الحوار المتمدن - موبايل



مسائل ووسائل فكر التجديد الديني

عباس علي العلي

2017 / 7 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مسائل التجديد
لا بد بعد أن حددنا المفهوم وفرقنا بين ما يعرف بالتحديث وبين التجديد وتعرضنا للمشروعية التجديدية ومنهجنا العلمي فيه، هنا علينا في ختام هذا الفصل وقبل الولوج في صلب البحث التجديدي أن نتعرض بالدراسة للمسائل التي يمكن أن تكون محلا وموطنا للمشروع لنفرق بين ما هو القابل بالقوة للتجديد وبين الممتنع طبيعيا عنه، مع ملاحظة أن العلم عموما لا يمكن أن يؤمن بالثابت المطلق ما لم يكن هذا الثابت يتمتع بالقدرة على البقاء على حاله دون أن يتعارض مع السنة الكونية ومستجيب طبيعي لأحكام الضرورات، هذه المسألة التي شغلت بال الكثير من الذين يظنون أن عملية التجديد التنويري تستدف الكل الديني دون أن يمتنع عنها ما يعرفونة بالثابت والمتحول أو المطلق والمتغير.
الحقيقة الأكيدة والمؤكدة أن التجديد الديني بكل ما فيه وما يريده ليس أكثر من محاولة معاصرة لإكتشاف الدين كسياق معرفي شابه في الصورة الذهنية وليس في الأصل التكويني أهتزاز، وعدم تطابق بين الشعار والممارسة، هذا الأكتشاف أو المحاولة فيه يجب أن تتعدى مضمون التغير البنائي وتركز على مفهوم التفاعل بين الأصل والصورة المصداقية التي يجب أن تكون، هنا يمكننا أن نقدم الدين كما هو ولكن بعقول وعيون وقراءات أقرب للعصر وأقرب للعقل في راهنيته المعاصرة وإمكانياته المتطورة التي تتعاظم مع كل تراكم معرفي وعلمي يجري في الوجود.
هذا الأكتشاف وتوضيح المعالم الأصلية في الدين لا بد أن يقودنا أو إلى تحديد المادة الأساسية التي ستكون محلا للتجديد، فالدين اليوم ليس فقط الرسالة المنزلة من الله بكتاب محدود، بل تحول الدين مع مرور الزمن إلى منظومة متضخمة من المعارف ومتشبعة بالفروع البحثية والأصول، كما أن الكثير من المفردات التي تتعلق بما يعرف بالدين واقعا من عبادات وطقوس وملحقات أستثمارية على شكل أفكار ورؤى تتبع منهجا دينيا كما تزعم أصبحت كلها تشكل الأطار العام للدين في المجتمع، فمثلا الفقه والعقيدة وعلوم الحديث والقراءات القرآنية وعلوم اللغة والمنطق والفلسفة الإسلامية، مضاف لها علوم ذات صلة منها نظرية الحكم والأقتصاد الإسلامي ومناهج التبليغ وحتى الطب الديني وتفسير الأحلام، كلها أنضوت بشكل أو أخر تحت مفهوم الفكر الديني، وأصبحت عبء أضافي على الإنسان المتدين الذي يبحث عن الخلاص من خلال الدين.
هذه الحقيقة أشار لها أحد الباحثين ضمن مجموعة عمل تتناول مسائل التجديد في الفكر وكيفية الوصل للقضايا الأهم ومن ثم معالجتها كما ينبغي بعد التفريق بين ما هو ديني فعلا وبين ما هو فكري ديني ترسخ نتيجة التعامل مع الدين على أنه المحرك الأساسي والحاسم في حياة البشر، فيقول (لعل السبب الأكثر شهرة في طرح القضية -على اختلاف العصور- ما تتجدد في كل زمان من نوازل وقضايا فقهية وعقدية وفكرية. ولكنها اليوم ليست كذي قبل، بل اليوم اتسعت نطاقاتها ودوائرها، إذ الرقعة الفكرية اتسعت) .
إلا أنه في ذات الوقت ينتقد طرق المعالجة ليس من كونيتها الذاتية فحسب، بل لأن الدعاة للتجديد الديني لا يؤتمنون بغالب الأحيان على القضية لكون الدوافع المحركة ليست بالضرورة دوافع إصلاحية حتمية، فيذكر التبرير نصا (وباتت تضم المختصين وغير المختصين، وتنطلق من خلفية -في غالبها- ليست إسلامية ذات ثقل معرفي، بل تنطلق -في أكثر أحايينها- من خلفيات حداثية وعلمانية، والتي لم تعي التراث بكامل صنوفه وعلومه) ، فهو يشك أو على ما يبدو من دوافع المجددين وجهلهم بما يسميه التراث وعلومه، فهو مع التجديد الكلي للمعرفة الدينية ولكن تحت عباءة نفس المؤسسة الضامنة للدين والمهيمنة على الفكر الديني وهذه إشكالية المدرسة المحافظة التي تحد من كل محاولة أو مشروع تجديدي لأنه مشكوك في نواياه أصلا.
فالحل المقترح والمطروح إذا كما يقول دعاة مدرسة التجديد المحافظة أن يكون المشروع ذاته متعلقا بالتراث ومنسجما مع فهمها له وليس بناء على الضرورة والسنة التأريخية الكونية، فهي تركز على خط التجديد في محور واحد وحصري يتمثل في نظرتها لمعنى الدين، بمختصر شديد تحدده بما يلي، (كليات الدين ومقاصده، لا سيما التي تمثل صورة مشوهة في نظر البعض عن الإسلام، كنظرة الإسلام للإنسان والوجود والحياة، ونظرة الإسلام للعقل وحرية التفكير، وأيضا لا بد من التركيز على مقاصد الدين العقدية، والتي رأسها وذرة سنامها تخليص الإنسان من عبوديته لذاته ولنظائره من الخلق إلى عبوديته لله وحده، ولا نغفل في هذا المقام التنبيه على ضرورة اشتمال الخطاب الديني على مزجه بين مخاطبة العقل والروح معا، لا التركيز على جانب واحد) .
الكلام المطروح هنا يعني في مجمله العودة في التجديد إلى مسائل كلية تتناول علاقة الإنسان بالدين أولا وكفى، وهذا يقودنا للتساؤل حول ما قيمة التراث الفكري كله وعلاقته بالمسائل الكلية من جعة أخرى؟ وهل يتضمن ذلك أصل الرسالة وما يسمى الثابت والمتحول، منها أم يقتصر على النتائج المتعارضة في القراءات المتنوعة وما جرته من تضخم لمنظومة الدين الفكرية، فإذا كان خيارنا الأول هو الأساس هنا علينا أن نتجاوز التراث وعلومه والعودة إلى المربع الأول الذي نشأت كل المنظومية الفكرية منه، وجعل التجديد كمشروع يبدأ من حيث بدأ الدين، أما لو كان الخيار الثاني هو المطلوب فسنقع في المحذور الذي يقودنا إلى نتائج ربما تزيد من حدة الخلاف الفكري ونستعيد من جديد عوامل التشطي الحزبوي والمذهبي بأعتبار أن التراث الفكري وعلومه نشأة نتيجة منطقية لها.
لكن التنظير العام وحده لا يكفي لجعل مسألة التجديد واقعا بدون تحديد المجال الحيوي له، والمراد بالمجال الحيوي هي تلك المسائل التي لم تعد قادرة على التفاعل مع الواقع الوجدي وتغترب عنه لأسباب ومبررات غالبيتها تعود للبيئة الثقافية والحضارية لمجتمع الإسلام كفكر مجموعي وكممارسة على الواقع، من هنا مثلا نجد من يحدد هذه البيئة بقوله (والتجديد في الإسلام ليس بدعا في الدين بل هو منطلق طبيعي، تمليه النصوص الدينية من جانب، والتطور الحياتي من جانب آخر، تحقيقا لما أختص الله -تعالى- به هذا الدين من صلاحيته لكل زمان ومكان، ومسايرته للتطور وقبوله المستجدات، مع حفاظه على ثوابته التي تضمن له البقاء صامدا شامخا، على مر العصور) .
إذا نحن أمام مدرستين بارزتين في مفهوم التجديد الديني، الأولى والتي عرضنها هنا أهم أفكارها ترى أن التجديد يجب أن لا يصل إلى المنبع وإنما ينحصر في إعادة نمذجة الخطاب الديني مع بقاء التراث كما هو، ولكن العملية التجديدية لا بد لها أن تستهدف طريقة تقديمنا لهذا الدين ووفقا للمقترح المقدم منها وهو المصاغ وفقا للنقاط التالية:
• مفتاح التجديد هو الوعي والفهم للإسلام من ينابيعه الصافية، بحيث يُفهم فهمًا سليمًا خالصًا من الشوائب، بعيدًا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
• من خلال رجال يُحسنون عرض الفكر الإسلامي ويصوغونه صياغة جيدة، تنقِّي الفكر من الخرافة، والعقيدة من الشرك، والعبادة من البدع والأهواء، والأخلاق من التحلل والانهيار.
• رجال يتبنون كل تجديد مشروع يجمع بين القديم النافع والجديد الصالح، ويدعو إلى الانفتاح على العالم دون الذوبان فيه، منهجهم الثبات على الأهداف، والمرونة في الوسائل، والتجديد في فهم الأصول، والتيسير في الفروع .
هذه الرؤية المحافظة جدا تعود بحقيقتها لفلسفة فكرية حرصت على بقاء هيكلية الفكر الديني التراثي وتعتبر أن التغيير التجديدي يجب أن ينصب أولا على نمذجة الخطاب الجديد الموجه للأخر وليس بحث ما يعرف بالكشف النقدي لهذه الهيكلية التراثية برمتها، وتعريتها للتخلص من أسباب تخلف ليس الخطاب وحده بل ما يستمده الخطاب من خلفية مضطربه، وعلى أي حال فهي أي المدرسة المحافظة تنبع فكرتها من الحفاظ على المكاسب السياسية والفكرية التي حصلتها أو تمكنت منها خلال الصراع الديني والسياسي الذي مر على الإسلام كمجتمع لا الإسلام كدين ورسالة للبشر، وهي مدرسة قديمة ولها جذورها التأريخية التي يمثلها الآن الموقف الفلسفي للسلفية الفكرية العامة ومنها حركة الأخوان المسلمين والتيارات التي تتماهى معها في الأطار العام.
هذا اللون من الطرح يرجع أسباب تخلف التجديد ومنها الخطاب الديني إلى عوامل سياسية وفلسفية خارجة عن الدين بذاته، ويعزوها دوما إلى العامل الموضوعي لا إلى الحس الذاتي الذي يقر بأنه قابل بالممكن الطبيعي والممهد لعملية التجديد، فالدكتور النصار يركز على دور السلطة وتحالفها مع التيارات العلمانية المساندة لها في فرض تشويش متقصد على عملية التجديد ومشروعها الإصلاحي، فيذكر وفي نفس المقالة عن التجديد أنه (قد وقع ضحية لقوانين القوة التي تستخدمها السلطة الحاكمة صاحبة النفوذ في العالم العربي، مدعومة ببعض القوى العلمانية التي تساندها، مستخدمة إمكانياتها الاجتماعية والإعلامية والمادية في السيطرة والتحكم في طريقة التجديد وطبيعته، والتعامل مع الثوابت بنفس طريقة التعاطي مع الفرعيات) .
من هنا نستنتج أن المدرسة المحافظة ليس بوارد فكرتها العودة إلى موضوع الأكتشاف وتنادي ببقاء المنظومة الفكرية الدينية بكاملها، والمطلوب فقط أن نجدد خطابنا الديني بملامح ترقيعية دون أن ننزع من هذا التراث العام وعلومه مبررات بقائها ضمن فكرة الدين المجردة، على أعتبار أن المنظومة بكاملها هي الدين وهي التي يجب أن تراعى وتقدس للحفاظ على الهوية وبقاء العامل الديني كما هو سائد الأن محور وجود الإنسان وعدمه، وعليه يجب على صاحب مشروع التجديد مهمة أساسية تنطلق من مراعاة الشرع بمعنى أن (يراعي مقاصد الشرع ويأخذ بفقه الأولويات، ويضع القائمون عليه في اعتبارهم المصلحة العامة والضرورات التي تُقدَّر بقدرها، من دون تجاوز للثوابت في نصوص القرآن الكريم وصحيح الحديث النبوي. فهذه النصوص لا يلحقها التجديد، لأنها هي الثوابت القطعية والقواعد الكلية للدين الحنيف) .
الملاحظ عن هذه المدرسة أنها ضد عملية التجديد وحصر المسألة في أطار شكلي لا يعالج القضية من الأسباب الأولى، ولا يتفق مع المدرسة الأخرى التي نسميها المدرسة الليبرالية التي تركز على إحضار الدين وإعادة أستكشافه من خلال ممارسة النقد للقراءات الأعتباطية والشخصية للفكرة الدينية ذات، والتي تسببت بسبب عدم حياديتها وفهمها الأحادي اللا منضبط بتراكم هذا الكم الهائل من المعرفة الدينية الراهنة،وبرغم ضخامتها وأمتدادها التأريخي لم تنجح في تقديم الإسلام كدين ملائم لما يسمونه القابلية على أجترار الحلول وفك الأشتباكات ما بين هو مدني بالطبيعة الذاتية وما هو ديني مؤشر ومحدد بالنصوص.
إذا علينا أن نختار أولا بين مفهومي تجديد الفكر الديني وتحديث قواعد التعامل معه وبه، وإعادة طرح الإسلام خاصة والدين كمفهوم عام، على أنه مجرد معرفة تتميز بخاصية محددة من ضمن مجموعة معارف تستهدف تنظيم العلاقة البينية بين الإنسان ووجوده وبين الإنسان وقيمه، من جهة وبين دور الإنسان ووظيفته ككائن منتج للمعرفة ومجدد لها وفقا للضرورات والسنن دون أن نتعرض لأصل الفكرة التي قلنا عنها أبتدأ أنها مجرد فكرة يختلف الإنسان طبيعيا في التعامل معها أو في الوصول إليها، وعلى أن الدين بحد ذاته كقيمة معرفية يقر بأن التجديد طبيعة في الفكر وليس إنعكاسا فقط للواقع وتحدياته وإشكالياته الوجودية.







اخر الافلام

.. تعرف على مشروع توسعة المسجد الحرام


.. العويوي حارس الأقصى يروي مشاهداته لحريق المسجد


.. أخبار عربية | كيف يؤثر الترويج لحمزة بن لادن على تنظيم #القا




.. إدارة أموال الإخوان بعد 5 سنوات تتحفظ على 1400 قيادي و66 صرا


.. الذكرى الـ 48 لحريق المسجد الأقصى