الحوار المتمدن - موبايل



الدين بين المفهوم القدري والحقيقة الأجتماعية

عباس علي العلي

2017 / 8 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


عادة يبدأ الباحث في معنى الدين من التعريف اللغوي ومن ثم الأصطلاحي له لكي يبرز للقارئ حقيقة أن المفهوم الذي يشرحه لا بد أن يكون مستوعبا للفكرة ذاتها، وبما أن هذه الشروحات مستضافة لدى عامة الناس فيكون الأمر هنا مجرد تكرار للواضحات المعروفة لا ندخل فيها ونتركها لمن يريد أن يكرر المحاولة، وعلينا أيضا أن نبتعد عن الخطوات التي لا ضرورة منها أختصارا لمساحة البحث لا سيما وأن الموضوع عامة حاضر في الذهن عند الغالبية.
المسألة الأهم في تعريف الدين تتعلق بماهيته الذاتية فقط من نظرة موضوعية خالصة تدور بين مسألتي الأصالة الفكرية ومسألة التكوين، بمعنى أن نبحث عن الدين بأعتباره واقع بشري في حياة الإنسان وهذا الواقع بما يمثله ويتمثله من وجود ليس إلا رابط بيني وجدنا أنفسنا أمام أستحقاقاته دون أن نعي هل هو طارئ مخترع فينا أم أنه مجرد أمر بدي وحتمي بدأ أصلا مع وجود الإنسان وحضوره الكوني.
هذا السؤال هم الأهم والأقدر على الأجابة على معنى السؤال بما يعط من أجابات وما يطرحه من حقائق على الواقع، هناكرأي أركولوجي مستمد من دراسة المجتمعات القديمة وطرق معالجتها للعلاقة بين الإنسان ووجوده تخلص هذه الدراسات إلى حقيقية يمكن أختصارها بما يعرف بالحاجة الطبيعية للإنسان في التكامل والتماهي مع الوجود ليكون في مأمن من ظواهر الطبيعة وما تفرضه من تحديات تتعلق بديموميته المستقرة على الأرض، ومن ثم الأعتقاد بهذه العلاقة لتحميه وتمنحه القوة ليكون أكثر قدرة للمواجهة والتحدي أو الأستجابة لها.
من هنا فليس كل الدين هو عقيدة وليس كل عقيدة هي الدين فربما بعض الدين لم يكن إلا أوهام صارت وتجسدت في العقلية البشرية نتيجة لظروف موضوعية أملتها طريقة الفهم والإدراك الطبيعي للأشياء، هنا نورد نصا يمثل جوهر الفكرة ويعبر عنها بوضوح تام، تقول الفكرة ما مختصره (الإنسان ككائن عاقل كان دائم البحث في حقائق الكون والأشياء المحيطة به وبالتأكيد فان مخاوفه الكبرى تنبع من شعوره بالنقص أو الضعف وحاجته الماسة للتمسك بما يسند أو يدعم وجوده فإذا كان هناك نقص في تكوينه وقدراته لابد أن يكون هناك بالضرورة ما يكمله وإذا كان هناك ضعف يتمثل فيه لابد أن تكون هناك قوة تقابله و ربما تمثل معينا يمد الإنسان بكل أسباب المساندة والدعم وفق شروط معينة هذه الشروط لم تكن ثابتة طوال مراحل التاريخ بل كانت متغيرة تبعا للتغيرات التي يفرضها الحراك الحضاري والثقافي ما يعني أن أقدم عهود التدين قد ارتبطت نوعا ما بأبسط اتواع الشروط التي تتحكم بمنطق التدين لدى الإنسان) .
هذا النص والفكرة تعود بنا للتأريخ السحيق لتذكرنا أن الإنسان هو الخالق الأول للدين وإن كان بصورة خوف ومواجهة وخيار سلوكي، لكن هل يمكننا أن نتوقف معه على أنه النهاية في فهم الدين لا سيما وأننا قدمنا قضية ننفي بها أن يكون كل ما نعتقده ونتقيد به على أنه عقيدة ما هو كامل مفهوم الدين، فالحق يقال أن هناك فرق جوهري بين أن نتعبد بأفكار نتيجة ظروف موضوعية وبين مفهومنا الحالي والراهن للدين، ولكن لا ننسى أيضا أن الدين بحد ذاته تجربة بشريه أثرى فواصلها ومفاهيمها العقل البشري فتراكن وتجمعت لتعط هذا المفهوم الراهن، فالتأريخية جزء مهم من تصورنا عن الدين وجزء من حقيقته أيضا.
فالدين إذا حقيقة طالما أنه لا ينفك من التواجد في عقل الإنسان وبالتالي من وجوده مع وعيه في الوجود، ولذلك لا ننفي الحاجة الأكيدة له أو ما يعبر عنه البعض بالضرورة الحتمية، فصاحب فكرة أن الدين مجرد تأريخ من الأعتقادات والتي قدمنها قبل قليل يقر أيضا بذلك، فيقول إكمالا لفكرته السالفة (ربما لن نجد إنسانا متجردا من التدين على الإطلاق فالذين لايامنون بالله هم قطعا يؤمنون بالإله الذي تطرحه الفلسفة والذين ينفون ذلك الإله أيضا لايتجردون من إيمانهم بقوة ما تتحكم في الكون) .
يقول الباحث العراقي هشام العيسى في أحد تغريداته المهمة أن علاقة الإنسان الصحيحة وفهمه للوجود تبدأ من فهمه الصحيح لمجموعة العلاقات الأرتباطية التي تحركه وتدفعه للمضي بالوجود على أسس سليمة (لايمكن ان تصلح رؤيتنا للحياة .. مالم تصلح رؤيتنا للدين والعقائد)، فهذا الشرط الذي وضعه العيسى يقودنا إلى أهمية البحث عن الصحيح دون أن نخشى ردة الفعل من أي جهة تحاول جرنا إلى حقائق تشبه الأوهام وتحت أي مسمى أو عنوان.
فالدين الذي هو معرفة أكتسبها البشر بوعيه الذاتي للواقع هي نتاج وجودي ومرتبط بهذا الوعي ومرتبط أيضا بما يتطلبة الوعي من فعل يتجسد بمفاهيم محددة، ولكن التساؤل هنا في معرفة المعرفة ذاتها وحدود صدقها في الكشف عن الحقائق، عبد السلام دخان الباحث ينفي هذه الجملة غالبا بل يطرح مفهوما أخر، مفهوم يتعلق بالحقيقة ذاتها فيقول (غالبا ما يتم القول إن المعرفة مستمدة من الحواس، لكن هذه الأخيرة تخدعنا في كثير من الأحيان، وتبعدنا عن قول الحقيقة «ومن عدم الحكمة أن نثق فيمن يخدعنا مرة» ويبرهن ديكارت على هذا الخداع من خلال الحلم. وهذا يوجب علينا أن نشك في وجود ما يقوم عليه الإدراك الحسي والمتمثل في العالم المحسوس) ، فالحقيقة دائما إذا تعلقت بالمعرفة الحسية تبقى نسبية قابلة للتغير كونها جاءت من متغير طبيعي.
إذا علينا هنا أن نبتعد قليلا عن المعرفة بشكلها المستمد من الحسية المادية لنواجه تساؤلاتنا عن حقيقة الدين وماهيته بشكل موضوعي يقربنا من حدود الحقيقة المكتملة لا الكاملة والتي يمكننا أيضا أن نجدها في تتبع مسيرة العقل الإنساني في تعامله مع الموجود والوجود بأطار شامل كلي، فالحقيقة التي تجلت لهيجل مثلا هي حقيقة أشبه بالنظرة الواقعية وإن كانت تنتمي للمعرفة بغالبيتها (إن التجلي الأسمى للحقيقة يتمثل في الحق والفن والدين)، فهذه المفردات الثلاث ومن ضمنها الدين تتمثل من جهة أساسية كمعرفة ومن جهة أخرى حقائق وجودية لا يمكن إنكارها، هنا أقتحم أو أقحم موضوع الروح والروحية في مفهوم الحقيقة دون أن نرى ذلك ظاهرا ولكنه أقحام مناسب وطبيعي طالما يتعلق بموضوع الإحساس الذاتي المجرد.
فالدين أولا يحمل عمقا روحيا في تفكير الإنسان ويدور في معظمه بتنظيم هذه العلاقة ذاتيا لتنعكس تصرفا سلوكيا وإنفعاليا مع قضاياه العامة والخاصة، فلولا الحس الروحي والشعور بأن المادية بتجردها عن ملاحظة عوامل الروح الخفية في النظرة للعالم الحولي لتحولت حياة الإنسان إلى مجموعة قوانين ضبطية صارمة تمسخ فيها جانب مهم من شخصية الإنسان الحساسة والمتبدلة والمتحولة تعبا للتغيرات والتحولات الوجوبية أو المختارة، بمعنى تجريد الحياة من جانبها المعنوي وأحالتها للموضوعية التامة، (قول الحقيقة يتطلب أن نكون في ذات الآن ذاتا عارفة وموضوع معرفة، ولم يصبح الإنسان موضوع معرفة إلا في الإبستيمية الحديثة، حيث سيوجه اهتمام الإنسان إلى معرفة ذاته على أن ما يعرف به ذاته لن يكون علوما على الإطلاق فما سيتشكل تحت اسم الإنسان سيكون مجالا للمعرفة لا موضوعا للعلم، وهو موقف صادر عن إدراك ميشيل فوكو لصعوبات وعوائق ما يسمى علوما إنسانية. الإبستيمية حفل يمكننا من مساءلة المعرفة في مختلف أوجهها المعاصرة بالارتكاز على الخطاب) .
هذا الموقف المعاصر سجل أيضا حضورا تأريخيا في الفكر الإنساني القديم وبالذات الديني منه وبالأخص الفكر الإسلامي العرفاني والصوفي تحديدا، وكلنا قرأ أو سمع بمقولة ( من عرف نفسه فقد عرف ربه) تلك التي أشرت حقيقة أن المعرفة الكلية للوجود بما فيها العنصر الروحي ترتكز على معرفة الذات من حيث هي ذات روحانية تدور في فلك المعلوم واللا معلوم وقد تصيبها الجهالة فترتد بذلك عن طريق الحقيقة الكاملة، إذا الدين ليس معرفة جزئية في حدود المقدس ولا في حدود ما هو فوقي متسلط متحكم، الدين إرشاد عقلي لرسم مسيرة الإنسان في الوجود من خلال تكامل المعرفة مع الواقع وتحكيم المنطق في ربط القضايا الكلية بجزئياتها وبالعكس، لا دين بدون عقل ولا عقل قادر على تجنب الدين وتحييده ليحل محله معرفة ما إلا أذا ألبسها جانبي الحقيقة الروح والحس، أي إبدال دين بدين.
الخلاصة التي يصلها علماء الأجتماع في مسألة معرفة الدين تتجه إلى موضوع الأهمية الوظيفية التي لعبها الدين في حياة الإنسان لا إلى الشكلية التي ولد فيها الموضوع الديني أساسا، فالوظيفة قد تكون مبرر مهم لوجود الدين وبالتالي فحص معرفتنا به، (فإذا كان "دوركايم" قد لفت الانتباه لدور الدين في تعزيز التماسك بين أفراد الجماعات البشرية من خلال الشعائر والطقوس الاحتفالية؛ فإن "فيبر" أبرز دور الجماعات الدينية التي قد تشكل نواة قادرة على التغيير الاجتماعي للنظم الاجتماعية القائمة، وكذا التأثير في مجالات أخرى لديها ارتباطات بالمجتمع كالاقتصاد والسياسة وغيرها) .







اخر الافلام

.. قدم المسيح على صخر كنيسة سخا الأثرية


.. انا وانا - خيري رمضان: التيار السلفي والإخواني عشش في جدران


.. حصري - بوكو حرام تنهزم امام الارادة الانسانية




.. ما الذي ينتظر الرقة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها؟


.. سوريا والعراق.. أين ذهب تنظيم -الدولة الإسلامية- وأي مستقبل