الحوار المتمدن - موبايل



الحلم

صيقع سيف الإسلام

2017 / 8 / 3
الادب والفن



الآن أعيش في عالم محكوم بنظرة هيوم للسببية ، يمكن للمرء بسهولة أن يستنتج أنني أعيش حلما مجردا ، لكنه حلم يوشك أن يتاخم حدود الواقع ، فلا يكاد المرء يميز ذلك لقوة الأحداث ، حتى يغفل الذكي عن فكرة أن يقرص جلده أو يقطع عن نفسه التنفس ، واضعا للكابوس المعيش حدا فاصلا ، فبماذا حلمت؟:
أقف وحيدا في غرفة كبيرة جدا ، جدرانها متشابهة ، لا يقدر المرء أن يميز الشمال عن اليمين لولا تلك الأبواب . . . في الجدار الأمامي أربعة أبواب مقفلة بقفل من نور ، شيء يشبه الأساور التي تضعها الفتيات الصغيرات ، لكنه لامع لمعانا شديدا . في البداية انتابتني نوبات رعب مستمرة، خائفا مما سيحدث لي ، لكني ولاحقا بعد أن حاولت أخذ نفس عميق ، مرددا بعض الأدعية التي أحفظها ، مقنعا نفسي أن سجل الذنوب الخاص بي شيء قريب من التواضع ، فليس عندي هاجس أخاف الالتقاء معه أو ارتقب الانتقام من طرفه ، ساعدتني أيضا تلك الأقفال النورانية ، باعثة في نفسي الاطمئنان و الهدوء ، هناك حاولت الإقتراب منها لعلي أفتح تلك الأبواب وأكتشف ما يوجد خلفها ، إلا أن شيئا ما كان يمنعني من التحرك . كنت قادرا على تحريك أطرافي بل جسدي كاملا في موضعه ، أما تغيير موضعي في تلك الغرفة فهذا مما عجزت دونه ، و كم أكثرت من الإلتفات انتظارا مني لحادث يكون ، وقد جاء انتظاري بأمر غريب ، ذلك أن الباب الأول من بين الأربعة فتح وقد خرج منه صوت يقول :« هل تؤمن بالله؟» ، وتحت تأثير الدهشة ، تداركت الموقف سعيا في اطلاق مختلف أنواع العبارات :« أين انا ؟» ، « ساعدني ...» . . . الخ . . . لكن صوتي كان منطفئا ، لا يصدر عني أي نطق ، فلم يكن في مقدروي الرد على السؤال إلا بالإيجاب أو السلب ، دون القدرة على تهجئة أي عبارة ثانية خارجة عن هاذين الاحتمالين ، ثم بعد سعي مستفيض جاء جوابي النهائي بــ« ..نعم..أنا اؤمن بالله » . . . حينذاك سمعت صوتا يجيبني من داخل الباب : « أنت كاذب» .

مع الباب الأول : المعرفة

بعد عبارة « أنت كاذب » ، صارت الكتب المختلفة تطير من داخل الباب متجهة نحوي ، تتساقط عند قدمي ، كان عددها كبيرا جدا ، بعضها كان ضخما و هائل الصحائف ، ثم حين انتهاء مرور الكتب ، عاد الباب لينغلق من جديد ، وكما يعلم المرء الأشياء ساعة الحلم معرفة فطرية من غير تخابر أو تواصل ، فقط معرفة داخلية يحس بها الإنسان في صدره ، أنا أيضا علمت بمحض تلك المهارة في الحلم ، أنه يلزمني دراسة هذه المؤلفات كخطوة أجد من ورائها سر نزع القفل لهذا الباب ، ربما على الأقل ، وبسرعة رمقت الكتب بباصرتي ، أقلب في اسماء مؤلفيها وفي عناوينها ، فأما الاسماء ، فقد كان منها : هوميروس ، أبقراط ، أحمد بن حنبل ، رينيه ديكارت ، موسى ابن ميمون ، تشالرز داروين ، ديفيد هيوم ، غارسيا ماركيز ، فيدور دستويفسكي ، ليون تولستوي ، ابن رشد ، هيباتيا ، أفلوطين ، ابو البركات ابن ملكا ، دانتي ألغييري ، ليوناردو دافنشي ، باقر الصدر ، سانتي رفائيل ، موزات ، بيتهوفن ، سيباستيان باخ ، كارل ماركس ، آدم سميث ، ، ماري كوري ، ايملي دوشاتليه، جين أوستن ، كارين أرمسترونغ ...الخ الخ ... ومع كل مؤلف ما يناسبه من الكتب التي جرت على يده ، وللوهلة الأولى خطر لي خاطر باستحالة التعامل مع كل هذه الكتب ، حتى يئست من نفسي ، بقيت على هذا الحال ، حال المراقبة و الترقب مدة من الزمن ، ثم لفرط الملل و الكسل ، لم يكن هناك من بديل سوى الاستغراق في البحث و الدراسة ، حينذاك بدأت مع المصغرات ، حتى ألج في حالة من النشوة والنشاط الزائد ، تحفيزا مني لنفسي ، مصغرات ككتاب الأمير لمكيافللي ، الإنسان الصرصار لدستويفسكي ، السياسة الشرعية لابن تيمية ، الحس العام لتوماس بين ...الخ الخ ...وقد فاجأتني هذه البداية بملاحظات : أولها : أن جميع الكتب أتت بلغة واحدة موحدة ، لا كأي من لغات العالم ، لغة مستحدثة تماما ، ثانيها : قدرتي على فهم هذه اللغة المستحدثة من دون عناء يذكر ، أو مشقة في التقاط المعاني حتى ، كنت سأشبهها بشرب الماء ، لكنها أسهل بكثير من شرب الماء ، نعم . ثالثها : أن الكتاب المحمول بين يدي ، لم يكن ليطير من عندي أو ينغلق من ذاته ، حيث يبقى مفتوحا طيلة الوقت ، قلت الكتاب المحمول بين يدي لم يكن لينغلق او يطير إلا اذا فهمته فهما عميقا ، مدركا تمام الادراك للرسالة التي يحملها و المغزى الذي ينبه إليه ، و قد وصلت لهذه النتيجة ، بعد معاينتي لكبار الكتب ، فلم يطر كتاب الإخوة كارامازوف إلا بعد مرور خمس سنين ، و لم ينغلق كتاب مفاتيح الغيب للرازي إلا بعد مرور اثنا عشر عاما ، هكذا استمر الحال مع بقية الكتب الدسمة جدا ، درء تعارض العقل و النقل عشر سنين ، الوجودية والعدم لسارتر أربع سنوات ، قصة الحضارة لول ديورانت خمس عشرة سنة ...الخ الخ .
و لأن القوانين الطبيعية في الحلم لا نفع منها ، حتى مبدأ العطالة ، حيث كنت أعيش قرونا من الزمن من غير تغير في حقيقتي العضوية، أما حقيقتي النفسية فكانت تنمو بما يشبه نمو الشجيرة الصغيرة وسط الغابة الكثيفة ، فصحيح أن فهمي لمسألة الحرية استغرق أشهرا ، وصحيح أن محاولة التوفيق بين المنطق العقلي و منطق فيزياء الكم ، أخذت مني سنوات ، فما أعسر الاعتقاد بإمكانية الالكترون احتلال موقعين في زمن واحد ، حتى معادلات ماكسويل الأربع نالت مني جهدا برغم جماليتها ، وصحيح مقدار وعورة الفهم العميق للكتب المقدسة : العهدين القديم و الجديد ثم القرآن ، هذه الثلاثة كانت هي الأصعب من بين الجميع ، ولعل أمرا أساسيا أعانني : هو القراءات السابقة من الكتب ، الذي كان كفيلا بإعطائي نفحة من التعمق و نسمة من الغوص في المعاني التي تحملها تلكم الصفحات . كل هذا و مع كل معرفة جديدة ، كانت تنمو نفسيتي و تنضج أكثر ، ثم أنتقل ببطء من مكاني ، فأقترب بضعة خطوات نحو الأبواب الأربعة ، و مع كل خطوة أقترب بها ، تقترب كذلك الأبواب الأربعة من بعضها ، مقلصة الفراغ الفارق بينها .
لا شك أن كلمة « طويل جدا » لا تكفي في وصف الزمن الذي استغرقني في متابعة هذه المصنفات ، بل لعل اضافة « جدا » أخرى لا تنفع أيضا ، إلا أنه حين انتهائي ، وكم يصعب تخيل هذه النهاية إذا كنا خارج الحلم ، قلت حين انتهائي ، تبدد القفل النوراني ، حيث صار الباب الأول مفتوحا ، وبرغم ذلك كنت عاجزا عن الحراك من موضعي ، على أن قدرتي في استعمال أطرافي متاحة.
هناك صدر الصوت مرة أخرى يسائلني :« هل تؤمن بالله ؟» ..أجبت واثقا هذه المرة :« نعم..نعم..أؤمن بالله»...يرد الصوت منكرا :« أنت كاذب »

مع الباب الثاني : السفر
بعد عبارة « أنت كاذب » ، فتح الباب الثاني وقد كان عبارة عن لوحة فنية ، تمثل منظرا طبيعيا من : الشمس ،البيوت،الجبال،الأشجار،الأطفال،الحيوانات،الناس... الخ الخ ، ثم بعد طرفة عين كنت أنا داخل اللوحة الفنية ، أعيش بين أولئك القوم ، أعايش تلك المناظر الطبيعية . بقيت عندهم عددا من الأعوام ، نسيت كم بالتحديد ، هناك تعلمت لغة جديدة مثيرة ، تعلمتها من خلال السماع فقط ، لتداولي مع السكان في حواراتهم ، كان صعبا في البداية ، إذ لم يفهموني ولم أفهمهم ، لكن ببعض الاشارات الجسدية ، كذا بعشقي للكلمات الغريبة و غير المألوفة . إن الأشخاص ذوي المواهب اللغوية العالية ، كثيرا ما تجدهم يملكون خاصية الحفظ للمفردات الصعبة و الغريبة النطق ، هي مهارة وموهبة امتلكتها في الحلم فقط دون واقعي ، هناك اكتشفت أنه بمقدور لغة ما أن تحدد فكرتك عن الإله ، و هو اكتشاف غريب بالنسبة لي سابقا ، لمحدوديتي . كلنا كنا ذلك الإنسان الذي اعتبر أن الكون يكبر قريته الصغيرة ببضعة مرات فقط ، الإنسان المركزي ، ثم لاحقا وحين الاصطدام ( بشعوب جديدة ، بيئات أخرى ، لغات غريبة عن سماعنا ...الخ ) يجد أن أفكاره كلها بدائية ، ولا تمثل إلا جزءا ضئيلا و كسيحا من عموم الصورة الشاملة . اذكر أني كنت محبا لفصل الربيع مبغضا للشتاء ، لكن و هناك مع أولئك السكان الجدد، في تلك المنطقة الغريبة عني ، وجدت أن فصل الشتاء ضروري ، بل وجميل جدا بطقوسه المختلفة ، فأحببت الثلج ولعبت به ، وتمرغت في أوحال المطر ، سعيدا مبتهجا ، أصابني الزكام لاحقا ، نعم ، لكن اثر ذلك غاب تماما وبسرعة ، حتى أن بعضهم سألني مستغربا عن ردودي الذكية في الشتاء فقط ، وقد كان السر في أني آخذ فترة صمت وجيزة حينما يوجه لي الحوار ، أرتب أفكاري فأختار أحسنها ، والفضل في ذلك للشتاء ببرده القارس ، دوما ما منعني البرد من فتح فمي بسرعة ، هكذا كانت إجاباتي ذكية ، ليس ذاك فقط بل تعلمت أشياء جديدة ما كانت في الكتب التي درستها من الباب الأول ، حيث قام السكان باداء مسرحية شيللر « قطاع الطرق » ، و أعطوني كلمات كارل مور في المشهد الثاني « قبلة في الشفتين وطعنة في القلب » . . . آه . . . إن هذه العبارة تخزني بذكرى معشوقتي من بنات تلك القرية الغريبة عني ، إن رفضها لي كان مبنيا على أننا من أصول مختلفة و أن لغتينا مختلفتين .
لاحقا اكتشفت أنها لم تحبني ، بل أحبت نبل نفسها وأريحية قلبها و شهامة روحها ، لا يهم فنحن في حلم فقط ، عموما كل هذا ساعدني في تكسير تلك المبادئ الزائفة و القوانين المختلقة ، المبادئ و القوانين التي صنعها مجتمعي ثم أعطاني القوة لأن أعتنقها اعتناقا لا ردة او كفر بعده . القرية الجديدة و التي عشت بين أذرعها ، كذلك كانت تملك نصيبها من المبادئ الزائفة ، أما بالنسبة لي ولكوني رايت المجتمعين ، أدركت يقينا أن تلك المبادئ محلية مختلقة ، لا عصمة لها ، وقد كنت سابقا_ كما يكون كل من لم يعش في مجتمع جديد _مؤمنا بالقطع حول تلكم القوانين الأخلاقية و الفكرية ، وليدة مجتمعي ، ثم بعد فهمي لهذه الحقيقة ، تغير منظوري للعالم ، صرت أعامل الآخرين معاملة الأطفال ، برحمة عظيمة ، أعتقد أن مفهوم الرحمة كبر عندي وانا أرعى الماشية في براري تلك القرية ، أعزف بمزمار صغير ، أداعب صوف النعاج ، في صمت تام ، وسكينة تقهر الكون ، هناك وفي براري تلك القرية أحببت بل همت هياما بالليل ، بعد بغضي الشديد له ، هو شعور بوكوفسكي حينما قال :« العتمة في حجرتي كانت كضوء الشمس بالنسبة إلي » .
لازلت أجهل عدد السنين التي بقيتها في ذلك المجتمع الغريب عني ، لكن وبعد أن أحببت الشتاء بدل كرهي السابق له ، وبعد أن تعلمت لغة جديدة بدل سطحيتي السابقة ، وبعد أن عشت الحب بدل عزلتي السابقة ، وبعد ان عشقت الليل و أنصت للصمت و فتحت جناني للسكينة بدل اقتصاري على الشمس و الكلام السابقين ، هي تلك الاشياء التي لا نجدها في الكتب ... بعد كل هذا اختفت اللوحة الفنية ، وعدت إلى مكاني في مقابل الأبواب الأربعة ، إلا أنني تقدمت خطوات اضافية نحوها ، كذا الفراغ بين الابواب تقلص مزيد تقلص ، ومن جديد سمعت صوتا صادرا من الباب الثاني يقول : « هل تؤمن بالله ؟» ..ففكرت للحظة و قررت أن أجيب كاذبا هذه المرة بأن أقول :« لا لست مؤمنا ، لست مؤمنا »...أجاب الصوت :«أنت كاذب »... هنا بلغ استغرابي أوجه ...كيف لست مؤمنا بالله و لست لست مؤمنا بالله ؟؟؟.

مع الباب الثالث : المعاناة

إن قدرة الإنسان على تذكر مواقف البؤس و الشقاء في حياته تسبق بكثير قدرته على تذكر مواقف الفرح و البهجة ، كقدرة اللسان على تمييز الحموضة أضعاف قدرته على تمييز الحلاوة ، وبتعبير تولستوي أن العائلات تتشابه في أساليب السعادة ، أما التعاسة فلكل عائلة طرقها الخاصة . . . تأتي المعاناة في أشكال مختلفة ، ثم تلك الأشكال ليست إلا ترجمة عن معنى واحد هو الحرمان ، الحرمان من رؤية حبيب أو قريب ، يؤلمك فقدانه اذا سافر فكيف اذا غادر الحياة ، أو حرمان من تحقيق أحلامك وبلوغ الغايات التي دوما ما سعيت لها و لاحقتها ملاحقة الصياد للفريسة ، فإذا بها تهرب عنك و توسع الفارق بينك وبينها . إنني عاينت في ذلك الحلم كلا نوعي المعاناة ، بدءا بفقدان أحد اقرب الناس إلى قلبي ، لن أخبركم من هو ، يكفي أن تعلموا أنه قد مات و انتقل إلى حياة أخرى ، إن كانت هناك حياة أخرى ، ولم يبقى من ورائه إلا الم الفراق ولوعة الخسران ، يتمزق الفؤاد كما تتمزق خرقة من القماش ، إلى قطع صغيرة لا تلتئم ، يذهب معها كل طعم للحياة ، و يصير كل شيء يسبب وخزا موجعا بدل المتعة التي كان يقدمها ، تختفي الالوان ، يكثر الصمت و السكون ، لا لغة إلا لغة ماء العيون . . . بقيت على تلك الحال مدة من الزمن ، مكفهر الوجه ، منغلقا على ذاتي ، لم تفدني القراءة كما كانت تفعل ، حتى نصيحة شوبنهاور بأن ساعة من القراءة كافية لتغيير المزاج ، فشلت دون تحسين مزاجي ، ثم ليت الأمر توقف عند ذلك الحد ، انضاف إليه ألم جديد ، الفشل دون تحقيق أحلامي ، أذكر أني قضيت الساعات الطوال ابني المباني وأشيد القلاع في خيالي و تجريدي ، ثم يأتي الأمل الكاذب و نقطة النور تلك في نهاية النفق لتخبرك أنه ممكن ، ألا كيف يكون ممكنا والطبيعة كلها عوائق ضد المسار الذي أسير فيه ، غير مستفيد شيئا إلا كثرة الاقتباسات التي أتقنها ، حشوت رأسي بها حشوا ، حتى تجدني في كل موقف أسمي الشعر و الفلسفة و الفيزياء و المسرح و الفن ... الخ . يؤكد هذا أنني و حاليا أملك اقتباسا لسارتر يوضح فيه : أنك في البداية تسعى لتغيير الحياة ، و تكتشف أن الحياة غير قابلة للتغيير ، ثم أخيرا تجد أن الحياة قامت هي بتغييرك ، بل على طول تلك المدة ، لم أفلح في عمل شيء إلا تقديم تعريفات مختلفة للذكاء و الإنسان الذكي ، تعريفات تسعد وضعيتي المزرية ...آه...رفيقي في ذاك الإنسان الصرصار لدستويفسكي ، قرأت هذا الكتيب الصغير عشرات المرات ، على عبور السنين و امتداد الأزمان ، كم أدهشني و أعطاني العزاء الكاف ذلك التعريف الذي حدثتكم عنه قبيل قليل : « الإنسان الذكي هو الذي لا يفلح في عمل أي شيء » . . . ثم . . . ثم فتح الباب الثالث ، بعد أن زال القفل النوراني منه ، حينذاك وفقط حينها رأيت من وراء الباب الشخص الذي فقدته ، الشخص الذي مات وسبب فقدانه لي معاناة مريرة حادة ، رأيته من وراء الباب يلعب في مروج من العشب الأخضر ، تنبت عليه زهور حمراء و صفراء وبيضاء ، حتى إنه لوح لي بيده مبتسما ، كأنه يقول لي : « اصبر قليلا ، سنلتقي من جديد في عالم أفضل » ، و أنا أنظر من وراء الباب الثالث ، شاهدت ذلك الشخص وهو في ريعان الشباب ، تقاسيم وجهه تنبئ عن سعادة عظمى ، يعيش في عالم من الرحمة ، عالم الملكوت ، برغم أن سنين عديدة فاتت ، لكنني شدهت من فرط سعادة ذاك الإنسان ، حتى أنه كان يملك جناحين يطير بهما ، مع ثوب أبيض من الحرير يكسوه ، كان جميلا مسرفا في الجمال ، نعم جميلا مسرفا في الجمال ، ساعتها انكشف لي لغز فشلي في تحقيق أحلامي أيضا ، إليكم السحر :
إن احلامي كانت زائفة من البداية كأحلام أي منكم ، في حين نسينا حقا ما يمثلنا ، فإن كنت تحلم بالمنصب و المال ، الشهرة و تملق الجماهير ، الذكاء و الفهم العميق ، الحب و التضحية ، الجريمة و الانتقام ... الخ . ما عليك إلا أن تسأل نفسك هذا السؤال لتدرك قزامة أحلامك : هل يملك طفل صغير ولد في فترة حرب ، ومات بالجوع و العطش و المرض ، بعد أن قتلت أمه ، و فقد أبوه بين الضحايا ، قلت هل يملك هذا الطفل نفس مشروعك في ارادة بلوغ مكانة نابليون ، او امتلاك ذكاء تاليران ، أو التسابق على منصب المدير في شركة الاتصالات التي تعمل فيها . الإجابة هي لا يملك ، فاذا كان هذا الطفل الصغير _وليس وحده_ هو من يختلف اختلافا جذريا في رؤية الطموحات التي تتشدق بها ، فهناك محمد في اليمن يرى أن أبوبكر ناجي صاحب كتاب إدارة التوحش هو مثله الأعلى ، ويريد إقامة دولة يتزعمها ، وهناك جوزيف في ألمانيا يريد إعادة تحكيم النازية و القضاء على اليهود و محاكمة الفاشية ، وهناك كيرا في كوريا يريد فتح محل في الجادة القريبة من منزله ، محل لتدريب الفنون القتالية ، وهناك خافيير في اسبانيا يريد أن يزرع الماريجوانا و الحشيش في مزرعته ، وهناك سيف في الجزائر الذي يريد نشر المحبة في العالم ، وهناك سارة في كندا حلمها أن تتعلم اللغة الروسية حتى تصادق حفيدة دستويفسكي . . . الخ . . . كل هؤلاء لهم أحلام ، لكنها أحلام زائفة عند كل الآخرين ، وخصوصا عند الطفل الصغير الذي مات بالجوع والعطش و المرض ، اذن أحلامك وأحلام خافيير من اسبانيا لا تمثل الرسالة الحقيقية في الحياة ، فالطفل المتوفي لم يحققها ، بل لم يأمل فيها حتى ، فلابد إذن من إيجاد الأحلام الحقيقية والتي تجعل رسالتنا في الحياة رسالة فعالة ، تعبر عن صدق وجودنا في هذا العالم ، و من جديد الطفل الصغير يجب أن يمتلك هذا الحلم الذي سيعبر عن رسالتنا الأكيدة في هذا العالم ، فهل تعرف ما يجب أن يكون حلمك ؟:
حلمك يجب أن يكون هو نقل قانون الخير من صدرك إلى أرض الواقع ، نعم فكل منا يملك قانونا للخير في داخله ، حتى أعتى المجرمين و اشدهم فسادا ، حتى تيمورلنك يملك في صدره قانونا للخير ، ليس أي قانون بل قانون عظيم جدا ، حتى جنكيز خان يملك قانونا للخير و المحبة العظيمة ، وهل تعرف لماذا هو مجرمون ؟، ببساطة لأنهم يجهلون أنهم صالحين ، هم أشقياء لأنهم يجهلون أنهم سعداء .إن جميع الاتقياء ،ان جميع القديسين ، إن جميع الشهداء كانوا سعداء في جميع ظروف الحياة . كل الإجابات تكمن في داخلك ، انت تعرف أكثر مما هو مكتوب في الكتب ، ملكوت الرب بداخلك ، ما عليك إلا ان تسعى للعمل بقانون الخير داخلك ، حينها يصير سعيك للمنصب بعد أن كان حلما زائفا ، صار حلما حقيقيا و تحقيقا للرسالة التي أنت موجود من أجلها ، المنصب من أجل الخير ، الذكاء من أجل المحبة ، التضحية من أجل العدل ، كلها ستصير أحلاما حقيقية بعد ان كانت زائفة ، فقط اجعلها تابعة لقانون الخير داخلك وسترى ، و هل أنت محتار من الطفل الصغير الذي مات جائعا عطشانا مريضا ، الا فلا تحر ولا تضطرب ، فالطفل الصغير هو قانون الخير بذاته ، هو المحبة بذاتها ، إن بداخلك قانونا للخير هو ذاك الطفل الذي كنته أيام صباك ، و تلك المحبة نفسها في قلبك هي الطفل الجميل الملائكي الذي كنته أيام صغرك ، يوم لم تعرف للكذب او الفساد او الخبث او الشر عنوانا ، كنت خيرا صافيا ، عليك فقط أن تحيي الطفل الصغير بداخلك ، قبل أن يموت من جوعه للحب و العدل و قبل عطشه للأفعال الإنسانية ، وقبل مرضه بسموم النفس الشريرة .
ثم هل توجد معاناة حقا ؟ . . . ام أننا ننظر فقط لأنصاف الحلول و التسويات ، نقف فقط عند منتصف المسرحية ثم نغادر المسرح ونحن نطلق الشتائم و السباب ، نلقي باللائمة على كاتب المسرحية أنه شرير و فاشل و ربما ميت حتى . إنه لا وجود للمعاناة بل يوجد وهم المعاناة ، و هل يعاني أحدنا اذا فقد حبيبه اثناء ذهابه للنوم ، ليس الامر أكثر من ذلك ، إننا نعاني ونفقد هؤلاء الذين نحبهم ، نفقدهم مثلما يذهبون إلى النوم ، ونحن نذرف الدموع عليهم ، هم ينظرون لنا من الباب الثالث ، ينظرون لنا من عالم الملكوت ويبتسمون ، صحيح أنهم يفرحون للعبرات التي ننزلها في حقهم ، لكنهم يقولون و نحن لا نسمعهم :« لا تبكوا ، خطوات قليلة ونلتقي ، نحن ماشين نحو الاجتماع ، صبرا أكثر » ، هم يعيشون في عالم لا وجود للعناكب فيه ، ولا وجود للخنافس أو الجرذان فأبدلوا ايها الموهمون تصوراتكم ، اجعلوا الشوق بدل الحزن ، اجعلوا العبرات الصامتة بدل النحيب ، لا تضيعوا دراهمكم على الورود لتضعوها في القبور ، هم يملكون عالما ورديا كافيا ، خير لكم ان تضعوا أموالكم عند حارس المقبرة ليشتري الخبز لأولاده .
لا أدري كم استغرقني الامر من التأمل تحت ثقل هذه المعاني ، وما أيقظني من تأملي إلا إحساسي بالخطوات التي تقدمتها ، قربا من الأبواب الأربعة ، التي بدورها زاد مقدار تقلص الفراغ الفاصل بينها ، حتى أنها أوشكت ان تشكل بابا واحدا ، حينها سمعت صوتا صادرا من الباب الثالث : «هل تؤمن بالله؟» . . فأجبت : « نعم ، أكثر من أي وقت مضى » . . وقد انتظرت الرد بوصفي كاذبا مرة أخرى ، إلا أن الصوت لم يقل شيئا هذه المرة ، بل ساد صمت رهيب .

مع الباب الرابع : الهداية

بعد الصمت الذي ساد عقب السؤال المطروح ، يفتح الباب الرابع و الأخير ، يتلاشى قفله النوراني ، فإذا برجل يعبر من الباب الرابع ، لا أكاد أميز له صفة بحيالها ، لا ولا حتى لون بشرته ، شعرت فقط كما يشعر كل من يعيش الحلم بوجود ماهية ذلك الرجل تعبر من الباب ، تقترب مني ، حتى صارت بجانبي ، تريد ان تحدثني و تناقشني ، بل قل الأحرى تريد أن تطلب على يدي الهداية و الإرشاد ، ولما صار بقربي تماما ، استشعر وجوده بقوة هائلة ، كما يستشعر أحدنا شخصا واقفا أمامه في الحياة الواقعية ، حينذاك عرفت بتلك المعرفة الفطرية التي نجدها في الأحلام ، عرفت أنه يجب علي محادثة هذا الإنسان حول أفكاره محاولا إقناعه و هدايته إلى سبيل الرشاد . . . قال لي : « إنه ليصعب على كل ذي حس أخلاقي مرتفع أن يعيش في هذا العالم ، كيف لإنسان يؤمن بالصدق و الحب و الرحمة أن يعيش بين اولئكم الذين يحملون النفاق و البغضاء و الظلام ، كيف لإنسان يحمل العدل في صدره أن يعيش مع من يريدون الفوضى و الهلاك ، هل هذا كله دية من أجل الوصول إلى الحقيقة ؟ ، إذا كانت دموع الأطفال أمرا لابد منه ولا غنى عنه لإكمال مقدار الألم الذي سيكون دية للحقيقة فإنني أعلن جازما أن الحقيقة لا تستحق أن يدفع ثمنها باهظا ، قل لي هل تؤمن بالأنبياء ؟» . . . دهشت في البداية من هذا الكلام ، مدركا صعوبة الرد على هذا النمط في التفكير ، بل قل الأحاسيس . إن المجادلة الفكرية مع من يعتنقون القضايا الإنسانية بعاطفة شديدة ووله عظيم ، تسقط أمامهم تلك البراهين العقلية ، إنه فقط يمكن تصحيح عقيدتهم بإحلال عاطفة بديلة ، تبصرهم الجهة التي أغفلوها ، فيعتدل القارب الذي يسيرون عليه ، لكني لم أرد ان أفوت الفرصة في بعض المماحكة العقلية . . . قلت له :
_« إنه وإن كنا لا نستطيع الجزم بوجود الأنبياء ، لكننا سنجزم يقينا كمنصفين بأن هناك اشياءا خارقة عند هؤلاء العظماء كمحمد و موسى و المسيح ، لا اشياءا خارقة بالمعجزات التي سمعنا عنها ، بل في نفوسهم العظيمة ، إنني أعتبر أنبغ فكرة زارت ذهني هي هذه التي سأحدثك عنها : دليل حقيقة الأنبياء هو النفس التي يملكونها ، هي لا تشبه النفس البشرية في ضآلتها أبدا ، إنهم يملكون نفوسا كبيرة تتعالى على البسطاء منا ، و تبرز عظمة هذه النفس في المواقف التي يصنعونها ، ما عليك لتفهم حديثي إلا أن تقارن نفسك في موقف ما مع هذا النبي ، لتجد أنك ضئيل جدا مهما بلغ حبك و فهمك ، إنك لا تحتاج في هذه الحياة إلا للحب و الفهم ، بل يمكن الاستغناء عن الفهم أحيانا وفيرة ، ستكتشف في البداية أنك لا تقدر على مجاراة قرار المسيح حينما غفر للمرأة الخاطئة قائلا لها :« من أجل ذلك أقول لك قد غفرت خطاياها لأنها أحبت كثيرا » ، تأمل جيدا تعليل المسيح في قوله : « أحبت كثيرا » ، ليس أحد باستطاعته التعليل بهذا الشكل إلا شخص عظيم جدا ، لو كان أحدنا مكان المسيح لقال في أحسن الأحوال :« من أجل ذلك أقول لك قد غفرت خطاياها لأنها : تملك أولادا ، عندها زوج مريض ، غلبها الشيطان ...الخ . لا بل ذنوبها ذهبت لأنها أحبت . في البداية ستدرك أنك بعيد كل البعد عن أن تفعل فعل المسيح أو تقول قول المسيح ، ثم تكتشف أن جميع البشر من غير الأنبياء لا يملكون تلك القدرة في الفعل و الحديث . انظر مجددا لقول محمد :« يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ... علينا أن نتساءل لماذا ذرة ؟..هل شيء بهذا الصغر و الضآلة كمقدار من إيمان كفيل بأن يجعلك تسكن الجنة ، أليس أحدنا كان ليقول : « لا يدخل الجنة صاحب الإيمان الضعيف » ..أليس الإيمان الضعيف أحد أسباب فشل القضايا ، فكيف بذرة من إيمان أو حبة خردل منه ، ثم تكتشف عظمة هذا الحديث الإلهي ، فالملاحظ للإنسان ، العالم بأحواله جيدا ، يدرك أنه لكي يؤمن بقضية إيمانا قاطعا عليه بتجاوز شبكة متشابكة من العوائق : اللاشعور ، البيئة الإجتماعية ، المغريات المادية من المال و الجنس و المنصب ...الخ ...تأمل جيدا في شبكة العوائق وستدرك جيدا أن ذرة واحدة ، ذرة صادقة من إيمان كفيلة بأن تسعدك ، ولكي تدرك عظمة هذا النبي و عظمة هذا الحديث ، اسأل نفسك أولا : ماهي القضية التي يمكن أن تؤمن بها مثقال ذرة من إيمان ؟... جرب أن تقول لاشتراكي أنك تؤمن بالاشتراكية ذرة إيمان ، أو لملحد أنك مؤمن بالإلحاد ذرة من إيمان ،أو لليبرالي أنك مؤمن بالليبرالية ذرة من إيمان ، لا انصحك أن تقول لهتلر أنك مؤمن بالنازية ذرة من إيمان ، ولا حتى أن تقول له أنك مؤمن بالفاشية ذرة إيمان ... الخ . حتى بالنسبة لاولئك الذين يتشدقون بالحب الإنساني ، ما عليك إلا أن تصل لمنصبه أو تشاركه في أفعاله الإنسانية ، حتى يخرج لك من العدم صعلوك حقود مستعد لتدمير الكوكب من أجل ارواء غروره وإسعاد غضبه وانتقامه . . . يمكنني أن أتحدث لساعات في شرح هذه الجزئية يا صديقي الوهمي ، ربما لو لم أكن في حلم لضحك من سمع كلامي هذا ، بسطاء هم ، لا يفهمون خطورة هذه القاعدة البسيطة ، دليل النفس العظيمة في اثبات الأنبياء »
قلت هذه الكلمات وأنا أعلم أن كلامي الاختزالي سبب كثيرا في تشويه فكرتي ، و يا لها من فكرة كاملة تامة ، غير أنني وبحال كوني ضمن الحلم ، علمت باليقين أن الإنسان الذي كنت أحادثه قد فهم عني فهما سويا . . . هذا لم يمنعه من معارضتي قائلا :
_« كلامك يحمل عمقا ، لكن هذا لا يمنع من اعتبارهم أكمل النوع البشري ، هؤلاء الأنبياء فقط ، غير أنك تجاهلت ربما ما سيسميه بعضهم بالجانب الأسود لهذه الشخصيات ، من قتل او تدمير ربما ، سيخاصمك أحدهم أنه كما لم يستطع أن يجاري المسيح في مغفرته للخاطئة بذلك الأسلوب ، أسلوب أنها أحبت ، فهو أيضا لا يمكنه أن يجاري حادثة أخرى تحمل معنى سلبيا ، لا استطيع التمثيل ، فلست ملما بالإنجيل ، ثم حديثك هذا حول المستوى النبوي ، إن جاز التعبير ، لابد له من نمط مشترك وإلا فاذا كل نبي له شاكلة تخصه ، فلا معنى لدليلك ، حيث لن نجد فقط نفوسا بشرية عاجزة عن بلوغ نفوس الأنبياء العظماء ، بل كذلك بعض نفوس الانبياء لا تصل لنفوس بعض الأنبياء ؟ »

_« إن فكرة الجانب الأسود مقارنة بالجانب الأبيض ، تجد حلها فقط في مسألة الثبوت ، و يمكننا طرح سؤال بسيط : هل يمكن أن نقول في شخص له القدرة على التحليق ، وثبت انه حلق في الهواء ، هل يمكن أن نقول في هذا الشخص أنه انسان مقعد ؟... نحن نعلم أن المسيح فعل كذا ومحمد فعل كذا من الأمور التي لا تقدر عليها النفس البشرية ، لا تقدر عليها إلا النفوس العظيمة تلك ثم نأتي بحوادث و نحاول بها حجب الصورة الأولى ، لنفترض صدقية هذه الحوادث السوداء ، إنه لا يزال علينا ان نفسر تلك العظمة في تلك المواقف ، شبيه الأمر بغلام حصل على المعدل الكامل في مادة الحساب ، حصل على المعدل الكامل في مرات كثيرة ، ثم في مرة أو مرتين لسبب من الأسباب العملية نقص عن مستواه ، هذا لا يعطينا الحق في أن نجعل مستواه ضعيفا أسودا ، إنه لا يزال علينا الاعتراف بعبقريته في كل تلك المرات التي حصل فيها على المعدل كاملا ، ثم لا يكون التفسير البهلواني لكيفية حصوله على المعدل كاملا ، لا يخفى أنه عبقري ، بل ما يستحق التفسير حقا هو تلك المرة التي لم يحصل فيها على المعدل كاملا ، ربما كان مريضا ؟؟ ، سنبحث في أن غياب المعدل الكامل في تلك المرة إنما يعود لأوضاع معينة ، هذا هو التفسير ، لم يكن أبدا من الحكمة أن نذهب نعلل حصوله على المعدل الكامل بناءا على رغبتنا في اثبات قصوره من خلال عثرته تلك المرة الوحيدة ، بل لعلنا ولا نستبعد أن تلك العثرة مجرد كذبة من بعض الرفقاء الحاسدين له ولإمكاناته ، لا أن تكون العثرة كافية في تهديم هرم شامخ من العظمة ، ذلك اذن تعليل منكوس ، وهذا يسوقني الى الحديث حول النمط المشترك ، لعل المثال الذي أذكره و يبرهن وجود هذا النمط هو ما قاله المسيح و محمد كليهما . . . يقول المسيح في انجيل لوقا الاصحاح لخامس عشر :«أقول لكم إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون إلى توبة » . يقول محمد في حديث يوافق قول المسيح من بين أحاديث كثير جمة :« لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم » ، و هل تذكر الحديث السابق :« يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ، يقول المسيح أيضا في إنجيل متى : « الحق أقول لكم .لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم » . غير هذا ايضا يوجد العديد مما يتوافق بين رسالة المسيح و رسالة محمد و رسالة موسى في المبادئ ، إننا نجد تشابها غريبا و هائلا في مسار هذه الشخصيات و معالجتها للأمور ، بما لا يتناسب و النفس البشرية العادية ، وهذا دليل اضافي في أن الجانب الأبيض ثبوته ثبوت قوي ، في حين لا ثبوت لنقيضه »

_« أقر أنه يوجد تشابه بين هذه الشخصيات ، لكن لما لا يكون التشابه بين محمد و المسيح لأن محمد استفاد من التراث الذي تركه المسيح ، يمكننا أن نقول أن محمد تلميذ للمسيح ، مثلما أفلاطون تلميذ سقراط أو الغزالي تلميذ الجويني أو ماكسويل تلميذ فاراداي »

_« إن ثبوت التشابه بين رسالة المسيح ورسالة محمد من غير ثبوت استفادة محمد من تراث العهدين القديم والجديد ، هذا يمثل معضلة كبيرة ، وكم يصعب اثبات مثل هذه القضية بتحقيق كفؤ و دقيق ، ثم اذا جاز لك افتراض أن محمد استفاد من المسيح كما حصل لافلاطون من سقراط ، فلما لا يجوز أن يكون محمد و المسيح ، مثل تشالرز داروين و ألفريد راسل والاس ، اللذين اكتشفا مبدأ الانتخاب الطبيعي من غير أي اتصال بينهما ، أو مثل نظرية هيوم في السببية مع نظرية الأشاعرة المسلمين ، من غير اتصال بين هيوم أو الأشاعرة ، أو بين ابن خلدون و أوجست كونت بالنسبة لعلم الإجتماع ...الخ . لا زال التاريخ يثبت لنا اكتشاف أفكار متشابهة عند شخصيات مختلفة وأحيانا في نفس الحقبة الزمنية ، هذا من جهة ، من جهة ثانية أليس بولس أحد كبار تلاميذ المسيح و المستفيدين منه أعظم استفادة ، فكيف لأحد أعظم تلامذة المسيح أن لا يكون في سلوكه و أفعاله في مثل عظمة محمد مع فرق خمسة قرون ؟ بفرض هذه الاستفادة ، بل نقطة اساسية هنا تبرز : ان بولس و غيره من تلامذة المسيح برغم معاشرتهم له ، إلا انهم عجوزا عن أن يستفيدوا استفادة محمد . هذا يدل حتى لو كانت هناك استفادة فإنك بالاستفادة من المسيح مباشرة ( كبولس ) لن تستطيع أن تصير نبيا ، ستصير حواريا نعم ، ستصير صحابيا نعم ، لكنك لن تكون نبيا ، فإذا كانت نفس محمد العظيمة تشابه نفس المسيح العظيمة ، فهذا ينفي أن تكون مجرد الاستفادة عاملا فاصلا ، فنفس بولس ولو بتقدير أنها نفس تستحق التقدير فهي ضعيفة عن نفس المسيح الهائلة ، فاذا شابهت نفس المسيح الهائلة نفس محمد و نفس موسى ، فالأمر اذن يدل على اصطفاء و اختيار ، لا على دراسة . . .»

_« المسألة فيها أخذ ورد ، يصعب الجزم فيها حقيقة ، لكنني سأعطيك السؤال الأهم بصفتك تلميذا للأنبياء : هل يمكننا التعايش ؟ »

_« إنما هذا الوجود كله سعي للتعايش . . . نعم . . . نعم . . . يمكننا التعايش . قال حكيم يوما : إن الحب غني عظيم يمكنه أن يهب لنا الكون كله ، و أن يجعلنا أن نكفر لا عن خطايانا نحن وحدها ، بل عن خطايا الآخرين أيضا »

إن إجابتي الأخيرة بإمكانية التعايش جعلت ذلك الإنسان ، جعلت تلك الماهية تدخل في جسدي و تتحد معه ... إن ذلك الإنسان الذي كنت أحادثه محاولا هدايته لم يكن إلا أنا فقط ، صحيح أن الهداية يمكن أن تأتي من الخارج ، لكن الهداية الحقيقية تكون من الداخل ، هو المعنى الذي اشار إليه جلال الدين الرومي :« بالأمس كنت ذكيا فأردت تغيير العالم ، اليوم أنا حكيم سأغير نفسي » .
حينذاك و من غير أن اسمع الصوت يسائلني :« هل تؤمن بالله » ، اختفت جميع الأقفال النورانية ، وصارت الأبواب الأربعة بابا واحدا متحدا ، هناك رأيت وجه الله .







اخر الافلام

.. مسرحية في بيروت لدعم مستشفى في غزة


.. أجرأ الإطلالات في مهرجان كان السينمائي


.. -أفضل فنان اجتماعي- لفرقة BTS الكورية الجنوبية | اليوم




.. شاهد.. فنان فارسي يكرس تحفه الفريده لمونديال روسيا


.. هذا الصباح -معرض فني بتايوان يستقطب كبار الفنانين والعالميين