الحوار المتمدن - موبايل



المعيارية القياسية للتفريق بين منطق المحكم وشبهة المتشابه

عباس علي العلي

2017 / 8 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


المحكم والمتشابه
من القضايا التي شغلت الفكر الديني المحمدي في خصوص النص قضية المحكم والمتشابه وما الفرق بينهما، مرد المشكلة وجود نص أشار فيما يوحى للعقل الديني إلى نوعين من النصوص بينهما مسافة، هذه المسافة هي محل الإشكالية بين المعنى والدلالة أو في معنى السياق، لذلك صار الأختلاف وتأسس على هذه النقة بالذات دون أن يلتفت الجميع على أن القرآن كنص كامل هو مرة محكم مرة متشابه:
• {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }آل عمران7.
• {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}هود1.
• {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}الزمر23.
هذا في خصوص الكتاب والآيات والنص وقد تتجلى فيها كل فحوى المشكلة المزعومة، وإن كان التدقيق فيهما ولوحدهما تجد كامل الإجابة عن ما أثير ويثار فيه، فالنص الثاني عرف الإثنان معا ولم يترك الناص القضية للأجتهاد البشري، فالمحكم هو المجمل الذي تم تفصيله لاحقا، فالكتاب محكم بهدفه ومقاصده وغايته من موضوع الرسالة، ومحكم في سياق ما ورد فيه ونفي وجود المشبه أو المشتبه به إلا لمن لم يعرف القرآن ولم يتعرف عليه، ومحكم في عدم قابليته للزيادة والنقصان/ ومحكم أيضا أن لا يأتيه الباطل من أي جهة ومعصوم عن التغيير والتبديل.
والكتاب متشابه أيضا في كونه مبنيا كليا على بأياته على أنها تهدف إلى إثبات ما يريد الله ونفي ما لا يريد، وكل آياته متشابه في طريقة البناء سور وآيات تتكامل فيما بينها للوصول للمراد الكلي، فلا نجد آية أو نص خرجت عن السياق البنائي لعموم النصوص ولا أختلف في طريقة العرض والبسط، ومتشابه أيضا في سياق الطرح القصدي والمحمول المعنوي، فكل ما جاء لا تعارض فيه ولا أختلاف {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}النساء82.
النص الأول من النصوص الثلاثة يفسر هذا الذي طرحته الآية الثانية، من أن الذين في قلوبهم مرض لا يستطيعون أن يجدوا ضالتهم بالعبث والتخريب إلا في النصوص المفصلة والتي تعني بما فيها من جزئيات قابلة للعمل التخريبي فيها، فمقولة أن الشيطان يكمن في التفاصيل، تنطبق تماما على واقع ما يريده الذين في قلوبهم مرض، عندما يقول النص {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} الإسراء33، لم يك بالإمكان أن يعبثوا بالنهي الوارد فيها مطلقا، فلم يدع أحد أن القتل حلال، ولكنهم تسللوا للنص من التفصيل الوارد في نفس الآية {إِلاَّ بِالحَقِّ}.
لقد جاء الأستثناء مفتوحا بكلمة لها معان وتفصيلات متعددة ودلالات مختلفة في النص القرآني وهنا نجح المرضى في أن يحرفوا أصل النص المحكم من خلال الشرح في معنى الحق، فتحول الحرام إلى حلال من خلال توسيع وتمديد كلمة الحق إلى غير معانيها السياقية والقصدية، هذا النص محكم ومتشابه في أن واحد لأنه جمع القاعدة الضابطة والتفصيل في مستوى واحد محمولا بنص.
في النص الثالث أيضا تأكيدا على ذات السياق والمبدأ أن هذا الكتاب مبني على المثاني في موضوع المحكم والمتشابه، فكل النصوص محكمة في عموميتها ومتشابها في تفاصيلها لذا هي (مثاني) أي تحمل صفتين أثنين، ولا مكان لمن يدع أن المحكم مثلا هو (هو اللفظُ الذي دلَّ على معناه المَسُوق له بصيغتِهِ ، ولا يحتمل التأويل ولا يحتمل التخصيص ولا النسخ في زمن الرِّسالة ولا بعدها ) ، أو أن المحكم هو الذي يمكن معرفته والمتشابه الذي لا سبيل لمعرفته وكأن الله جعل بعض آياته جنجلوتية لا تدرك، (ما عُرِف تأويلُه، وفُهِم معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحدٍ إلى عِلمه سبيلٌ) .
لقد تخبط الشراح وتاه المفسرون في تعريف ما هو معرف، وصاروا أشتاتا في المذاهب والأراء دون أن يلتفتوا للنص، مع أن الجميع يحتكم للآيات بكليتها المحكم منها والمتشابه التي أراد الله من وراء ذكر القضية، ليؤكد أن القرآن كنص كامل فيه ما يحتاجه الإنسان من فهم ما لم يتيسر له فهمه، وأن ما يثار من قضية المحكم والمتشابه لم تضيف للنص أفق عملي أكثر مما فيه أصلا، ولم ولن تساهم هذه الشروحات لا في إكما نقص ولا تنقيص ما أكمل عليه، فالنص باق كما هو ويتطور العقل ليبلغه ولا يتطور النص ليبلغ محدودية العقل.
من العقول الإسلامية والتي أعتادت على التناقض وعاشته في اللا وعي وحتى إن كانت تؤمن به على أن ما توصلت إليه مقنه بحدود ما يملك من دليل، إلا أنها في ذات الوقت تخضع من حيث لا تدري للشك لتشكل أنتكاسة للعقل، مثلا لو قرأنا هذا النص بتمعن نجده مطابقا لما تحصلنا عليه من فهم من سياق ما تقدم بالعموم (فالكتاب هو القرآن، وآياته نوعان: آيات مُحكمات واضحات الدلالة، وهذا النوع من الآيات هو أُم الكتاب، أى المرجع لفهم النوع الثانى وهو الآيات المُتشابهات التى قد تحتمل أكثر من معنى. والذين فى قلوبهم زيغ أو ميل عن الحق يبتعدون عن الآيات المُحكمات، ويتبعون الآيات المُتشابهات، فيختاروا المعنى غير الصحيح الذى يتفق مع زيغهم وضلالاتهم حتى يُثيروا الفتنة بين الناس) .
هنا الرأي بعمومه وإن لم يستند كليا للسياق الذي جاء في الآية الثانية، لكنه وضح فقط أن التناقض غير حاصل بينهما، والعجيب بعد أن ثبت ذلك عاد وتخبط خبط أعشى في ليل الفكر فيقول في مكان أخر من نفس المقالة (أما الآيات المُتشابهات فهى التى قد تحتمل أكثر من معنى، وبذلك فقد تُفهم بشكل أو بآخر، أى أن البعض يفهمها بمعنى مُختلف عمَّا يفهمه البعض الآخر، ولذلك فهى تتشابه علينا: أيها هو المعنى الصحيح، ولذلك فقد وضع الله لنا فى كتابة "مسطرة" نقيس عليها الآيات المتشابهة، أو "مفتاح" نفتح به خبئ معناها لنصل إلى معنى الآية المتشابهة الحقيقى الذى أراده الله) .
بالرغم من أحترامي التام لرأي الدكتور نجيب عز الدين وتخصصه في علم اللغة إلا أنه لم يبني رأيه على أساس علمي، فلو كان هناك تحديد في النصوص بخصوص ما هو محكم وما هو متشابه لأمكننا العمل بمسطرة الدكتور نجيب، هذا فيما لو كان هناك تحديد ولكن المشكلة التي لم ينتبه لها الباحث أن القرآن بعمومه محكم وبعمومه متشابه حسب النصوص، فليس هناك من فرز واقعي ومحدد، فكيف نبني على موضوع أساسا هو متداخل ومتشابك، سيقول البعض أن الراسخون في العلم هم من يتولون التبيان، ومع إيماني أن الراسخون في العلم سيقولون هذا كل من عند الله وما عليكم إلا أن تؤمنوا به جميعا، أيضا لا يمكنهم تأويل القرآن وتحديد المحكم والمتشابه منه عينا عينا، لأن ذاك من وظيفة الله وعلمه.
خلاصة القول في المحكم والمتشابه هو ما جاء به النص الثاني الذي أورد المعنى وحدد المفهوم حين أشار إلى أن المحكم هو المجمل والمتشابه هو تفصيلات المجمل، ولا تناقض بينهما ولا تعارض ولا في أي شبه في كل الموضوع، وإن إثارة المفهوم النصي هذا أراد الله من وراءه أن يحدد ملامح السياق الفهمي للنصوص من مقاصد المجمل والمغصل تكاملا وتماهيا بينهما.







اخر الافلام

.. بوركينا فاسو: كيف جاءت ردود فعل الجالية المسلمة غداة هجوم وا


.. هل اعتذرت مديرة الفندق السويسري الذي طلب من نزلائه اليهود ال


.. تنظيم -الدولة الإسلامية- يجبر الشبان في دير الزور على القتال




.. أميركا تنتقد أوضاع الحريات الدينية بالسعودية والبحرين


.. الخارجية الأمريكية تنتقد الحريات الدينية في السعودية والبحري