الحوار المتمدن - موبايل



تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1869-2019)(القسم الثاني)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 8 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1869-2019)(القسم الثاني)
2 . البرجوازية الوطنية الليبرالية : وهى البرجوازية التي تبلورت بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914 وتاسيس الدولة الحديثة وتنصيب الامير فيصل بن الحسين ملكا على العراق عام 1921 والتي استمرت قائمة بصورتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية حتى ثورة تموز 1958 وقيام الجمهورية العراقية . وكانت السمة السائدة على تلك البرجوازية هو التوجه الليبرالي والمدني في المسار السياسي , وهى نتاج تلك التحولات المفصلية التي حصلت في البلاد بعد ذلك الاحتلال والتاسيس , والتي اكتملت ملامحها العامة بعد الحرب العالمية الثانية . اذ حدث تطور كمي ونوعي في تلك المسارات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية للطبقة الوسطى , الا ان هذا لايمنع من استمرار النسق البرجوازي الكومبرادوري والعقاري الزراعي الذي تبلور في المرحلة الاولى من تطور الطبقة الوسطى في العراق , وفي الوقت الذي ضعف الاول بسب تراكم راسمال الوطني بعد تزايد الاعتماد على الزراعة وانتاج النفط عام 1925 , حصل تطور هائل وكبير في البرجوازية العقارية والزراعية بعد صدور قانون اللزمة والتسوية عام 1932 الذي كان من اهم نتائجة تسجيل الاراضي الزراعية للعشيرة باسم الشيوخ المتنفذين والمقربين من السلطات الحاكمة وحصول الولادة الثانية لما يعرف بالاقطاع في العراق (بعد الولادة الاولى التي بدات عام 1869) . واما سمة الوطنية التي تلازمت مع هذه البرجوازية فان الامر لايعدو ان يكون مصادفة تاريخية , لان مفهوم الوطنية في العراق لم يتبلور في الاصل الا بفضل الاحتلال البريطاني التي اسست للوعي السياسي الحديث في البلاد , (وقد فصلنا ذلك في دراستنا تطور مفهوم الوطنية في العراق - القسم الاول) اومتلازمة وظيفية تمثلت برغبة هذه البرجوازية بالحفاظ على مكتسباتها ومصالحها من خلال الحماية التجارية التي تقوم بها الدولة لمشاريعها الاقتصادية من التنافس الاجنبي .
مرت التجربة السياسية الليبرالية في العراق الملكي باربعة مراحل انعكست بصورة او باخرى على تكوين البرجوازية العراقية وتمددها وقوتها وهى :
المرحلة الاولى (التاسيس) : وامتدت من تنصيب الامير فيصل بن الحسين ملكا على العراق في اب 1921 حتى وفاته في اذار 1933 حيث شهدت البلاد حراكا سياسيا ملفتا للنظر من حيث بناء مؤسسات الدولة واقرار الدستور العراقي وحرية الصحافة وتاسيس الاحزاب السياسية والعلاقة المتوازنة مع سلطات الانتداب البريطاني , انعكس ايجابا على الطبقة الوسطى ونموها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي .
المرحلة الثانية (النكوص) : وانحصرت بين عامي 1933-1945 وتميزت بحالة من التراجع في الممارسة الديمقراطية والغاء الحياة الحزبية وتقييد حرية الصحافة والصراع على السلطة بين القوى الفاعلة والنخبة الحاكمة والاحزاب السياسية ، فضلا عن تصاعد انشطة التوجهات القومية والفاشية في البلاد ، تطور الى قيام اول انقلاب عسكري في الشرق الاوسط عام 1936 ، مع حالات من تدخل الجيش بالسياسة من خلال القيام بدعم بعض الحكومات اواسقاطها ، الذي انتهى باعلان حركة مايس (ايار) الانقلابية عام 1941 والمواجهة المسلحة مع بريطانيا ، ومن ثم الاحتلال الثاني للعراق . وقد كان لهذه المرحلة تاثير سلبي على الطبقة الوسطى بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي اولا , وتاثير الازمة الاقتصادية العالمية التي ضربت الدول الغربية الراسمالية – وخاصة بريطانيا - ثانيا .
المرحلة الثالثة (الانبعاث) : وتبلورت بين عامي 1945 – 1954 والتي شهدت انبعاث الحياة الحزبية واطلاق الحريات النسبية في الصحافة والتجمع والرغبة الحكومية في الاصلاح السياسي من خلال اشراك المكونات الاجتماعية في السلطتين التشريعية والتنفيذية , رغم معارضة النخب السياسية التقليدية القابضة على مقاليد السلطة في البلاد . وقد حصل تطور هائل وكبير في المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للطبقة الوسطى في العراق , بسبب الاستقرار السياسي الدولي وتزايد عائدات الدولة المالية بعد اقرار قانون مناصفة توزيع ارباح شركات النفط في البلاد عام 1952 .
المرحلة الرابعة (التلاشي): وشغلت الفترة ما بين 1954-1958حيث شهدت الممارسة الديمقراطية والقيم الليبرالية في البلاد حالة من النكوص والتراجع بعد صدور مراسيم 1954 من قبل وزارة نوري السعيد الثانية عشر ، واهمها مرسوم رقم (19) الذي الغى الحياة الحزبية بالكامل وحظر النوادي والجمعيات والاحزاب السياسية والدينية والاجتماعية . ومرسوم رقم (2) الذي الغى الامتيازات الخاصة للصحف والمجلات بحجة اشاعة الفوضى والفتن في البلاد، ومرسوم رقم (25) الذي اكد عدم مشروعية التجمع والتظاهر, وغيرها من الاعمال التي زادت من عملية الاحتقان السياسي في البلاد ، انعكست بصورة واضحة في الاضطرابات التي اعقبت ازمة السويس عام 1956 ومن ثم تاسيس جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، التي مهدت الى قيام ثورة تموز 1958 واسقاط النظام الملكي في العراق . وقد فضلت الطبقة الوسطى في هذه المرحلة الرفاه الاقتصادي على الحريات العامة والتعددية السياسية , مماادى الى استغلال العسكر لحالة السلبية والخمول والاحتقان والقيام بالسيطرة على مقاليد الحكم , ودخلت الطبقة الوسطى بعد ذلك طورا جديدا ومنعطفا خطيرا من الاستهداف والاتهام بالعمالة والتبعية للاجنبي , والاحتساب على العهد الملكي شبة الليبرالي الذي كان يوصف من قبل الفئة العسكرية الحاكمة بالرجعية .
لقد شكلت سنوات الحرب العالمية الاولى (1914-1918) ومرحلة الادارة البريطانية المباشرة للعراق (1918-1920) وفترة الانتداب او الوصاية (1920-1932) مرحلة متميزة وحاسمة في ارتباط العراق بالسوق الراسمالية العالمية ولاسيما بريطانيا ومستعمرتها , فلغاية عام 1927 تضاعفت قيمة واردت العراق من تلك البلدان قياسا بوارداته عام 1913 ويكفي ان نعرف ان ان الاقطار المجاورة لعراق كانت تزود اسواقه باقل من 15%من احتياجاته مقابل اكثر من 85% من البلدان الراسمالية خلال الفترة الواقعة بين عامي 1925- 1932 . ويذكر الكاتب سليم الوردي ان العراق وعلى خلاف دول الخليج العربية لم يولد من رحم الايراد النفطي , وانما قامت الدولة العراقية الحديثة التي تاسست عام 1921 على اساس الثروة الزراعية . فقد حققت المحاصيل الزراعية والثروات الحيوانية للسنوات 1921-1951 فوائض كبيرة صدرت لخارج البلاد كما في البيانات ادناه :
1 . اصبح العراق المصدر الاول للتمور في العالم من 949 الف دينار الى 6701 الف دينار .
2 . تصدير الحنطة من 231 الف دينار الى 1631 الف دينار
3 . تصدير الشعير من 668 الف دينار الى 4719 الف دينار .
4 . شهدت صادرات المنتوجات الحيوانية زيادة كبيرة من 731 الف دينار الى 5095 الف دينار .
وكان اهم مايميز العقود الثلاث من العهد الملكي هو اعتماد الحكومة في تمويلها على القطاعات الاقتصادية غير النفطية ممثلة بالايرادات الضريبية التي شكلت نسبة 91%من ايرادات الموازنة لسنة 1951 مقابل 9% تقريبا من الايرادات النفطية , الا انه وبعد اتفاق منافصة الارباح بين الحكومة العراقية وشركات النفط عام 1952 اصبحت الايرادات النفطية تدر اموالا كبيرة وظاهرة للموازنة . فقد حقق انتاج النفط فوائض مالية من ستة مليون دينار عام 1950 الى تسعين مليون دينار عام 1958 استثمرتها الدولة انذاك تاسيس مجلس الاعمار الذي اخذ يقوم بمشاريع انشائية وتنموية كبيرة في البنية التحتية للبلاد .
ومن الجدير بالذكر ان عناصر متعددة من شرائح الطبقة الوسطى كان لها موقع في تشكيلة الحكم الملكي , ويقدر حنا بطاطو مشاركتها في الوزارات بنسبة 26%وهى نسبة تقترب من وزن الطبقة الوطى في المجتمع العراقي وقتذاك , بينما شكلت رموز الطبقة العليا نسبة 52% والباقي ابناء شرائح ادنى . كما ان اغلب رجالات الدولة في العهد الملكي كانوا ينحدرون من العاصمة بغداد . فمن مجموع 58 رئيسا للوزراء (متسلم المنصب حتى بالتكرار) كان 38 من العاصمة بغداد مقابل 13 من الموصل و4 من البصرة وواحد من الناصرية واربيل والحلة . بمعنى ان المنحدرين من العاصمة بغداد كانوا يشكلون 65% من مجموع رؤساء الوزراء في العهد الملكي , وهذا الامر ليس بالمستغرب فالعاصمة بغداد هى مهد البرجوازية العراقية ومقرها الاساس , وهذا الامتياز الخاص للعاصمة سوف لايستمر طويلا , حيث سنشهد فيما بعد تحولا نحو سيطرة وهيمنة قوى الريف في المنطقة الغربية وهيمنتها على مقاليد السلطة بعد ثورة تموز 1958 وانقلاب شباط 1963 , حتى نسب القول لرئيس الوزراء السابق في العهد الملكي عبد الوهاب مرجان في وصف تلك الثورة (بانها ثورة الريف على المدينة) .
تميزت هذه المرحلة بظهور نمط جديد من البرجوازية الليبرالية لم تظهر سابقا خلال العهد العثماني وهى البرجوازية الراسمالية الكبيرة . فقد ظهر خلالها صناعيون ومصرفيون وعقاريون تجاوزت املاكهم واموالهم المليون دينار عام 1958 , وهو بالطبع مبلغا ضخما جدا في ذلك الزمان الذي كان راتب المعلم لايصل في اول تعينه العشرين دينارا . وقد ذكر حنا بطاطو في كتابه الاول (العراق) اسمائهم ومذاهبهم وخلفياتهم الاجتماعية والاثنية واملاكهم واصولهم المالية بالتفصيل وهم : عائلة ال فتاح باشا (عرب سنة) (مؤسس اول معمل بالراسمال الوطني في البلاد سنة 1926) وعائلة عبد الهادي الجلبي (عرب شيعة) وسيمون غريبان (ارمنية مسيحية) وعائلة الدامرجي (عرب شيعة) وعائلة الخضيري (عرب سنة) وعائلة ال مرجان (عرب شيعة) وعائلة الصابونجي (عرب سنة) وعبد الله لطفي (اكراد سنة) والحاج هاشم يونس (عرب سنة) والحاج صالح ابراهيم (اتراك سنة) واسكندر استيفان مركريان (ارمني مسيحي) وميخائيل حنا الشيخ (عربي مسيحي) وخضوري وعزرا لاوي (يهودي) وعبد العزيز البغدادي (عرب شيعة) وبحوشي (عربي مسيحي) وال حسو (عرب مسيحيون) وعبد الجبار محمود (عرب سنة) وعبد الحسين حديد (عرب سنة) وعبد الامير الصراف (فارسي شيعي) وعفيفة الباججي (عربية سنية) وحافظ القاضي (عربي سني) (ويقال كردي فيلي) وعبد النبي الدهوي (عربي شيعي) وال مكية (عرب شيعة) .
وتميزت هذه المرحلة ايضا بتزايد اعداد البرجوازية العقارية التي وصلت مساحات املاكها الى ارقام خيالية وكبيرة جدا , بسبب القوانين الرسمية التي اصدرتها الحكومة والتي صبت في مجملها لصالح الشيوخ المتنفذين على حساب الفلاحين ، واهمها حزمة القوانين قدمت باقتراح من قبل الخبير البريطاني ارنست داوسن A.Dowson الذي قدم تقريره عام 1931 حول مشكلة الاراضي الزراعية في العراق وهي (قانون تسوية حقوق الاراضي رقم 50 لسنة 1932 وقانون اللزمة رقم 51 لسنة 1932 وقانون الحقوق وواجبات الزراع رقم 28 لسنة 1933) التي اعطت الحق القانوني للشيوخ بالاستيلاء على الاراضي التي كانت ملكا مشاعا للعشيرة وتسجيلها باسمائهم ، واعتبار الدين على ذمة الفلاح والسركال لمالك الارض او الشيخ دينا ممتازا يجب عليه ان يسدد قبل الانتقال الى مزارع اخرى والعمل فيها , وكان من نتائج تلك القوانين افراز ظاهرتين :
الاولى : تقدم علاقات الملكية الزراعية والتجارية على حساب علاقات القرابة والنسب ، فاصبحت الملكية اساس الترتيب الاجتماعي والتقييم وليس الانساق العشائرية المتعارف عليها سابقا .
الثانية : تحويل مالكي الاراضي (الشيوخ) الى طبقة اقطاعية ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية مع اثرياء وتجار المدن وكبار موظفي الدولة . وهكذا اصبح مالاقل عن( 32 ) مليون دونم من الاراضي الزرعية في عام 1958 في ايدي الخاصة من النخبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية , فيما بلغت نسبة الفلاحين الذين لا يملكون ارضا حوالي (80%) من مجموع المشتغلين في الزراعة في اواخر العهد الملكي بحسب احصائيات غير رسمية .
وقد عد اصدار هذه القوانين التي صبت كلها في مصلحة شيوخ القبائل ، بداية الاقطاع او النظام شبه الاقطاعي في العراق ، لان العلاقة بين الفلاح وشيخ العشيرة او القبيلة كانت قبل عام 1932 تعتمد النسق القرابي ، فيما اصبحت بعد هذا التاريخ تعتمد النسق الاقتصادي والتجاري ، اذ لم يعد الشيخ بحاجة الى وجود الفلاح المحارب كما هو السائد في العهد العثماني , لانتفاء الحاجة اليه بفضل قيام الدولة العراقية ومؤسساتها العسكرية والامنية , وتلاشي الحروب والصراعات بين القبائل والعشائر . وكان الدكتور علي الوردي سبق وانكر وجود الاقطاع في العراق ، على اعتبار ان النظام الاجتماعي السائد في البلاد هو النظام العشائري الابوي ، الا انه استدرك مؤكدا تاييده لراي المنظر الماركسي ابراهيم كبة الذي اعلن تحول النظام الاجتماعي العشائري في العراق بعد اصدار قوانين التسوية واللزمة عام 1932 الى النظام الاقطاعي او شبه الاقطاعي ، وهذا التحول ادى الى تردي كبير في احوال الفلاحين اكثر مما هو عليه الحال في ايام الدولة العثمانية عندما كان قسما كبيرا من الدخل الزراعي يوزع بشكل اقرب للعدالة على افراد العشيرة .
ومن خلال ذلك نخرج بحصيلة ان الاقطاع في العراق تاسس من خلال قرارات سياسية حكومية فوقية وليس كتطور تاريخي او تحول اجتماعي . فالتاسيس الاول كان عام 1869 بقرار من الوالي العثماني مدحت باشا , ويمكن تسميته بالاقطاع السني والمسيحي واليهودي , لان اغلبية الملاكين المستفدين من تملك تلك الاراضي الزراعية الخصبة - ولاسيما في الجنوب - من اتباع هذه الفئات الاجتماعية الدينية والمذهبية امثال ال سعدون وال مناحيم دانيال وال نعوم سركيس , ولم يكن للشيعة دور كبير او واضح في هذا الاقطاع , بسبب سياسة التهميش التي كانت تقوم بها الدولة العثمانية ضدهم . والتاسيس الثاني للاقطاع كان بعد قوانين اللزمة والتسوية التي اصدرتها الحكومة الملكية عام 1932, وهو اوسع الاقطاع مساحة وتمددا , اذا استطاع استزراع والسيطرة على اكثر من ثلاث اضعاف الاراضي المزروعة قبل الحرب العالمية الاولى , ويمكن تسميته بالاقطاع الشيعي , لان اغلبية الملاكين الكبار كانوا من شيوخ العشائر الشيعة , حيث وجدنا ان من اصل سبعة من كبار الملاكين والتجار الذين يملكون اكثر من 100 الف دونم في البلاد هم من الشيعة وهم : محمد الحبيب الامير (شيخ ربيعة في الكوت) وبلاسم محمد الياسين (شيخ مياح في الحي) وعلي الحبيب الامير (احد شيوخ ربيعة في الكوت) وحسن الخيون القصاب (شيخ عشيرة السراي) ونايف الجريان (شيخ البو سلطان في الحلة) وعبد الهادي الجلبي (تاجر بغدادي) . واما موحان الخير الله شيخ عشيرة الشولات في الرفاعي , فقد كان يملك مايقارب الستين الف دونم فقط من الاراضي الزراعية عام 1919 , قفزت ملكيته بفضل تلك القوانيين الى مايقارب المليون دونم عام 1949 , فضلا عن ذلك ان هناك عوائل اخرى تملك اكثر من (100) الف دونم وهى : ال الجاف من السادة الكورد والياور من شمر والفرحان من شمر والسعدون من السنة والسيد رستم السيد حيدر من الكاكائية والعائلة المالكة او الحاكمة والطالبانية من المتصوفة الكورد وال سهيل نجم من التميم والبو طبيخ من السادة الشيعة وال مكوطر من السادة الغوالب الشيعة وال الخضيري من السنة العرب . وفي الوقت الذي استمر الاقطاع الاول مايقارب التسعين عاما (1869-1958) اقتصر الاقطاع الثاني والموسع على فترة زمنية تقارب الخمسة وعشرين عاما فقط (1932-1958) وهى فترة ليست بالطويلة جدا حتى تؤسس انماطا اجتماعية وسيكولوجية خاصة بالمجتمع الشيعي بالقياس الى الاقطاع الاول .
ومن اجل ذلك قال حنا بطاطو ان كبار ملاكي الاراضي كانوا في العشرينات والثلاثينات مازالوا يشكلون اكثر من (جنين طبقة) او (طبقة بذاتها) او (مجرد قاعدة محتملة لعمل مشترك) كما يقول ماكس فيبر , واما في الاربعينات والخمسينات فقد تحول هؤلاء وبشكل لايدعو الى الشك الى (طبقة لذاتها) اي الى مجموعة مميزة وواعية لذاتها سياسيا , الا ان تلك الطبقة الوسطى البرجوازية لم تستطع ان تعمل لذاتها , او لم تكن تدير اللعبة وفق شروطها , لانها كانت منقسمة اجتماعيا واقتصاديا , فسبق ان ذكرنا في القسم الاول من هذه الدراسة ان الطبقة الوسطى البرجوازية في اي مجتمع تقريبا تنقسم الى ثلاث اقسام (الصغرى والوسطى والكبرى) هو السبب الذي يجعل هناك تباينا في الاراء والتوجهات الفكرية والايديولوجية عند هذه الطبقة , فخلال فترة العهد الملكي تمظهرت الطبقة الوسطى الكبرى في جماعة الاهالي التي اسسها عبد الفتاح ابراهيم ومحمد حديد وحسين جميل والحزب الوطني الديمقراطي صاحب التوجهات الليبرالية الذي تزعمه كامل الجادرجي وحزب الاستقلال القومي الذي يتزعمه محمد مهدي كبة , والتي كانت تفضل العمل السياسي العلني والمطالبات الديمقراطية والاصلاحية التدريجية على حساب التوجهات الانقلابية والثورية , فيما تمظهرت الصورة السياسية للبرجوازية الوسطى بالجيش والتنظيمات العسكرية السرية التي حسمت خياراتها بالانقلابات العسكرية كحل للاشكالات المستعصية في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كان يعاني منها المجتمع العراقي , ومن اجل البحث عن دور اساسي فاعل في الحكومة والدولة سيما بعد الثورة المصرية عام 1952 التي عززت هذا الامل وذلك الطموح , واما الطبقة الوسطى الصغيرة فقد تمظهرت من خلال الاحزاب السرية والتوجهات الثورية كما في صورة الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث وحركة القوميين العرب . لذا فان الكلام حول ان الطبقة الوسطى او البرجوازية العراقية كانت قد وقفت موقفا معاديا للنظام الملكي , وانها حسمت امرها باسقاطه واعلان الجمهورية , انما هو كلام غير صحيح بالمطلق , لان البرجوازية الراسمالية والعليا وكثير من الشرائح الوسطى من هذه الطبقة كانت مع النظام السياسي , وان الشرائح الدنيا ذات الاصول الريفية فقط بالتحالف مع بعض الفئات من هذه الطبقة هى من وقفت ضده , ليس لااسباب موضوعية او اصلاحية , وانما لااسباب سياسية وايديولوجية او الرغبة بتحقيق الامتيازات لنفسها والسيطرة على مقاليد الحكم والنفوذ والهيمنة .
في الواقع يمكن وصف الملكي الحاكم في العراق بالاوليغاركي (Oligarchy) (الاقلية او النخبة الحاكمة) الذي تديره طبقة رجال الاعمال البرجوازيين الذين هيمنوا على جانب واسع من القطاع الاقتصادي والسلطة السياسية , رغم وجود بعض العناصر السياسية من الذين لايمتلكون اي اراضي زراعية كبيرة امثال نوري السعيد محمد فاضل الجمالي واحمد بابان وغيرهم . ويذكر الدكتور عامر حسن فياض ان الدولة العراقية الجديدة عندما تاسست عام 1921 وتم فرض النظم الديمقراطي الليبرالي عليها من قبل الانكليز , فانها وجدت لها قاعدة في هاتين الفئتين (البرجوازية العقارية والبرجوازية التجارية) وهذا هو سر القوة السياسية للعقاريين والكومبرادور التجاري . كما ان النظام السياسي العراقي شبة الديمقراطي مبني على الاقتصاد الحر اثناء العقود الاولى من تاسيس الدولة العراقية , مما ادى الى تبلور تلك الطبقة البرجوازية الراسمالية الكبيرة , ولكن بعد الحرب العالمية الثانية اخذ اقتصاد العراق يتطور ويقترب من من نظام جون م . كينز (John M.Keynes) الذي يرتكز على تعاون القطاعين العام والخاص بشكل متكامل .
لقد كانت السمة الواضحة اثناء الحكم المكي هو التطور السريع والعميق في البنية الاجتماعية , خصوصا نمو الطبقة الوسطى واتساعها لتشمل اجيالا وشرائح جديدة من الطبقة العليا الغنية والطبقات الدنيا الفقيرة , وكان ثمة عاملان اساسيان لهذا التطور هما : انتشار التعليم وافتتاح الكليات الانسانية والعلمية وارسال البعثات الدراسية الى خارج البلاد وتزايد ملحوظ في عدد خريجي المدارس العراقية , ففي عام 1913 كان هناك (160) مدرسة ابتدائية تضم (6000) طالبا , ارتفع العدد في عام 1920 الى (184) مدرسة تضم (67370) طالبا . اما المدارس الثانوية فكان عددها خلال عام 1923 اربعة مدارس فقط تضم (233) طالبا , ارتفع عددها عام 1930 الى (15) مدرسة تضم (1863) طالبا . والامر الثاني هو الانفتاح الاقتصادي الشامل على جميع الميادين وحرية الاستيراد والتصدر والتعاون مع الوكالات التجارية في الدول الغربية . وقد تبلور ذلك من خلال نتائج عدة ساهمت في ترسيخ الطبقة الوسطى وتطورها اهمها :
1 . رفع مستوى الدخل الفردي وتحسين مستوى المعيشة وزيادة الدخل القومي وتوسيع الخدمات العامة .
2 . استغلال موارد البلاد الاقتصادية وتهيئة الكوادر الكفوءة من العراقيين والاستعانة بالخبراء الاجانب في التخطيط او تنفيذ المشاريع الحكومية والبنية التحتية .
3 . اقامة مجتمع علماني ليبرالي متقدم . اذ تميزت هذه المرحلة من البرجوازية العراقية بانتشار القيم والمفاهيم العلمانية وتبنيها على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي .
4 . تصاعد الوعي السياسي بصورة كبيرة جدا في المجتمع العراقي . تمظهر ذلك من خلال تاسيس الاحزاب السياسية بتوجهاتها الماركسية والقومية والليبرالية وحتى الاسلامية , فضلا عن المشاركة السياسية التي تبلورت من خلال التظاهرات والاعتصامات وغيرها .
الا انه في المجمل يمكن القول ان الانجازات والتطورات الاقتصادية والتعلمية والاجتماعية التي حصلت في العهد الملكي والتي ادت الى بلورة البرجوازية العراقية الوطنية والليبرالية بصورة اكبر , كانت لها النصيب الاكبر والسبب الاساس في اسقاط هذا العهد امام قوى الريف البدائية , واعادة انتاج برجوازية جديدة مختلفة كليا عن النمط الحالي الذي ذكرناه , كما ان هناك عاملا اخر ساهم في ضعف البرجوازية العراقية خلال هذه المرحلة , وهى قلة عددها بالقياس الى نسبة السكان المدنيين انذاك , فقد وصلت الى 28% من مجموع السكان الحضريين البالغ عدهم 2,6 مليون نسمة عام 1958 . الامر الذي لم يوفر او يؤسس قاعدة وركيزة صلدة للحماية والتخندق ضد القوى الجديدة التي اخذت بالتشكل , من الطلبة والشباب الذين قدموا من الريف الى المدينة , وانضموا بقدر قادر الى الطبقة الوسطى بعد تعيينهم كموظفين وادارين في وزارات الدولة المختلفة .







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | مقتل 13 شخصًا وإصابة آخرين بهجمات انتحارية نس


.. أخبار عالمية | #ترامب: مستعدون لحرب مع #كوريا_الشمالية لدرجة


.. طائرة معطلة تتحول إلى متحف فريد!




.. الملك عبد الله الثاني يستقبل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبا


.. حرائق غابات في جزيرة كورسيكا الفرنسية