الحوار المتمدن - موبايل



مناهج الجديد الديني ومرتسمات النتائج

عباس علي العلي

2017 / 7 / 27
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


منهج التجديد
أختيار المنهج يتم بناء على متطلبات المشروع أولا وملائما للأحداثيات الفكرية التي يستهدفها، فالمنهج مجرد أداة يتوخى منها أن تساعد في تحديد المسار البحثي وتعين ما يتوفر من وسائل في أطار ما يسمى بـ (سمة المشروع)، فليس كل منهج بحثي يمكن تجريبه وزجه في أدوات ومسائل ما نبتغي، وليس من الإنصاف والمنطق أن نحدد قبلا وقبل المباشرة في ترتيب مندرجات المحاولة أن نختار منهج محدد بالذات لأنه ساعد في ظرف أخر وموضوع أخر على النجاح وبلوغ النهاية المطلوبة.
النجاح والفشل مرتبط بطريقة أختيارنا للمنهج المناسب بأدواته وطرائقه خاصة وأن الموضوع البحثي متعلق بقاعدتي النقد والبناء، والنقد بحد ذاته منهج متفرد بأساليبه البحثية خاصة إذا نسبنا هذا النقد إلى العلم المعرفي فنقول النقد العلمي طريقنا للوصول إلى الكشف الموضوعي، ثم إلى أنتخاب الخيارات المناسبة مع كونية الموضوع معرفي وليس علمي خالص، الفرق الذي يلاحظ لا يتعلق بذاتية المشروع كونه ديني معرفي ولكنه يلحق بالوسيلة إلى نبتغيها في ممارسة النقد، وشروط النقد العلمي أن يكون المنهج موضوعيا ومجردا وحياديا لا علاقة له بما في ذات الموضوع من صفة.
أما القاعدة الثانية هي البناء الجديد المستخلص من نتائج النقد العلمي مع إبقاء الأسس القائمة أصلا في الموضوع (الدين) لأن الغاية الأساسية ليس التبديل بل التجديد في النظم البنائية المكونة للفكر، هذا البناء تسبقه عملية مرافقة وموازية لمرحلة النقد ومسايره له في المنهج، وأعني به تفكيك المتراكم المعرفي والفصل بين الأصيل وبين المحدث، بين الواقع من حيث هو نتاج وبين الواقع الذاتي للدين بأعتباره مشروع تأسيسي، إذا لا بد من التفكيك بطريقة تحفظ للقاعدة حقيقتها وعزل ما شيد أصلا عليها أصوليا وما ركب عليها أعتباطيا دون مراعاة لوحدة النص والقصد والنتيجة مرورا بالعلة.
إذا لا بد أن نمر قريبا من مفهوم المنهج العلمي قبل المباشرة في البحث لتكون المعاني والوسائل والمسائل المبحوثة هنا مطابقة له، فالمنهج أي منهج هو بالعمومية (مجموعة الطرق والتصميمات المعدة لفحص وأمتحان الظواهر أو المعارف أو الفرضيات التي يراد منها أن تصل إلى التحقق منها كأفكار جديدة أو مستجدة أو أنها بحاجة للإثبات أو النفي، ولتقديمها على أنها تأكيدات رصيدية وتجريبة قابلة للقياس والتنبوء تخضع بالنهاية لمبادئ الأستنتاج)، هذا الملخص عن المعنى يقودنا إلى وضع تفسير كامل للظاهرة أو المعرفة أو حتى العلم في أطار موحد تصل إلى مفهوم شامل وقياسي يستند إلى مفهوم أخر هو الضبط أو الإمكانية على ذلك.
فالمنهج الذي يأت بنتائج متنوعة وأستنتاجات متعددة لا رابط بينها ولا وحدة في النتيجة والهدف لا يمكن عده منهج علمي، كما لا يمكن الأعتماد عليه في بناء نظرية متكاملة شامله قياسية تنبؤية صالحة لأن تكون قواعد عامة مجردة، والعلة أن ذلك يهدم القيمة العلمية للمشروع النقدي ولا يبشر بأن الموضوع البحثي قادر وتحت ظروف مختلفة لحالات واحدة أن يثبت أو ينفي ذات الأستنتاجات، بمعنى أنه غير قادر على طرح فكرة كاملة تتميز باليقينية الصادقة من أن النتائج الأخيرة هي نتائج حقيقية.
في المنهج العلمي أيضا علينا أن نفرق بين عمل الباحث النظري عن طريقة الباحث التطبيقي، من حيث درجة قبول النتائج ومن حيث موضوعية المشروع، فالباحث النظري يحاول الوصول بمنهجه إلى أقصى درجات اليقينية مع تضييق جاد لموضوعية الأحتمالات والممكنات التي تخرج عن الضبط والقياس والتنبوء، أما الباحث التطبيقي الذي يدرس الظواهر فيكفية أن يصل إلى أعلى درجات من الأحتمالات المقبولة التي يمكن أن يؤسس عليها نتائجه ومنجزه البحثي، وحيث أن المنهج العلمي دوما يحاول الوصول إلى الحقائق وليس إلى الأحتمالات الظنية والممكنة، صار لزاما أن يسعى إلى الإثبات العلمي اليقيني متجنبا وجود الأحتمالات الممكنة بالقدر الذي يصون مشروعه النظري من مطب الشك واليقين.
فمثلا الباحث العلمي لا يعتمد على الأستنباط في بناء مشروعه البحثي مبتعدا عنه إلى الأستقراء الموضوعي ليؤسس لكليات عامة، بينما الباحث التطبيقي يعتمد المنهج العكسي الذي يستنبط من القراءات الطواهر الكلية جزئيات تطبيقية، فالأول يرصد القضايا الجزئية والتفرعات التفصيلية ليخرج منها بنظرية عامة أو قانون قياسي تصلح أو يصلح للتطبيق الأستنباطي الأمتحاني لاحقا من الكلي للجزئي، في حين أن التطبيقي يقوم بعكس ذلك تماما فهو لا يرمي من الدراسة المنهجية التطبيقية إلا رصد الظاهرة الكلية ليستخرج منها مصاديق للجزئيات الوصفية.
في الحقيقة أن المنهج العلمي النظري يبتنى على ركنين أساسيين هما الملاحظة التدقيقية ومن ثم الوصف أولا، فالعلم المجرد بمعناه الكامل هو محاولة التعبير عن الطواهر العامة وربطها مع بعضها في مشتركات بينية جامعة، فهذا التعبير في أساسه تعبير وصفي أولا، وبما أنه وصفي لا بد من وجود الملاحظة التدقيقية القائمة على التتبع والموائمة قبل أن نكون قادرين على الوصف لاحقا، والوصف العلمي لا يعتمد على أساس نوعي فقط بل أيضا على شرط التراكم الكمي، فكلما كانت الملاحظات تقود إلى كم أكبر وغالب كان الوصف يمثل كامل أو معظم الظاهرة موضوع البحث وأقرب لليقين من مجرد وجودها النوعي.
وحتى يكون الوصف كميا بأمتياز لا بد من الأعتماد على الوسائل الحسابية ومنها الوسائل الإحصاية التي تعتمد في أختزال مجموعة بيانات أو مفردات قابلة للحساب وتحويلها إلى مجموعة بسيطة من الأرقام والمصطلات الإحصائية، من هذه المصطلحات ما يعرف بالتكرار المقصود والثبات في خانة المتغيرات الذي يدعم ويعزز حالة التكرار والذي يفيد بأن الموضوع المتكرر هو موضوع أساسي بينما المتغير هو الطارئ الذي لا يمكن القياس عليه.
إن البحث العلمي يفترق عن المنهج العلمي ليس فقط من حيث الكونية والنتائج والمقدمات لأن البحث العلمي موضوعي يستهدف البحث عبر الوسائل العلمي عن التحقق والتجربة والبرهان، أما المنهج العلمي هو طريق الباحث لتحقيق وتأصيل البحث العلمي وتقييدة بالضوابط المحكمة، على أن ما يمكن أختصاره هنا في موضوعية المنهج هو تحديد الغاية والهدف منه لا سيما أن هناك اتجاهان للمناهج من حيث اختلاف الهدف، إحداهما يكشف عن الحقيقة ويسمى منهج التحليل أو الاختراع، والثاني يسمى منهج التصنيف والفرز والترتيب.
لا ريب أن في قضية منهجنا في موضوع التجديد الديني لا بد أن يعتمد على خصائص ومميزات كلا المنهجين في محاولة منا لأن نصل بهما معا إلى تحليل ظاهرة الحاجة للتجديد كضرورة وكسنة كونية، معتمدين على منهج التصنيف والفرز والترميز كأسلوب متقدم للأستقراء معتمدين على الملاحظة والوصف الدين القياسي، ومن ثم التركيز على نتائج هذا المنهج عبر تحليل الملاحظة والوصف وتحويلهما إلى مفردات قابلة لأن تكون قواعد بيانات إحصائية يتم من خلالها تكوين فكرة الضابط أو القانون أو القاعدة الأسية التي ستكون وتتحول إلى مفاهيم محددة تسير بالتجديد إلى إبراز ما يمن أن يصلح موضوعا للتجديد كونها ترتبط بعلاقات وشبكة من التناسب الجامع المؤهل لها أن تكون نتائج نهائية وإخصاعها للبرهان التطبيقي.
في هذا الحال الموضوعي سيكون علينا سهلا وميسرا أن نمارس النقد العلمي والأسلوب التفكيكي أمام أي مفاهيم وأحكام يدل سياقها البحثي أنها خرجت عن الأسس البنائية الأولى للدين، ويمكنننا من خلالها فرز وترميز الأصيل من الطارئ أعتمادا على مفاهيم المقابلة والمناظرة والوحدة الموضوعية والجامع القصدي الواحد، وسيكون سهلا علينا أيضا أن نبني أسس النظرية التجديدية من خلال المنهج هذا ونقدمه كبديل موضوعي صالح عما كان محلا للنقد وقابلا للتجديد، وبذلك نسدي للدين خدمة مهمة تتلخص بتنقيته من الدخيل والطارئ والمخالف للمبادء العامة التكوينية فيه.
كما يساعدنا هذا المنهج بالرد على المتحفظين والمحافظين الذين يرون في الحركة التجديدية والنويرية خطرا على الدين ذاته من خلال الإدعاء يأن الهدف منه ليس تقديم الدين على طبق من ذهب، بل محاولة للحد من وجوده عبر أختراع دين جديد وخضوعا منهم لنظرية المؤامرة التي عطلت الكثير من الجهود البحثية التي أستهدفت الكشف عن الزيف والتحريف الذي مورس ويمارس على الفكر الديني بحجة الخضوع للفكر الغربي ومسايرته بما فيه من تراث عدائي سابق أشعلته الصراعات الحضارية بين الإسلام وهويته من جهة والغرب ومبادئه الدينية والسياسية والفكرية من جهة أخرى.







اخر الافلام

.. كتب الإخوان تغزو المعرض الدولى للكتاب بطنطا


.. أسرة الرائد مصطفى يسرى فى الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده: ر


.. استمرار الجدل بشأن المساواة في الميراث وزواج المسلمة بغير ال




.. الدوحة تدعم جماعة الإخوان الإرهابية في الإمارات بهدف زعزعة ا


.. سوريا: آخر التطورات الميدانية في الحرب على تنظيم -الدولة الإ