الحوار المتمدن - موبايل



مهمة أستنطاق النص الديني وجدلية الذاتي والموضوعي

عباس علي العلي

2017 / 7 / 30
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مهمة أستنطاق النص الديني وجدلية الذاتي والموضوعي

أستنطاق النص الديني غير فهمه وتفسيره وتأويله وبالتالي فهو محاولة أبعد من ذلك وأعمق وأشد قدرة على معرفة حكم الناص من النص، وأول من ذكر الأستنطاق كمفهوم إرشادي إيحائي لهدف المزيد من المعرفة به هو القرأن الكريم في نص معلوم قوله تعالى {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الجاثية29،وهو كما قلنا نطق إيحائي (اشاري) يتحقق بالتوصيف الذي نص عليه الإمام علي(ع) (استنطقوا القرآن، كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض)، ثم يعرف الإمام هذا النطق غير المألوف بالقول (لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ وسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ وتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْق).
فالإستنطاق عموما هو أستخراج معرفي أكثر من المتوفر المعتاد في النص ومن خلال المعنى والدلالة والقصد، البعض يسميه التعمق في الباطن النصي وأخرون يسمونه ما بعد النصية، والنتيجة أن الأستنطاق يدور في فهم ما هو أعمق من الظاهر وأشد قدرة على أستخراج ما حمل النص من مفاهيم وأفكار، فكلما كان النص قابلا للأستنطاق وبجدارة كان هذا النص أكثر قدرة للمقاومة وأغنى في مضامينه من غيره بالقدر الذي ينطق به من معرفة.
وحدها الدراسات العلمية الرصينة والتي تتلمس الطرق المنهجة الأصيلة قادرة أن تستنطق النصوص وبالقدر الذي تكشف عن قوة وقابلية النص على العطاء، تقول الباحثة ساهرة رشيد في هذا الخصوص خلال قرائتها النقدية لكتاب أستنطاق النص الصادر من دار المأمون للترجمة في بغداد بهذا الخصوص، (تستمد اغلب الدراسات النقدية الأكاديمية الرصينة والجادة قوتها من سعيها الدؤوب والمتواصل إلى استنطاق النص الأدبي ,شعرا كان أم مسرحية أم رواية لان مثل هذا الاستنطاق ربما وحده هو القادر على إيصال المعنى,أو حتى المعاني المتعددة التي ينوء بها النص المعني,إلى المتلقي، وينطبق هذا الافتراض على الدراسات النقدية ذات الاتجاهات المتنوعة والمتباينة في طروحتها الفكرية سواء تلك الدراسات النقدية ذات الاتجاهات المتنوعة والمتباينة في طروحاتها الفكرية) ، فعند السيدة رشيد أن الأستنطاق أضافه لمنجزه في النص، أيضا يمنح نفسه الرصانة العلمية المطلوبة في دراسات تتميز بالتباين والتنوع في الأتجاهات الفكرية وفي الطروحات التي تأت بها.
السؤال هنا ما هو الأستنطاق النصي ومن هو المستنطق وكيف يمكننا أن نؤمن أن نتيجة الأستنطاق يمكنها أن تكشف حقيقة النص وما فيه؟ سؤال متعدد ولكنه محق فليس كل من يدع شيئا يجا أن نصدقه وليس كل من خرج بنتائج ما سيكون لها نصيب من الموافقة لا سيما وأننا نتعامل بقضية حساسة وبموضوع له أمتدادا متشابكة ما بين العقيدة والإيمان وحياة البشر الوجودية أولا، تقول الباحثة ساهرة رشيدة نقلا عن حجوليا كريستيفا (إن كل نص خاضع منذ البداية لتشريع خطابات أخرى تفرض عليه عالما ما) وتعتقد إننا بدل إن نحصر اهتمامنا في دراسة بنية النص, (يجب علينا إن ندرس عملية بنائه وكيف دخلت بنيته حيز الوجود.وتتمثل مثل هذه الخطابات على أوضح ما يكون في هذه المجموعة المختارة من الدراسات والقراءات النقدية التي تستنطق عدد كبيرا من النصوص) ، وهذا يتجلى في وضوح الأبرز في دراسات النص الديني من حيث كميته وكثافته وأرتباطاته البينية.
فالنص عندما نؤمن بأنه كائن حي طالما أننا نشعر بالحاجة له أو أن الظروف هي التي تدفع به لهذه النتيجة، لا بد أيضا أن نؤمن بحركيته من جهة أخرى وقدرته على التمثيل المعرفي لهذه الحاجة، وبالتالي ليس من السهل التخلي عنه أو ركنه جانبا بحجة أنه لم يعد ممكنا له أن يعط ما مرجو منه على أقل تقدير، بهذا الصدد يقول أرام كرابيت موضحا أهمية النص وأخراجه من تابوت التحنيط للواقع العملي (لم يعد الموضوع كما كان في السابق، فجميع النصوص المحنطة تحتاج أن تنفتح على ذاتها، وعلى الموضوع، لملء الفراغ الفكري والسياسي الذي نتعرض له من أكثر من مكان، في هذه الأوضاع التي لم تعد تبقي على أي فكر أو نص عاش، وما زال يعيش في قالب أو قوالب) .
هذه المقدمة تقودنا إلى الأنفتاح على النص ومحاولة أستثمار أقصى ما يمكن به من حياة طالما أنه بذاته يفعلها أو قادر على أن يبعثها، أولا لكون النص موجود والأداة الباعثة (العقل) يؤيد ذلك ولكن في أطار منطقي منضبط وهو سر عملية الأستنباط والمدى المقترح فيه، يضيف الكاتب أرام هنا إشكالية أخرى يشرحها بموجز فني بأن (كل فكر يمكن نقده ونقد من ينقده، وكل نص يقدم إمكانات للناقد تسمح له أن يفتح أبوابًا كثيرة لتكسير العقل المأزوم، أو النص المؤزّم، ويحتاج إلى تشريح وفكفكة لانتشاله من بؤسه وتعريته، وبث الحياة فيه؛ ليدخل الفضاء العام الواسع للانفتاح على الحرية)
فعند الباحث المتكلم أن الحدود المسموح بها والغير مسموح بها هي حدود طارئة وغير حقيقية وهي من صنع البشر القارئ وليس من طبيعة النص أو من حدوده الذاتية، فالمتكفل بعملية الأستنطاق دائما هو العقل وهو الذي يستخرج ما يريد بناء على إحساسه بالنص فيقول متمما الفكرة (فلا سلطة أو سلطان على النص أو العقل لأن كل عقل يخفي نقيضه في ذاته، حاجب علاقته المزدوجة بنفسه وبموضوعه، هنا يأتي الناقد، ويدخل الممرات المعتمة -وبيده معوله- في محاولة منه للوصول إلى المعدن الثمين الراكن في الأعماق البعيدة، كعالم متخصص يستطيع استنطاق النص ليخرجه من الرماد، ويكشفه ليوضع تحت الشمس والضوء) .
الإشكالية التي يثيرها الرأي هنا تتمثل في هوية هذا العقل أولا وفي مقدماته العملية، كما تتمثل أيضا في التحرز من الخروج من الأستنطاق إلى ما يعرف بالإسقاط الذاتي لفكرة المستنطق على روحية النص وبالتالي توقع نتائج غير محموده فيه، فكونية الأستنطاق ببساطة يعبر عنها بأنها حوار متبادل بين القارئ والنّص، والذي يتغلغل في خبايا الرّمزي والثّقافي والإيديولوجي والأسطوريّ، وقد تختلف باختلاف اتّجاهات القارئ ومشاربه ومذاهبه وثقافته التّاريخيّة والاجتماعيّة والأسطوريّة، وهو ما يجعل هذه التأويلات رهينةَ مدى قدرتهم على استنطاق النّص وفكّ شفراته ورموزه، والوقوفِ على ما توحي به تراكيبه وسياقاته، خاصّة وأنّ المناهج تستقي ميكانيزماتها من هذا التّفاعل الحاصل بين النّص والمتلقّي والمؤثّرات الخارجيّة.
هذه الإشكالية تتمحور حول حقيقة وكونية العقلية الدينية العربية خاصة والإسلامية عامة في تناولها موضوع المقدس التراثي ووجوب طاعته وإتباعه، وحتى تحريم النظر فيه مجددا لأستكشافه، خاصة أن موضوع القداسة في هذه العقلية موضع تقديم بدل أن يكون محل فهم، يقول أدونيس في هذا الصدد (أن الذهنية العربية والإسلامية ذات مبنى ديني أي ذهنية اتباعية، لا تؤكّد الاتباع وحسب وإنّما ترفض الإبداع وتٌدينه) ، ويتابع في سرد الحل متخذا موقفا تحرريا منه ومضاد لموضوع القداسة والواقعية ويمضي بقوله (ولذلك لا بد من هدم هذه البنية وإقامة بنية جديدة مكانها ذات فلسفة عقلانية تقدِّس الإبداع وتتماشى مع الواقع، وترفض أن تُسجَن في الماضي بل ترفض الماضي التراثي كونه سكونًا مطلقًا وكيانًا سلبيًّا أسطوريًّا وغيبيًّا) .
لذلك نرى أن كثيرا من الأصوات بدت تتعالى وتنتقد مفهوم التحرر من التأريخية والسلفية بحجة حماية النص من التغريب والتبديل تحت وطأة مفاهيم الحداثة والمعاصرة التي رافقت دعوات تجديد الفكر الديني، ومحاولة لجمها بإثارة المخاوف مرة من تشويه النص عبر أستنطاقات غريبة عنه في المنهج والأداة، أو عبر التغرير بالعقل الإسلامي تدريجيا للتخلي عن الثابت المقدس لديها.
هذه الهجمة أساسها تخلف الذهنية المحافظة من التفريق بين النص كونه كائن حسب ما قلنا، يمكنه أن يعيش في ظروف أخرى طالما أنه قادر على ذلك وقادر على الأنتاج، وبين كونه فعلا خطابيا موجها أدى فريضته الوظيفية براهنية التنصيص وأنتهى في حدود ما توصل له من عطاء، مثلا النص عند الدكتور عبد الملك مرتاض يعرفه بأنه (شبكة من المعطيات اللسانية والبنيوية والأيديولوجية، تتضافر فيما بينها لتكوّن خطابا، فإذا استوى مارس تأثيرا عجيبا، من أجل إنتاج نصوص أخرى)، ويستطرد في شرح نظريته فيقول (النص قائم على التجددية بحكم مقروئيته، وقائم على التعددية بحكم خصوصية عطائيته، تبعا لكل حالة يتعرض لها في مجهر القراءة) .
فالنص عنده كائن مستدام بقدر ما يستنطق منه أو بقدر ما يمكن أستنطاقه معلقا الأمر كله بما يسمى القابلية الأنتاجية للنص ومن حيث هو بتعدد تعرضه للقراءة، مشيرا بذلك إلى ما تطلق عليه "ج. كريستيفا " (إنتاجية النص)، (حيث إنه يتخذ من اللغة مجالا للنشاط، فتراه يتردد إلى ما لا نهاية، محدثا بعدا بين لغة الاستعمال الطبيعية وهي اللغة المسخرة لتقديم الأشياء والتفاهم بين الناس، والحجم الشاغر للفعاليات الدالة) .
وحتى لا نبتعد كثيرا في تحليل الخطاب والنص الديني ونركز على مسألة الأستنطاق علينا أن ننتهي إلى معنى الأستنطاق ذاته، ومن ثم المضي قدما في بناء مشروعنا التجديدي في قراءة النص وهدفنا منه ليس إعادة الحياة لنصوص ميته، بل منحها فرصة أخرى لتعود حية للواقع وتمارس دورها الوجودي، فالأستنطاق بمختصر القول هو هذا المعنى الحواري بين أصل فكرة الناص والقارئ من خلال التفتيش في حيثيات البناء اللفظي الذي يشكل بناء اللفظ النصي بوسائل متعددة تبدأ من العودة إلى أفتراض أن الظاهر النصي ليس كل خطاب الناص وليس كل ما يحمله من قصديات البعض منها متحرك ضمن أنساق مضمرة تحتاج إلى الحفر داخل شكلية النص أو ما يسمى بـ (جيلوجية النص)، أو من خلاف تفكيك النص وأستخراج طبقاته المخبوءة أو من خلال ممارسة ما يعرف بتحليل النص لوحداته الأساسية وإعادة تشكيلها مجددا لمعرفة التركيبة الفكرية التي بني عليها النص وعلاقته بالظروف والمعطيات والمقدمات التأريخية والموضوعية وحتى الذاتية التي أستوجبت شكلية وبنائية هذا المعمار اللفظي المسمى نص.







التعليقات


1 - ولكن اين الموضوع؟
طلال الربيعي ( 2017 / 7 / 30 - 02:06 )
حسنا الاستنطاق امر جيد ومعروف, ولكن كيف طبق في الدين الاسلامي او في دراسة القرآن او النصوص الدينية واين طبق؟ ولم لم تعطينا بعض الامثلة, لان كلام المقالة مجرد وعمومي وللاسف لا يعني الكثير وهو مخيب للآمال ويبدو انه كمقدمة فقط لموضوع. ولكن اين الموضوع؟ واين جدلية الذاتي والموضوعي؟

اخر الافلام

.. العراق.. ما الذي يمنع النازحين من العودة رغم هزيمة تنظيم- ال


.. وإن أفتوك - تعريف فتوى .. حضانة الآباء للأولاد بعد بلوغ سن ا


.. وإن أفتوك - فتوى الأوصياء والفتوى المظلومة لـ استحقاق الآباء




.. وإن أفتوك - فتوى الأوصياء والفتوى المظلومة لـ جواز المعتدة م


.. وإن أفتوك - دليل الوصاية لأوصياء الفتوى حول خروج المعتدة