او بالتحديد من هو الذي يستحق ان نطلق عليه صفة البرجوازي ؟ وماهو المعيار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في ادراج هذه الشريحة للطبقة الوسطى ؟ بل وقبل ذلك : ماهو الفرق بين البرجوازية والطبقة الوسطى ؟ واذا كانا اصطلاحا واحدا ؛ فلماذا يستخدمان بالتناوب بين الباحثين ؟ ولماذا لايتم توحيدهما بمصطلح واحد كما هو الحال في مصطلح الديمقراطية الذي اعطى دلالة حكم الشعب عند المجتمعات العربية ؟
الطبقة Class : فئة معينة من الافراد يتقاربون من حيث الموقع Status والادوار Roles الاجتماعية ويشاركون في مصالح واهداف يعونها بنسب متفاوتة . ويضم المجتمع الحديث طبقات اجتماعية متعددة , قسمت بحسب الدخل اليومي والمستوى الاقتصادي والانفاق الفردي , واهمها التقسيم الثلاثي التقليدي : الطبقة العليا الثرية (الارستقراطية) والطبقة الوسطى (البرجوازية) والطبقة الدنيا او العمالية (البروليتاريا) - بحسب المصطلح الماركسي - وهذه الطبقات ليست منعزلة بستار حديدي , او بنية منغلقة كليا لايمكن الدخول فيها او الخروج منها , بل يمكن الانتقال بين الطبقات - بحسب التنظير الليبرالي - من خلال الحراك والتفاعل الاجتماعي والجدل الاقتصادي , فيما يصر الماركسيون الثوريون على ان هذه الطبقات منفصلة فيما بينها , وان الطبقة البرجوازية هى التي تستعبد الطبقة العاملة , وان تاريخ المجتمعات قائم على الصراع الطبقي Conflit Classe والاستغلال الاقتصادي والاستعلاء الاجتماعي .
البرجوازية Bourgeoisie : هي مصطلح فرنسي مشتق من كلمة burgeis . ويبدو ان المصطلح الفرنسي مشتقا ايضا من الكلمة الإيطالية borghesia التي تعني (المدينة المحصنة) ، والتي اشتقت بدورها من الكلمة اليونانية pyrgos , وتستخدم بمعنى الرجل الحر الذي يتمتع بحق المواطنة في المدينة التي ينتمي إليها. ويذكر الدكتور كمال مظهر احمد ان العصر الاقطاعي في اوربا الذي تبلور بعد سقوط روما - واستمر الف عام تقريبا - (حتى نهضة مارتن لوثر) – (410- 1517) تميز باندثار المدن وتلاشيها انذاك , واخذ الناس يتجمعون في قرى تعيش تحت سيطرة الاقطاعيين والنبلاء المتحصنيين في قلاعهم الكبيرة . وكان التجار المتنقلين والجوالين وخلال فترة الامطار الغزيرة والفصول السيئة يضطرون الى البقاء في المدن القديمة المندرسة التي لم يعد لها ثمة سبب لبقائها سوى كونها مقرا للاساقفة , وكثيرا مانشات قرب تلك المدن القديمة ضاحية جديدة تدعى (البرج) , واطلق تسمية البرجوازي على التجار الذين كانوا يسكنون فيها , واخذت المفردة تطلق ردحا طويلا من الزمن على التاجر بشكل خاص واصحاب المدن بوجه عام , وذلك قبل ان تاخذ مفهومها الاجتماعي الجديد في اواخر العصور الوسطى , عندما اصبحت البرجوازية تعنى الطبقة الغنية في المجتمع الاوربي الحديث او الوليد , وحتى حلول القرن التاسع عشر كانت المفردة تدل بصفة أساسية على الطبقة الوسطى التي تقع في المنطقة الوسط بين طبقة النبلاء وطبقة البروليتاريا أو طبقة العبيد . وظهرت البواكير الاولى للبرجوازية كطبقة اجتماعية جديدة في اواخر القرن الخامس عشر وبالذات في ايطاليا (فلورنسا وجنوا وفينيسيا) التي كانت الرائدة في النهضة الاوربية , وشملت التجار والمرابين والحرفيين والعمال الاكفاء . فيما تشكلت العناصر الاولى لها في انكلترا في القرن السابع عشر , بينما تاخر ظهورها في فرنسا الى القرن الثامن عشر , وفي المانيا الى القرن التاسع عشر, فيما تبلورت الارهاصات الاولى لتكوين البرجوازية في الدول التي خضعت للسيطرة العثمانية حتى اوائل القرن العشرين - او قبل ذلك بقليل - كما هو الحال في العراق .
في أواخر العصور الوسطى تحالف هؤلاء التجار البرجوازيين مع الملوك والاباطرة للتخلص من النظام الإقطاعي القرو – سطي المتخلف وسلطة الكنسية والبابوات الكاثوليك ، واستطاعوا ازاحتهم من المشهد السياسي والثقافي تدريجيا , توج بصلح وستفاليا عام 1648 الذي ارسى نظاما جديدا في اوربا قائما على سيادة الدول والملوك دون سلطة البابا او الدين او الاقطاع , الا ان هذا التحالف لم يستمر طويلا , اذا سرعان ماتمردت البرجوازية على سلطة الحكام المستبدين والاباطرة , ودعمت في القرن الثامن عشر التوجهات التحررية والليبرالية والديمقراطية وخاصة الثورتين الأمريكية عام 1776 والفرنسية عام 1789 للقضاء على القوانين المستبدة والأنظمة الرجعية ، ومن ثم التمهيد لاستلام السلطة في المجتمعات الاوربية وترسيخ انساقها الثقافية والسياسية . فظهر خلال تلك المرحلة العديد من الفلاسفة البرجوازيين والتنويريين الذين عبروا عن روح العصر الحديث , وبشروا بالقيم الليبرالية الجديدة التي لم تكن معروفة او ظاهرة سابقا في الاوساط الاجتماعية العامة مثل : الحريات الشخصية والدينية والتجارة الحرة والتسامح والاخاء والمساواة والديمقراطية وحقوق الانسان والتعددية السياسية والقومية والوطنية والقيم الاصلاحية وغيرها , وبالتالي صعدت البرجوازية شيئا فشيئا لتصبح الطبقة الحاكمة في اغلب الأمم والمجتمعات الاوربية التي انتقلت إلى مرحلة الإنتاج الصناعي , ونشرت مفاهيم التنوير والعقلانية والحداثة في كل ارجاء العالم . وقد صور بيان الحزب الشيوعي الذي كتبه ماركس وانجلز في اعقاب ثورات عام 1848 حالة التمدد والهيمنة التي ستقوم بها الحضارة الغربية وطليعتها البرجوازية على ارجاء العالم بالقول (والبرجوازية ، بالتحسين السريع لكل أدوات الإنتاج ، وبالتسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات، تـشدّ الكل حتى الأمم الأكثر تخلفا وبربرية إلى الحضارة . والأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثـقيلة التي تـدك بها الأسوار الصينية كلها ، وتـُرغم البرابرة الأكثر حقدا وتعنتا تجاه الأجانب على الإستسلام ، وتجبر كل الأمم ، إذا شاءت إنقاذ نفسها من الهلاك، على تـبنّي نمط الإنتاج البرجوازي ، وترغمها على تقـبّـل الحضارة المزعومة ، أي على أن تصبح برجوازية . وبكلمة هي تخلق عالما على صورتها . والبرجوازية أخضعت الريف لسيطرة المدينة. وأنشأت مدنا ضخمة، وزادت بدرجة هائلة عدد سكان المدن إزاء سكان الريف ، منتزعة بذلك قسما كبيرا من السكان من سذاجة الحياة الريفية ، ومثلما أخضعت الريف للمدينة ، والبلدان الهمجية وشبه الهمجية للبلدان المتحضرة ، أخضعت الشعوب الفلاحية للشعوب البرجوازية ، والشرق للغرب) .
تنقسم البورجوازية بحسب قوة مواردها ودخلها وانماط استهلاكها إلى عدة أقسام :
1 . البورجوازية العليا او الكبيرة : وهي الطبقة الأكثر غنى في العالم والتي تمتلك وسائل الإنتاج وتُسمى بالطبقة الرأسمالية ، وهي القوة المالية والإدارية الضاربة في الاقتصاديات الغربية الرأسمالية .
2 . البورجوازية المتوسطة : وهي المحركة الاساسية للعجلة الاقتصادية والصناعية في المجتمع الحديث . وتضم المهندسين والأطباء والمصرفيين ومن على شاكلتهم من أصحاب المهن الحرة كالمحامين والتجار المتوسطين وباقي الموظفين والاداريين . وتتميز هذه الطبقة بهيمنتها المطلقة على الدورة الاقتصادية وقدرتها على التأثير في القرار السياسي والتعبئة وصناعة الأفكار وترويجها ، وبالتالي تحريك الرأي العام لصالحها .
3 . البورجوازية الصغيرة : وتضم في سوادها الأعظم صغار التجار والتقنيين الذين هم دون البورجوازية المتوسطة , ولكن مستواهم المعيشي والتعليمي أعلى من الطبقة الكادحة أو البروليتاريا .
كان العراق خلال السيطرة العثمانية التي بدات عام 1534 وانتهت بالاحتلال البريطاني عام 1914 يعيش خارج اسوار التاريخ وضمن سبات القرون الوسطى المتخلفة , حيث سيطرة القيم البدائية والدينية والبدوية على البلاد , وانعدام المؤسسات الحكومية بجميع صورها التعليمية والصحية , وتفسخ الجهاز الاداري والعسكري , واستشراء الفساد والرشوة والظلم في ارجائه المتعددة . وكان اكثر من ثلاث ارباع المجتمع هم اما عشائر ريفية مستقرة او قبائل بدوية متنقلة , فيما ان المدن تعيش في انماطها ومسارها على ضوء هيمنة القيم البدائية والريفية , واخذت الامور تسير على هذا المنوال الرتيب حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر , الذي شهد حدثين مفصلين ساهما في عملية التحديث والعصرنة للمجتمع العراقي وبلورة البواكير الاولى لظهور الطبقة البرجوازية الوسطى في البلاد , وهما افتتاح قناة السويس بين البحر الاحمر والبحر المتوسط وتولي المصلح المعروف مدحت باشا ولاية العراق عام 1869 . وقد كان لهذين الحدثين المهمين دورا في قيام التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية الهائلة كما سنرى , ساهما بصورة مباشرة او غير مباشرة في ادراج البلاد ضمن دائرة الازمنة الحديثة وبلورة القيم المدنية والعصرية . وقد مرت الطبقة الوسطى البرجوازية في العراق بتحولات عدة خلال المائة وخمسين عاما الماضية (1869- 2019) يمكن تقسيمها الى اربعة اقسام بحسب المتبنيات الفكرية والخلفيات الاجتماعية التي تحملها وهى :
1 . البرجوازية الكومبرادورية النهضوية (1869-1914)
2 . البرجوازية الوطنية الليبرالية (1914-1958)
3 . البرجوازية الثورية المتريفة (1958-2003)
4 . البرجوازية الاسلامية الديمقراطية (2003- 2019)
1 . البرجوازية الكومبرادورية (1869-1914) : وهى احدى اهم فروع الطبقة الوسطى . اقتصر تكوينها على البلدان المستعمرة وشبة المستعمرة والمتخلفة بوجه عام - لاسيما في القارتين اسيا وافريقيا - ويرتبط ميلادها باولى محاولات تغلغل الراسمالية الاوربية والامريكية الى مناطق العالم الاخرى , والحاجة الى من يقوم بدور الوسيط بين الشركات الاجنبية والسوق المحلية . الكومبرادور مصطلح شائع في اللغات الغربية وهو مقتبس من الكلمة الاسبانية (او البرتغالية) (Comprador) وتعني المشتري او السمسار . وقد ظهرت البرجوازية الكومبرادورية في العراق في النصف الثاني القرن التاسع عشر بعد ان منعت الدولة العثمانية التعامل المباشر بين الشركات الاوربية او الاجنبية والافراد الخاضعين لسلطتها , فعملت الاخيرة على استحداث شركات او وكلاء او مؤسسات مالية وراسمالية تعمل على شراء المواد الاولية الزراعية والحيوانية من جانب وتصريف البضائع والمنتوجات الاوربية في السوق العراقية من جانب اخر .
لقد برزت الارهاصات الاولى للتغيير في اوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية , وتشكيل البواكير الاولى لظهور البرجوازية الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر – كما قلنا - الذي شهد حدثا اقليميا ودوليا مهما وهو : افتتاح قناة السويس عام 1869 التي قربت المسافه بين موانىء المحيطين الاطلسي والهندي (او بين الشرق والغرب) بمقدار 8-15 الف كيلو متر ، بالقياس الى الطريق السابق الذي كان يدور حول القارة الافريقية . وكان من نتيجة ذلك الافتتاح ان شهد العراق تحولا هائلا في النشاط الاقتصادي تمثل بارتباطه بالسوق العالمية والخروج من اقتصاد الكفاف الى اقتصاد السوق والتصدير, وخضوع الفائض الزراعي لسيطرة راس المال العالمي والتجاري . اذ ارتفعت قيمة الصادرات من 150 الف باون في الفترة من 1864 – 1871 الى 9,2 مليون باون في العام 1912-1913 وزادت تجارة الاستيراد اكثر من (12) ضعفا ابان الفترة نفسها . ورافق تلك الزيادة في الصادرات ارتفاعاً في الواردات فقد ارتفعت مجموع قيمة البضائع المستوردة من (290.000) ألف باون سنوياً في الفترة ما بين(1864-1871) إلى (3.467.500) في عام 1913 . وفيما يتعلق بالتجارة البرية نلاحظ ان هناك حركة نشاط تجاري بين العراق والدول المجاورة . ففي الفترة ما بين(1864-1869) كانت قيمة متوسط الصادرات إلى إيران (5500) جنيه إسترليني وأكثر من ذلك بالنسبة لقيمة الصادرات العراقية إلى سوريا والولايات العثمانية الأخرى، وفي عام 1878 بلغت قيمة الواردات من إيران (103.000) جنيه إسترليني. وفي عام 1908 بلغ متوسط قيمة الواردات من "الأناضول" (43.000) جنيه إسترليني، وقيمة واردات الخليج الفارسي (27.000) جنيه، بينما بلغ مجموع قيمة الصادرات إلى "الأناضول" (54.000) جنيه إسترليني .(ينظر التفاصيل في : شارل عيساوي وكتابه التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب ومحمد سلمان حسن وكتابه التطور الاقتصادي في العراق)
ان هذا الحدث المفصلي ادخل العراق في حركة التاريخ والتحضر . فبحسب منهجية (هيغل) فان التاريخ هو تغيير الانسان لبيئته او مجتمعه ، فحيثما يحصل تغيير او تحول في صيرورة البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في بلد ما ، فهنالك (تاريخ) ، اذ صاحب هذه التحولات الاقتصادية في (الكم) الى تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية في (الكيف) – بحسب القوانيين الجدلية ايضا - فبعد ان ارتفعت قيمة الاراضي الزراعية عقب افتتاح قناة السويس واصلاحات الوالي العثماني مدحت باشا (1869-1872) , اخذت القبائل البدوية المتنقلة سابقا بالاستقرار في اراضيها , وممارسة العمل الزراعي والبيع والشراء والاقراض في الاسواق الصغيرة ، ومن ثم المساهمة بصورة مباشرة او غير مباشرة بظهور المدن وتطورها في نهاية القرن التاسع عشر كما هو حاصل في (الديوانية 1858 والعمارة 1861 والعزيزية 1865 وقلعة صالح 1866 والكوت والناصرية والرمادي 1869 والشطرة 1873 والشامية 1897 والرفاعي 1893) وغيرها . فقد عمل الوالي مدحت باشا على استحداث اصلاحات واسعة في البنية العراقية ساعدت على نجاح عملية التحديث وتأصيل ذلك التحول وادراج العراق في عجلة التاريخ , لاسيما اعلانه تفويض الاراضي الزراعية (الطابو) في المزاد العلني الى سكان المدن والشيوخ المتنفذين والمقربين , بعد تزايد الطلب على المنتجات الزراعية والمساهمة في تصديرها الى خارج البلاد , ورغم السلبيات والنواقص التي رافقت عمليات البيع تلك بسبب الفساد المستشري في مفاصل الدولة العثمانية وعدم وجود الجهاز الاداري الكفوء والمختص بهذا الشان ، الا ان هذا النظام اسفر عن تدهور المشيخة القبلية والنسق الابوي البطرياركي وانماط الانتاج التقليدية والمشاعية ، ونشوء العلاقات الانتاجية الجديدة القائمة على اساس الملكية الخاصة , ومايصاحبها عادة في اعتماد معيارية الربح والتنافس والتغالب . وقد تجلت تلك الظاهرة بصورة اكبر بظهور الملاكين الغائبين من اغنياء المدن والتجار ورجال الدين الذين حصلوا على تلك الاراضي الزراعية الخصبة من خلال الاشتراك بالمزايدة العلنية التي قامت بها ادارة الولاية في بغداد بعد عام 1869, امثال ال سعدون وال سركيس وال دانيال والكليدار وغيرهم من الذين اطلق عليهم تسمية البرجوازية العقارية او الزراعية .
وكانت للإجراءات القانونية التي اتخذه الوالي مدحت باشا على الجانب الاقتصادي، اثراً واضحاً على تطور ذلك الاقتصاد. فقد ألغى عام 1869 العديد من الضرائب التي عدها عقبة أمام تحسن الوضع الاقتصادي في الولايات والمدن العراقية ومنها ضريبة الاحتساب التي كانت تفرض على السلع التي تدخل للمدينة لبيعها في الأسواق، كما ألغى "ضريبة الكالبية" التي كانت تفرض على القوارب النهرية المحلية، و"ضريبة خمس الحطب" المفروضة على الوقود الذي يجلب الى المدينة ، و"ضريبة رؤوس البقر" المفروضة على سواقي الري الخاصة بالمزارعين .
استرعى هذا التطور في التعامل التجاري تاسيس اول غرفة تجارة في بغداد عام 1880 ضمت الرواد الاوائل من البرجوازية الكومبرادورية البغدادية انذاك , وعين عبد الرزاق الجلبي الخضيري اول رئيسا لها , ثم افتتحت غرف تجارية اخرى في البصرة والموصل بين عامي 1880 – 1884.
لقد انعكس هذا التطور الاقتصادي بصورة واضحة على تزايد معدلات النمو السكاني ، فعلى الرغم من الاوبئة الخطيرة التي كانت تفتك بالمجتمع العراقي ، الا ان تزايدا ملحوظا قد حصل بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر ، فبعد ان كان عدد السكان لا يتجاوز المليون وربع المليون نسمة ، ارتفع في العام 1905 الى نحو مليونين وربع المليون نسمة . كما حصل تحول ظاهر وملموس في الهيكل الاجتماعي العام في البلاد انعكس بانخفاض نسبة البدو الرحل الذين كانوا يؤلفون 35 %من عدد السكان في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر الى 17%من مجموع السكان عام 1905 .
جرى تكوين البرجوازية الكومبرادورية العراقية ببطء شديد – كما يقول كمال مظهر احمد - بسبب ضعف تراكم راس المال والثروة من جانب ، وضعف القدرة الشرائية لدى العراقيين جانب اخر, وكلا السببين يرجعان الى هيمنة الطابع الاقتصادي العثماني التقليدي على البلاد . وبظهور البرجوازية العراقية حدث تحول مفصلي في النمط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ادى الى ظهور النخبة المثقفة الحديثة التي تعرف بالانتلجنسيا Intellegens , وهى تختلف عن النخبة المثقفة التقليدية السابقة التي خرجت من العوائل الارستقراطية ورجال الدين في بغداد والموصل والنجف والبصرة , التي لاتحمل تسمية الانتلجنسيا , بسبب عدم تبنيهم لقيم التحديث والنهضة والتحرر من النمط الثقافي التقليدي السائد في البلدان والمجتمعات النامية .
ان هذه التحولات والتغييرات الكمية في المستوى الاقتصادي ادى الى حدوث تغييرات وتحولات نوعية في الظواهر الاجتماعية (بحسب القوانيين الجدلية), فقد صاحب ذلك التراكم الكمي والتحسن النسبي ، تحولا ايجابيا في الجوانب الثقافية ، لاسيما في اقبال الناس على المدارس في تلك الفترة ، الامر الذي اضطر السلطات العثمانية الى فتح (8) مدارس ابتدائية في العراق عام 1890 (اربع منها في بغداد واثنين في كل من البصرة والموصل) وازداد العدد خلال عقد ونصف الى (72) مدرسة ابتدائية عام 1905 , فضلا عن افتتاح مدارس رشيدية عسكرية وثلاث دور للمعلمين في بغداد والموصل والبصرة .
لقد افرزت هذه التحولات الايجابية في الجوانب الثقافية والتعليمية تصاعدا في الوعي السياسي عند العراقيين - لاسيما في بغداد والنجف - ادى بالنخبة المتعلمة الى تبني المفاهيم العصرية والمسارات الليبرالية المعتمدة في اوربا , والدعوة الى تطبيقها في المنطقة العربية وخاصة في العراق ، والاعلان بان هذه المفاهيم الحديثة لا تتناقض مع القيم الاساسية التي نادى بها الاسلام كالعدالة والحرية والمساواة فحسب ، بل انها كامنة في صميم الدعوة الاسلامية الاولى ، وجاءت الثورة الدستورية (المشروطية) في ايران 1905 – 1911 على راس تلك الاحداث التي تفاعل معها العراقيون بايجابية من خلال دعم اغلب رجال الدين المتنورين والنخبة المثقفة انذاك الى جناح المشروطية . فيما دعم اغلب العامة رجال الدين التقليديين جناح المستبدة . وانقسم المجتمع العراقي - لاسيما في مدينة النجف - حول قضية الدستور والشورى الى فريقين (مشروطة ومستبدة) وقد تزعم الجانب الاول الملا محمد كاظم الخرساني (1831-1911) فيما تزعم فريق المستبدة السيد كاظم اليزدي (1831 - 1919) الذي كان يعتقد ان مصلحة الدولة يجب ان تكون بيد شخص واحد مسؤول عنها لا يشاركه فيها احد .
الا ان الحدث المفصلي الاهم في مطلع القرن العشرين الذي تاثر به العراقيون بصورة عامة , واعطى زخما كبيرا في بلورة البرجوازية العراقية هو الانقلاب العثماني عام 1908 الذي يعد نقطة تحول اساسية في تاريخ العراق الحديث . فبعد ثلاث عقود من حكم عبد الحميد الثاني (1876-1909) الاستبدادي ، قام مجموعة من ضباط جمعية (الاتحاد والترقي) بالضغط على السلطان واجباره على اعلان الدستور الليبرالي عام 1909 الذي ارتكز على المبادئ الثلاث التي سبق ان نادت بها الثورة الفرنسية عام 1789 وهي (الحرية والعدالة والمساواة) والدعوة الى انهاء التمييز الديني والقومي في الدولة العثمانية والاقاليم التابعة لها . وكان من اهم النتائج الايجابية لثورة الاتحاديين على المجتمع العراقي بعامة والطبقة الوسطى البرجوازية بخاصة هو تاسيس الاحزاب والجمعيات السياسية - ولاول مرة في تاريخ العراق - واجراء انتخابات مجلس المبعوثان وحرية اصدار الصحف والمجلات وتوزيع الكتب والمطبوعات , فضلا عن انعكاس تلك النتائج الايجابية على عملية الانفتاح الاجتماعي والعلماني المتمثل بافتتاح الملاهي والبارات والمراقص وغيرها من المسارات التي يتفاعل معها عادة العامة من الناس كاحدى تجليات الحرية والتعددية الثقافية والسياسية , ورغم حالة النكوص والتراجع الذي انتاب هذه الثورة بسبب الصراعات السياسية بين الاحزاب والجمعيات الحاكمة , والاستعلاء القومي التركي على الشعوب والقوميات الاخرى المنضوية تحت السيطرة العثمانية , الا انها اعطت زخما كبيرا في ادراج مفاهيم الوعي والتنوير في النظام المعرفي للمجتمع العراقي . واستمرت الاوضاع على ماهو عليه ودون تحول جذري ملموس او انتقالة عصرية نحو الافق المدني الحقيقي حتى الاحتلال البريطاني للبلاد الذي بدا عام 1914 واكتمل باحتلال بغداد عام 1917 , حيث سنشهد ولادة نوعا اخر من البرجوازية الوطنية الليبرالية تختلف عن الاولى من حيث السمات والمنطلقات والاوليات .







اخر الافلام

.. #ستديو_الآن | أمهات تستذكرن هول مجزرة #الكيماوي وإختناق أطفا


.. اجتماع الرياض... صهر رؤى المعارضة السورية في بوتقة


.. أنقرة وطهران... تحالفات رغم الخلافات




.. صالح ينتقد شركاءه الحوثيين ويتهمهم بنقض العهود


.. موجز أخبار العاشرة مساء21/8/2017