الحوار المتمدن - موبايل



بطانة الرئيس بين عملقة وتقزيم الخصوم

شجاع الصفدي

2017 / 7 / 30
القضية الفلسطينية



يسعى الرئيس عباس دوما للإحاطة بكل ما يدور في الكواليس ، حيث تعمل الأجهزة الأمنية على تزويده بتقارير دورية عن كل شاردة وواردة تخص أي مسؤول وأي نشاط وأي فصيل على الساحة الفلسطينية ، وعليها يبني الرئيس توجهاته ورؤيته وقراراته وفق ما يراه مناسبا لاستمرارية سياساته التي يراها الأجدر والأنسب في قيادة المرحلة .
لكن من المتعارف عليه أن التقارير وحدها لا تكفي للإحاطة بكل شيء ، فهنالك الكثير من الأمور التي تحتاج تدقيقا وتمحيصا شخصيا من الرئيس حتى لا تجري المياه تحت قدميه دون أن يشعر بها ، وفي الحالة الفلسطينية على ما يبدو أن الرئيس يؤمن بالتقارير التي تصله ، ولا يقتنع بأن هنالك مياه تجري من تحت قدميه ، وإن صح القول هو لا يؤمن بأن تلك المياه قادرة على جرفه من مكانه أو خلخلة أركان سلطته المطلقة ، وعندما يدخل أي شك إلى قلبه يبادر لاستشارة المقربين منه في الأمر ، فيؤكدون له أن خصومه أقزام لن يرتقوا أبدا لمستوى النزاع والمنافسة على قيادة رأس الهرم ، ويبادرون لتقزيم الخصوم في كل تصريحاتهم ، مصرّين أن دور هؤلاء الخصوم قد انتهى ولن يكون لهم شأن بعد اليوم داخل البيت الفلسطيني ! .
وفي نفس الوقت تجد أن هنالك تعليمات بالتصدي لنشاطات ما في الخارج أو في الداخل ، وتجد قطع رواتب ، وتجد عقوبات تنظيمية مختلفة ، وكلها إجراءات تصب في خانة ضرب قوة الخصم ! .
إذن ، الواقع يقول أن هنالك خصم قوي بشكل أو بآخر يسعى لتولي السلطة ويحظى بدعم دولي وعربي واسع.
التصرفات المضادة تظهر تخبطا واضحا عند بطانة الرئيس ، فتارة تتم عملقة دحلان كخصم سياسي ، وتارة يسعون لتقزيمه تماما ويقنعون الرئيس بأن دحلان لا يشكل أي خطر حالي ولا مستقبلي .
إذن ، ما الذي يجري حقا ، وهل دحلان فعلا يسعى لتولي السلطة ؟ ، هل دحلان رجل أمريكا ، أم رجل مصر والإمارات ، أم سيد نفسه ، أم ماذا ؟
هل هنالك خصوم حقيقيون بعد رحيل الرئيس يمكنهم الوقوف فعليا في وجه دحلان ومنعه من الترشح والفوز خلال أي انتخابات مقبلة سواء بالتحالف مع حماس أو بدون ؟
لكن قبل ذلك فإن السؤال الأهم ،هل هنالك إنتماء شعبي حقيقي تجاه أبي مازن كزعيم للشعب الفلسطيني ، أم أن الأمر مجرد ارتباط وظيفي تلقائي بين موظف ومسؤول ، بمعنى أن الراتب الوظيفي هو الرابط الأساسي بين السلطة الفلسطينية والقاعدة الشعبية ، وهذا الرابط يصلح في أي بلد آخر ، إلا في المجتمع الفلسطيني ، الذي اعتاد وجود قائد وزعيم يحظى بكاريزما خاصة تخلق ارتباطا مختلفا عن مسألة الموظف ورب العمل ، وهذا باعتقادي مفتقد تماما في الحالة الفلسطينية المعاصرة ، وإذا ما قررت السلطة فجأة قطع مرتبات موظفي قطاع غزة تماما ، والتخلي عنهم ، فإن الحديث عن أي انتماء في هذه الحالة محض هراء ، وسيكون هنالك سعي منطقي من كل رب أسرة لإعالة أبنائه مهما كان الأمر دون أن يعنيه كثيرا لصالح أي حزب أو أي شخص في موقع المسؤولية التي تخوله بتوفير راتب ثابت لأسرته .
في حالة محمد دحلان ليس هنالك اختلاف كبير ، فتوفير الراتب مسألة مركزية جدا في استمرارية التأييد ،مع ملاحظة أن هنالك محبين للرجل كانوا يعملون معه خلال قيادته لجهاز الأمن الوقائي وهنالك نوع من الانتماء بشكل أو بآخر تجاه الرجل ،ولكن هذا العدد لا يعتبر مؤثرا في الحالة الشعبية للقول بأن هنالك فارق حقيقي بين دحلان وبين الرئيس عباس من حيث القاعدة الشعبية المرتبطة تماما برأس الهرم لمؤسسات السلطة من خلال رابط العمل والأجر .
الوقائع على الأرض تقول أن بطانة الرئيس لا ترى من الغربال ، أو أن هنالك من هو معني بأن يتجاهل الحقيقة التي تقول أن محمد دحلان له أتباع في شتى دول العالم ، هنالك أتباع في الجاليات الفلسطينية في أوروبا بنسبة يجب أن تكون مقلقة بالنسبة للرئيس عباس ، ناهيك عن وجود تيار موازي داخل الهيكليات التنظيمية في حركة فتح ، ولا أقصد هنا ما يسمى بالتيار الإصلاحي التابع مباشرة لدحلان ، وإنما هنالك أعضاء قيادة مناطق وقيادة أقاليم وقادة شُعَب وعناصر وكوادر من أبناء فتح موالون تماما لمحمد دحلان ، وهؤلاء فازوا من خلال انتخابات تنظيمية شرعية وسليمة مئة بالمئة ، وهؤلاء بالطبع لا يخشون انقطاع رواتبهم من قبل السلطة لأنهم مطمئنون تماما أن هنالك ظهر داعم لهم ، والقسم الآخر الموالي لرئاسة السلطة مستمر في ولائه من منطلق الرابط المالي ، فإذا ما انعدم الرابط تلاشى الدافع وانتهت العلاقة المبنية أساسا علي روابط هشة .
بالنسبة لمحمد دحلان ، الرجل السوبرمان في وسائل الإعلام ، الذي تدخل لحل مشكلة سد النهضة !! ، وتدخل في الأزمة الليبية ، وأخرج سيف القذافي من السجن ! وصديق عمرو سليمان وعمرو موسى ، والذي دأب البعض على تصويره كرجل خارق له علاقات عملاقة !! ، وحرص البعض الآخر على تخوينه واتهامه بقتل عرفات والعمالة لأمريكا والاحتلال !! ، باعتقادي الشخصي أن الرجل عادي جدا لكنه يتمتع بذكاء كبير ، له علاقات اكتسبها من خلال عمله في أجهزة السلطة ومن خلال تكليف الرئيس الراحل أبو عمار له بمهام خارجية متنوعة أتاحت له التعامل مع الكثير من المسؤولين في دول العالم ، ويبدو أنه كان يحرص أن يبقي شعرة معاوية مع كل هؤلاء من خلال تقديم خدمات مختلفة على مدار سنوات سعيا لاستمرارية العلاقات ، وإنكاره السعي لتولي السلطة ليس منطقيا ، فدحلان من داخله لديه قناعة أنه الوحيد الجدير بقيادة السلطة بعد رحيل أبي مازن ، وهكذا بات يرى في الرئيس عباس حجر عثرة يعيق طموحه ، بعد إصرار عباس الشديد على رفض التصالح وتسوية الأمور ، أبو مازن يدرك أن ما يريده العرب منه هو تسليم السلطة بشكل أو بآخر لدحلان ، وهو يستميت من أجل منع ذلك بأي شكل من الأشكال حتى لو وصل العداء مع الدول العربية حد المقاطعة .
المشكلة التي تواجه الرئيس عباس في الغالب أنه لا يرى في محيطه خليفة يحظى بالدعم الشعبي أو الدولي الكافي لترسيخه في منطقة القيادة ، حتى رئيس المخابرات ماجد فرج ، يصنف كرجل أمني لا سياسي وهو مقتنع أنه لا مطامح لديه في قيادة السلطة ، الآخرون كلهم من جيل الرئيس عباس ، وأمريكا لها تحفظات عليهم بحجة السن وبحجج أخرى ، وبزعم أنه يجب ضخ دماء شابة في القيادة الفلسطينية .
الدول العربية ترى في دحلان الرجل المناسب ، ما زال في عمر ملائم وصحة جيدة ، له تجربة سياسية كبيرة ، له تجربة خاصة في التعامل مع ملف المفاوضات ، والأهم قدرته على التفاهم مع الفصائل حتى ألد الخصوم وهي حماس ، والرجل أثبت ذلك لمصر والإمارات ، وخاض تفاوضا معينا مع حماس ، وصل لتفاهمات محدودة نسبيا ، إذا ما تكللت هذه التفاهمات بفتح معبر رفح المزمع في أواخر أغسطس ، سيسجل هذا هدفا خطيرا في مرمى الرئيس عباس .
من ناحية الدول العربية، فهي تتوافق مع الموقف الأمريكي من جهة ، ومن خلال مصالحها من جهة أخرى ، مصلحة مصر تماما تصب في خانة محمد دحلان ، الرجل القوي بنظرها والذي يحظى بنسبة تأييد داخل الشارع الغزي ، وقطاع غزة يهم مصر أكثر من الضفة الغربية بكثير بحكم الموقع الجغرافي والتأثير السلبي وانعكاسات أي وضع متدهور في قطاع غزة على أمن مصر ، وهنالك مصالح اقتصادية كبيرة تربط مصر بالإمارات ، وطالما دحلان في حضن الإمارات إذن هو رجل مناسب تماما بالنسبة لمصر على كافة الصعد .
بالنسبة للإمارات والخليج عامة باستثناء قطر ، فإن القلق من تنامي الإخوان يجعلهم يبحثون عن حصان طروادة متين يسيطر على النموذج الإخواني الوحيد الذي استمر كل هذه السنوات ، ودحلان هو الرجل الأنسب لخوض حرب صامتة للتخلص من هذا البيدق الأخير للإخوان من جهة ، ومن جهة أخرى يشكل دحلان الذراع التي يمكن أن تشكل دورا ما للخليج في الساحة الفلسطينية التي تخلق انعكاسات مؤثرة على كافة الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل أو بآخر .
هذا الاتفاق أو التوافق يرفع كثيرا من حظوظ دحلان في تولي السلطة ، ومن خلال انتخابات مدعومة بأموال كبيرة ، وبوعودات اقتصادية هائلة ، تمهيدا لحلول مستقبلية جزئية ، إن لم تكن جذرية ، لكنها ستطفئ فتيل المنطقة لوقت طويل ، تستطيع من خلاله الأنظمة ترتيب أوراقها والتخلص من كل ما يمكن أن يشكل خطرا على بقائها .
يبقى الرهان على ما يريده المواطن الفلسطيني ،وما يمكن أن يمرّره هذا الشعب الذي لا يراهن على سلوكه ولا يمكن توقع ردود فعله ، وإذا ما أراد أبو مازن أو دحلان أو أي قيادي من حماس أو أي فصيل آخر أن يستمر أو يكون قائدا للشعب الفلسطيني فيجب أن يعرف أن هنالك حواجز عملاقة تقف بينه وبين الشعب ، وليس من السهل إزالتها إلا بالوفاء للوطن وللشعب وخلق حياة يستحقها الشعب الفلسطيني بدلا من المساهمة المتواصلة في خنقه وقتله من أجل تنافس رخيص على سلطة وهمية .







اخر الافلام

.. أمر ملكي سعودي باستمرار صرف بدل غلاء المعيشة


.. المساواة بين الجنسين في العمل تتطلب 200 عام!!


.. مدير إف بي آي السابق: ترامب يقوض حكم القانون -بالأكاذيب-




.. سياسيون مصريون ينتقدون الزيادة في عدد سكان البلاد


.. اليمن: هدوء نسبي في الحديدة بعد خروقات لاتفاق الهدنة