الحوار المتمدن - موبايل



مشروعية التجديد الديني وضروراته

عباس علي العلي

2017 / 7 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مشروعية التجديد
البحث عن المبررات أو ما يسمى (بمشروعية التجديد) لا ينفصل عن المعنى الدلالي لمفهوم التغيير، فمن لا يتغير محكوم بالطبيعة الوجودية بالتوقف عند فاصلة زمانية، يستتبعها دوما فناء الفكرة ذاتها إن لم تتحرك وتستجيب له، هذا لأن التغيير كما توصلنا سنة تكوينية وجودية وضرورية أيضا، مع الشرخ الذي يعيشه العالم الإسلامي كعقل كلي متشظي وبين واقعية الحل وراهنيته المنافية لإمكانيات التجديد ومتطلباته التي تعني حتمية الوقوف في نقاط زمنية من الصعب على العقل الديني أجتيازها لأنه لا يتصور إمكانية ذلك أو توفر المشروعية المنطقية له مع إيمان كامل بأن التجديد كما ورد في هذا التراث حتمي على رأس كل مائة عام تحديدا .
ومرد ذلك التناقض الواضح بين جدلية التغيير الحتمي والخوف منه يعود أساسا إلى ما يسمى بظاهرة الشرخ العقلي في العقل الديني وتأثيراته على الهدف المراد من التجديد ومن ثم يلقي بضلاله على مشروعيته التي نص عليها حديث التجديد، هذه الحقيقة وهذا الشرخ كما يقول سلامة موسى يعود إلى ثنائية التعليم والتثقيف وبناء الشخصية المعرفية للإنسان المسلم، مع وجود منهجييم تعلميين أحدهما ديني تقليدي يستند إلى محورية الثبات والتكامل بين النص وقدسيته وترعاه وتدافع عنه المؤسسة الدينية وتميزه بمظهرية خاصة رافضة لكل محاولات المس بالتراث والموروث الديني الواصل إلينا تأريخيا، وبين التعليم الحداثي التي تراعاه الدولة والمستند على نظرية التطوير والبحث عما هو جديد ومبتدع في مجاله والقادم إلينا من بيئة حداثية غربية.
لقد دافع حراس التراث وسدنة الدين بصورته الموروثة عن منظومتهم الفكرية أولا أستجابة للمخاوف من خرق الدين بإدخال ما ليس فيه، وبالتالي إحداث تدين جديد روحه غربية حداثية وشكله الظاهر إسلامي خال من الحياة الفاعلة في وسط ينظر للدين على أنه مقوم وجودي لوجوده، وثانيا الخشية أيضا من تعرية الكثير من المفاهيم والأفكار التي ترسخت وتحولت مع مرور الزمن إلى ركن مهم من أركان المعرفة الدينية، وبالتالي هدم الكثير من الأحكام والنظريات ولا سيما ما يتعلق منها بحاكمية الدين ومحكومية الأتباع لها والعمل بها، لذا لا نستغرب أن هذه المؤسسة السلفية المحافظة ترمي كل جهد تنويري بالكفر والألحاد طالما أنها لا تتماشى مع ميولها وأهوائها التي في غالب الأحيان نمت في ظل أجواء مأزومة أو خرجت للواقع نتيجة لذلك.
لذا لا نعجب أن يمتد هذا الشعور من الخشية وأتهام كل محاولة تجديدية في الفكر الديني على أنها أمتداد وإنعكاس لأزمة التنويرين كما يقولون من سطوة الحضارة الغربية على الدين الإسلامي كمحاولة خبيثة لأخراجه من دائرته الفاعلة إلى دائرة التهميش والأستبدال بأفكار حداثية لا تعبر حقيقة عن جوهر الدين، وهنا مثلا يلخص الباحث عمر مسقاوي الجواب عن هذه الفكرة بقوله: «لأن الخطاب الإسلامي التحديثي كان صدى لامتداد أوروبا أكثر مما هو صدى لحيوية تطوّره [الداخلي]. فعملية التجديد في الفكر الإسلامي يجب أن تكون ذاتية، تنطلق من ضرورات التراث وليس من معوقاته. وهذا ما يتيح لنا الاقتباس من الحضارة الغربية بالقدر الذي يتسق فيه «الاقتباس» مع بنية الفكر الإسلامي على مستوى المرجعيّات، ولو كان هذا الاقتباس «انتقائياً» .
إذا كان رد المؤسسة الدينية التقليدية والمقلدة للتراث والمتمسكة بمفاهيم الثابت والقطعي أن المشروعية وإن كانت نص مبشر في داخل منظومتها، لكنها تحتاج إلى إعادة درس التراث وتجديده من الداخل الذاتي وتطويره عرضيا وليس أفقيا، بمعنى أنها تمنح التراث التقليدي قيمة وجودية تؤكده ولكن تتناوله فقط بالترميم وليس نقده بلكامل وتعريضه للدراسة المنهجية التي من المؤكد أنها ستقصي فصولا مهمة وكاملة وكبيرة فيه.
وأن المشروعية الحقيقية كما تزعم يجب أن تأخذ جدارتها من المسايرة وليس من حاجة التجديد كسنه، وهو ما يعرف بتدوير الفكر التراثي ليلائم حسب الظاهر ما درجت عليه العقلية السلفية التي تؤمن بقداسة وأحقية هذا التراث أن يكون العامل الحاسم في حياة المتدين كاملة، ولا تؤمن بالفصل ما بين الضروري الوجودي الإنساني وبين سطوة الدين المهيمنة على كل أوجه حياتنا بدأ من من صغريات وتفاصيل ما هو طبيعي ومشترك بين المتدين واللا متدين وصولا إلى جعل الدين هو المسيطر على العقل والدائر في فلكه بمناسبة أو بدون مناسبة.
بالتأكيد أمن مشروعية فكرة التغيير ومشروعها التنويري ليس بحاجة إلى موافقة جهة أسست لهذا الأغتراب والقطيعة بين الدين وعامل الزمن، وبالتالي تركته في مهب ريح النقد والأستحقار والفشل في معالجة ما تراكم فيه وعليه من أعتباطية فكرية فرسانها أشخاص خلطوا بين القراءة وبين الأنطباع الذاتي وإنعكاساته على صورة الدين نفسه، فما دام الأمر مباح أصلا في كونية الدين وأن السنة التأريخية حاكمة دوما كما نراها في التدرج في إنزال الأديان وتطوير مفرداته في كل مرة، وأيضا في طريقة إنزال الدين متسلسلا وحسب ما قدره الديان من حكمة في هذا الكيفية، نرى أن أتباع هذه السنن وربطها بالضرورات وحدها تكفي لمنح المشروع التجديدي التنويري الحق في الحضور والمحاولة، دون أن نربط هذا المشروع بإرادت بشرية لها تبريراتها وحاجاتها التي تتناقض مع جوهر الدين أنه خطاب عقلي لا يقف في حدود الشخصية والشخصنة المعنوية.
علينا في واقع الحال أن لا ننشغل مع الأخر المحافظ في التنظير والتنظير المعاكس في مفهوم المشروعية ومبرراته، طالما أننا تلمسنا حاجة الواقع للتجديد، ولكن الأهم من ذلك أن لا بستنزف الأخر زمن المحاولة بإثارة الفرعيات الأختلافية في محاولة لتعطيل المشروع برمته، وعلينا أيضا أن نكتفي بقناعاتنا طالما أننا أيضا في مستهل المشروع، فقد تتغير القناعات وتتبدل حين ينتج المشروع التجديدي ثماره في الواقع، عندها ستكون الحجة والكلام الفيصل للنتائج وليس للنوايا التي تواجه دوما بعاصفة من الرفص في الوقت الذي ينقصنا البديل الواقعي.
يقول المفكر هاشم صالح في كتاب (الإنسداد التأريخي) معقبا على موضوع العمل والشروع بالتجديد الديني، أن المهم علينا أن ننظر في واقعنا ومحلنا من الوجود بغض النظر عن من يعترض أو من سبقنا في مسألة التجديد (لأن التنوير أمامنا وليس خلفنا عكس الأوروبيين، لابد من العمل عليه، والاشتغال به، ليعيش مثقفنا واقع أمّته، بدل أن يتعالى عنه ويرى ما هو أمام أمته خلفَه، فيهجر الأمّة وتهجره، وهي مشكلة الكثير من مثقفينا المخمليين الذين يتطهرون على الدوام من واقع أمّتهم، ويخاطبون مجتمعات ما قبل الحداثة بلغة ما بعد الحداثة!! فتحديد أين نحن.. قضية ضرورية، ولا يهمّني فقط أين أوروبا اليوم) .
إذا السؤال المتقدم والمهم هو أين نحن بالتحديد من الخارطة التفاعلية المعرفية في الوجود؟ ولماذا الغياب ومن المسئول عن ذلك؟ والسؤال الأخر هل لدينا الشجاعة أن نعترف أن قصورنا الذاتي عن النهوض بوجودنا هو سبب أزمة الدين؟ وليس الدين من كان مسئولا عن حالة التخلف والتغريب، مثل هذه العناوين هي التي تعط لمشروع التنوير قيمة وتمنحه صك المشروعية الذي يدور ويلف فيه المحافظون والمتحفظون من كل جديد يهدم أسوارهم الفكريو ويجدب أرضهم يبابا فوق يباب.
ففي قناعتي الخاصة أن عملية التجديد الديني ومشروعها سوف لن يقف في حدود الفهم الديني ولن ينتهي عنده، بل ومن المؤكد أن المباشرة فيه ستقود العقل الكلي ومن نقطة الرغبة في وضع الضروريات في سياقها الوجودي كسنة كونية، سيعط للعقل ميزة التوسع في النظرة والأنفتاح على كل الملفات التي تشكل مع الدين هاجس الحراك الفكري، فتنهض الأمة من كبوتها محملة بقدر من القوة والعزم على تجديد حتى وجودها العام والخاص داخل عالم متعدد ومتنوع ومتشارك في بناء الحضارة الإنسانية، وسيعيد الحيوية لكل مفاصل الجسد الأجتماعي المجتمعي مما يقودنا إلى حدود ثورة وجودية لا تتوقف ولا تستند إلا على قاعدة البقاء لمن يعط ويستجيب للتغير والتحول والتحديث.







اخر الافلام

.. قدم المسيح على صخر كنيسة سخا الأثرية


.. انا وانا - خيري رمضان: التيار السلفي والإخواني عشش في جدران


.. حصري - بوكو حرام تنهزم امام الارادة الانسانية




.. ما الذي ينتظر الرقة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها؟


.. سوريا والعراق.. أين ذهب تنظيم -الدولة الإسلامية- وأي مستقبل