الحوار المتمدن - موبايل



حقيقة الدين كفكرة وشكلية التدين كصورة وضل

عباس علي العلي

2017 / 8 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الدين والتدين
لا شك أن التفريق بين الدين كفكرة تجمع بين المعرفة المجردة وبين الإدراك والوعي بها بشكل منفصل عن ما يتبعها من نتائج عملية، وبين التدين كتجسيد مادي سلوكي حسي لهذه الفكرة الأسية والتعبير عنها على أنها جزء منه، يشكل عامل أساسي ومهم في معرفة الدين بشكل أفضل، ونعود لموضوع أهم هو هل كل أشكال التدين يمكنها أن تمثل مفهوم الدين مجردا؟، والسؤال الأخر هل كل مفردات الدين يمكنها أن تتحول إلى مفردات يمكن التدين بها وتجسيدها في الواقع، والسؤال الأخير هل الدين بمجمله دائم الحضور في الواقع يصح أن نستخدمه عبر أليات التدين ليكون محور حياة المجتمع والإنسان لأنه أصلا هو هكذا؟.
التدين كنتيجة لوجود الدين مجر في الحياة الحضورية للإنسان يأخذ في الفهم المعرفي جانبين مهمين في الدلالة، الجانب الذي يعني أن يتخذ الإنسان دين ما في حياته ويؤمن به بغض النظر عن المبررات أو الأهداف أو الموجبات، وهذا ما يسمى أيضا التعقيد الديني أي أختيار العقيدة أولا، والجانب الأخر لمعنى التدين كما قلنا سابقا وقعنة الدين وتجسيده في الحياة عندما تتحول مرادات الغهم والإدراك الذهني إلى مفردات وقضايا ترتبط بالواقع لتعبر عنه أو تفهمه أو حتى تتدخل في تغييره وتحويله، هذا الفرق مهم جدا في معرفة التدين ومحتواه الماهوي.
في الجانب الأول الذي يختلط فيه معنى الدين ومعنى التدين في ترتيب العلة والمعلول، نجد أن أكثر الباحثين يشيرون إلى حقيقة واحدة، هي حقيقة مفهوم وجود الدين لا الفكرة المجردة، فبعض الفلاسفة والمفكرين وتحديدا أصحاب النظرية المادية التأريخية يربطون وجود الدين بظاهرة التدين ربطا مباشرا كما قلنا علة وواقع، مثلا (كارل ماركس فرغم أنه لم يدرس الدين في حد ذاته وبصورة تفصيلية إلا أنه ترك أثرًا كبيرًا في هذا الميدان، متأثرًا في هذا السياق بأفكار "لودفيغ فيورباخ"، حيث اعتبر "ماركس" الدين شكلًا من الإيديولوجيا التي تخدم مصالح الفئة الحاكمة ويبرر سلوكها على حساب الآخرين، واستلابًا لهوية الإنسان واغترابًا لها) .
في حين نجد أن عملية الفصل بين الفكرة الدينية وبين الظاهرة والتي يدرسها علماء االأجتماع من خلال التركيز على دور التدين في حياة الإنسان وربطه بالأخلاق لا بفكرة الدين المجردة، هنا تمكن البعض من تجزئة مفهوم الدين وعلاقته بالتدين يالتركيز على الوظيفة الأجتماعية للتدين، (قد يكون كانط محقا فيما ذهب إليه ولكنه فيما يبدو قد قلص دائرة وظيفة الدين وقيد مجال خدمته، بحصره على الجانب الأخلاقي، إن ما يتطلع إليه المرء من ربه حتى في دائرة الأخلاق نفسها لا يقتصر على أن يجعل الخير واجبا بل هو يرجو إلى جانب ذلك عونه وتوفيقه على استدامة الصلاح و الحياة الطيبة، كما أنه يشعر بحاجته إلى الله في مجالات كثيرة أخرى تضمنها التجربة الدينية) .
في علم الأجتماع الديني يتم التركيز في دراسة ظاهرة التدين على كونها تجربة أكثر مما هي حقيقة نتداولها بذاتها ونتعامل معها بصفتها تجسيد للفكرة، وإن كانت عملية التجسيد غير واحدة ومتنوعة وقد تكون مختلفة تبعا لطبيعة الفكرة الدينية التي لا بد لها من واقع عملي، فالعبادة والتي تعتبر المظهر الأكثر بروزا وحضورا في موضوع التدين والذي يسعى لتطبيق فكرة الدين ليس إلا، ما هي من جانب أخر إلا تمثيل لحالة بقاء الوعي الإنساني في حالة صحو وتهيوء دائم لتنفيذ رغبة الله في أن يقدس.
إذا فالتدين الذي هو أختيار لفكرة الدين وأنتخابها من مجموعة معارف وتحوليها لنوع من العلاقة مع الله أو الرب أو القوة الفوقية التي لا يعرف الإنسان تحديدا ماهويتها الحسية، يحول هذا التدين إلى أجراء واقعي يعبر به عن نفسه كونه ذات أجتماعية، (فموضوع العبادة هو المجتمع نفسه الذي يسعى إلى أن يؤكد ذاته بذاته، ويرسخ شرعيته وقيمه، ومن تم تكون الآلهة هي صورة للمجتمع وليس المجتمع صورة للآلهة، من هنا تكون الديانات ليست معتقدات فحسب بل تتجاوزها لتشمل مجموعة من الأنشطة الطقوسية والاحتفالية التي يتجمع فيها المؤمنون ويلتقون سويا، لترسيخ الإحساس بالتضامن الاجتماعي) .
هذه الحقيقة أيضا موجودة في دائرة الفكر الديني الإسلامي وتتجلى كما يقول مالك بن نبي عندما يدرس العقائد والعبادات في المجتمع الإسلامي، يتوصل لحقيقة قد تبدو متشددة بعض الشيء في خصوص علاقة الدين بالتدين من خلال الإنسان الذي هو موضوع الدين والمتدين به، فيقول (العبادات هي التي تدفع الفرد على أن ينشد دائما ثواب الله قبل أن يهدف إلى تحقيق فائدة بعينها) ، فإرضاء الرب محور التعبد الأساسي وهو الذي يكشف للمتدين فهمه للدين حتى لو لم تحقق له غايات الفكرة التي تتجلى في النصوص بمحوري الحق والعدل والصلاح المجتمعي، هذه الفائدة التي يختزلها النص القرآني بآية {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16.
فالسمع والطاعة ليست مطلوبة لذاتها من الدين ولا هي مجرد أمر إلجائي بقدر ما هي طريق لرفد الحياة بالمنفعة الخاصة، وهذا النص أيضا يتكرر في آيات أخرى في أهمية أن يتخذ الفرد له دين ليكون على صلاح وإصلاح للواقع، {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }هود88، فالتدين الذي يعني خيار الإيمان بالدين والتمسك به على أنه مفتاح الرجاء على أن يعيش الإنسان واقعه بأفضل حال ، ليس فقط إرضاء للرب بقدر ما هو تحقيق نتائج خيرية للإنسان بها ومن خلالها نسترضي الرب ونفوز بالحياة.
أما الجانب الثاني والذي يعط للتدين معنى هو تمظهر الدين في الواقع وعلى أنه يمثل رؤية الإنسان لكيفية الإيمان بالدين، فهو تعريف للظاهرة وأعطائها بعدا معرفيا تجريبيا من خلال أتصاله بالمقدس لا المقدس ذاته، فهو تصور بشري عن أجابات ذاتية إنسانية لأسئلته التي كثيرا ما رددها مع نفسه محاولا البحث أولا عن أجوبه ما قد تحل له بعض إشكاليه أو تجيبه عن البعض منها ولكنها تبقى في أطار القناعة ومن فلك التجربة، لذا فظاهرة التدين تتطور مع تطور نظرة الإنسان وتتجدد مع تجدد حاجاته وإن كانت الأستجابة في الغالب بطيئة وتحتاج إلى محفززات ودلائل وتجديد في الفهم.
فليس كل مظاهر التدين من خلال الدراسات التأريخية والأجتماعية توصلت إلى حلول أو أعطت أجابات محددة ولكنها وفي ظل مفاهيم القداسة والمقدس ترسخت في الذهنية البشرية على أنها ستكون في وقت ما قادرة على ذلم، أو ممكنة بالأحتما وهذا ما يعزز وجودها ودورها في الحياة، (لقد أجاب الدين على أسئلة كثيرة طالما شغلت الإنسان وأقَضَّت مضجعه، ومع سذاجة الإجابات في بعض الديانات البدائية لا تدعو مطلقًا إلى الاستخفاف بالدين ومع ما قدمه الدين من مضمون فكري أو عرفاني فإن هذا كله لا يعبر عن مخزون الدين كله وإلا اعتبرت الفلسفة دينا) .
فمشروعية التدين إذا ليس فقط لأنها من ضمن المقدس المحترم في الروحانية الإنسانية ولكن أيضا لأنها تلعب دورا مهما في ظاهرة التمسك بالتجربة كطريق أصيل لتجديد واقع الحياة وتطويرها حسب ما يعتقد المؤمنون، والحقيقة أن بعض الفهوم المتصلة بدور التدين وخاصة في المجتمعات التي تربط مفهوم التدين بالوازع الأخلاقي نجحت بذلك كما يقول الياس تيار في تعليقه على دور التدين في المجتمعات الغربية كما رصدها فيبر، (وانتباهه إلى أن "رجال الأعمال وأصحاب الحيازات الرأسمالية، وكذا ممثلي الشرائح العليا المصنفة من اليد العاملة، وفوق ذلك الملاك التقني، والتجاري ذا الثقافة الرفيعة في المؤسسات الحديثة، هم بأغلبية كبيرة من الطائفة البروتستانتية" .
هذا لا ينفي أيضا إن أنتشار التدين وتنوعه في مجتمعات دينية أخرى لم تنجح في إحداث التغير الذي أحدثه المذهب البروستانتي في المجتمعات الغربية إلا متأخرا، ويعود السبب في ذلك ليس فقط للظاهرة التدينية ولكن لطبيعة الأديان والمذاهب وتدخلها التفصيلي في كل مناشيء الحياة الأجتماعية وصولا إلى الدقائق الصغرى، مما يعني الحاجة الأكيدة لعودة التدين إلى طبيعته المأخوذه من كونها أي ظاهرة التدين يجب أن تحصر في الجانب الروحي وفصلها عن أطر لا تحتاجها بشكل مباشر وحتمي، أي إلا من خلال تمسك المجتمع بعلمانية عقلانية تصنف العلاقات الأجتماعية والمعرفية في حدود الضرورة والواجب، من هنا أشر هذه النتيجة كما يقول الياس تيار عن رؤية "فيبر " (كيف أن المذاهب والعقائد الدينية الأخرى كانت عاملا في عدم انتشار الرأسمالية في دول مشرقية (كالصين والهند مثلا) .







اخر الافلام

.. بوركينا فاسو: كيف جاءت ردود فعل الجالية المسلمة غداة هجوم وا


.. هل اعتذرت مديرة الفندق السويسري الذي طلب من نزلائه اليهود ال


.. تنظيم -الدولة الإسلامية- يجبر الشبان في دير الزور على القتال




.. أميركا تنتقد أوضاع الحريات الدينية بالسعودية والبحرين


.. الخارجية الأمريكية تنتقد الحريات الدينية في السعودية والبحري