الحوار المتمدن - موبايل



مفهوم أولي الأمر وجدل الأشتقاق اللغوي

عباس علي العلي

2017 / 8 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


أولي الأمر
من يعتقد أن أضافة أولي الأمر للمقدس مجرد حشو لا مناسبة له فهو لا يعرف إرادة المقدس الغيبي فيما يريد منه أو يراد به، فكلام المقدس مقدس وأمره من ضمن حكم مفترض الطاعة لمن أمن بأصل الفكرة الدينية على أنها خضوع لها بالوجه الذي سطرته، لكن المشكلو قامت وتقوم على تحديد أول الأمر، ولا يتم تحديدها إلا بتحديد معنى ومفهوم أولي الأمر ذاته على الوجه الذي ينطبق مع سياق النصوص ومقاربتها على القصد الكلي منها.
بالإضافة للنص السابق الذي بحثنا فيه عن في موضوع الرد إلى الله ورسوله وأولي الأمر منكم هناك نص أخر مماثل في الصورة والتنصيص ومراد الحكم منه، وهو على كل حال طالما جاء بهذه الصيغة البنائية فأنه توكيد وتجديد للمعنى ذاته وتحصيرا وتنصيصا عليه {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}النساء83، دون أن يغير من هوية المفهوم أو يعدلها أو ينشئ حكم أخر.
الإشكال الأهم كما في الكثير من النصوص هو تحكيم النص أولا بدلائله وثانيا نسبة النص إلى المنصوص عليه، وكلاهما موضوع أختلاف في القراءة بناء على التنازع الأول بين أعتماد وعاء اللغة أو الأستناد للمفهوم السياقي للنصوص بأعتبارها ليست لغة فقط بل بناء فكري متعدد الطوابق وذا بعد عقلي أكثر منه مفهوم لغوي قاصر على دلالة الللغة وما تحمله من تحديد.
فقد أختلف المفسرون وهم طبقة فكرية ممن تولوا قراءة النص الديني وتفسيره وفقا لمذاهب شتى في التفسير والتعليل والتدبير في زمن متقدم نسبيا ولاحق لترك النبي موقعه التبينية للمعاني والأحكام حسب ما جاءت، لذا فهي تعد قراءات بشرية وليست بالضرورة تنجح في كشف المرادات القصدية من النص، لأنهم أصلا لا يزعمون ذلك وليس لهم أن يجعلوها عين حكم الله فيما يريد، ولكن تبقى بأختلافها دوما في دائرة الأحتمال والظن.
هنا نورد مثالا أو مثالين للأختلاف لعلنا نؤكد أن الأختلاف ليس فقط نسق متوالي في الفكر الإسلامي عموما، ولكنه يشير من جهة أخرى على عدم الأتفاق على مقياس معياري حاكم، فق ورد في شرح المعنى مثلا (المقصود من أولي الأمر في الآية المباركة، وقد نقل العيني في شرح صحيح البخاري من الأقوال أحد عشر قولا (عمدة القاري ج18 ص176)، أما النووي فقال في شرحه لصحيح مسلم: "قال العلماء: المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هو العلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال الصحابة خاصة فقط فقد أخطأ" (شرح صحيح مسلم ج12 ص223، وللمزيد راجع: سنن الدارمي ج1 ص72، المستدرك للحاكم ج1 ص123، فتح الباري ج13 ص99، تفسير الطبري ج4 ص150 – 153، ومجمع البيان ج3 ص100) أما العلماء والمفسرون الشيعة فقد اتفقت الكلمة على إرادة أئمة أهل البيت (ع) من الآية المباركة، تبعا لما جاء عنهم) .
من ملاحظة هذا المختصر التعريفي الذي جئنا به فقط للتعريف والتدليل عن المعنى المتدوال والمعروف والمختلف به، نلاحظ جملة من القضايا التي تتعلق بمنطق القراءة السياقية للنصوص وأستنادا للقصديات المحكمة بأعتبار أن النص أصلا محكم بما أستحكمت فيه المعاني الخاصة، وخلافا لمنهج الشراح والمفسرين والمتأولين سنقوم بالقراءة النقدية لفكرة الشرح وليس لفكرة النص لنبين حقائق قد تكون صادمة للبعض منا بما تأت به من نتائج لا تتلائم مع مشروعهم السلفي التنظيري خلاف ما جاء به النص.
من هذه القضايا أولا ملاحظة البناء اللغوي ذاته وأقصد كلمة (أولي الأمر) فهي من حيث كنها صيغة لا بد للرجوع لجذرها أو معنى الجذر لأن ما يخرج من الجذر سيكون ضروريا أن يطابق ما تجر به، أولي الأمر مصدرها اللغوي (أُوْلَ) ، أي أخص بالشيء من غيره {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}آل عمران68، فحي تفيد حصر التخيص وعدم تعديه لغير المخصص أستثناء منه لقوله تعالى {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً}مريم70، ولا بد لمخصص به أن يعلم شرطية الخصوصية أبتدأ {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}الأحزاب6.
هذا من حيث الجذر فالأولوية ليست بمعنى التقدم الحسابي المشتقة من الأول كما يظن أو يدع ،بل هو الأول الذي لا ثان له، أي لا خيار أخر غيلا المخصص للمخصوص به حصرا، والأول العدي أول قابل للتثنية بطبيعته إلا إذا كان ممتنعا طبيعا من التثنية أي كان أوا أوحد، {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}القيامة34، من هنا تأت معنة التحصير بتقديم الأولوية التي فراغ منها إلا بها.
وجمع أولى أولي ولكن لا يرد الجمع فيها دون صفة حتى يكون الموصوف معلوم بها كقول الله تعالى أولي العزم وأولي الأمر وهناك من بعتقد أن هذا الجمع لا يجمع والحقيقة أنه جمع جمع تكسير بصيغة (أُوْلُواْ) وهي صيغة تفيد جمع الجمع {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}الأنفال75.
فتعدد الــ (أُوْلُواْ) لم يكن تعدد في الذات المتخصصة بذاتها وهو ما ينافي قولنا السابق في الحصر بل تعدد في الموضوع المخصص وهي الصفة حين تجمع مع الأسم التي تلحق به في صيغة حصرية، أي في تعدد الأرحام هنا مثلالا تعدد في الأولوية، وتؤنث أيضا الصيغة كذلك فتصبح (وَأُوْلَاتُ){وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً }الطلاق4، ومنها أيضا أسم الإشارة (أولئك) و (أولاء).
هذا من ناحية الجذر ويمكننا القوم بالجزم لا ترد أولي الأمر بمعنى الولاية من (ولى وتولى فهو ولي وجمعه أولياء وولات والفعل التولية) لأن الجذر اللساني هنا مختلف شكلا بنائيا ودلالة قصدية وهو كلمة (ول) كقول الله تعالى {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ }الأعراف196، هذا الأختلاف يقودنا إلى نتائج تبنى على الفرق بين المعنيين الواردين معا في النص القرآني وبالتالي أتباع مقاصد النص في التفسي يقودنا إلى أننا أمام أولي الأمر وولاة الأمر، فالأول مخصوص عليه والثاني عام ظرفي محكوم بما يسبقه من واقع ومقدمة وطريقة.
هنا يكون ما أورده التفسير السابق الذي سقناه مثالا تفسيرا أعتباطيا لا قيمة له وهو مجرد تحريف للمعنى وتقصيدا لنتيجة لم تراع خصوصية النص وفرادة مفرداته، والسؤال يقود إلى مفهوم نبحث عنه في إطار قداسة ما أشارت له النصوص لأن هناك مشاكلة ومماثلة وترتيب سياقس في أمر الطاعة خاصة وأنه موضوع حكم لا بد من أثبت بماهيته لا بما نريد نحن وهو موضوع المقدس الحضوري الذي أمر الله بطاعته،
وحيث أن الله لا يأمر بطاعة المدنس الطبيعي أو القابل للتدنيس بذاته أو قابل للتنجس بما فيه أو ما يلحقه لما قي معنى الطاعة من ملزمية فكرة أن الله لا يأمر بطاعة من لا يؤتمن على طهارته وأشترط أن يكون غير قابل للتدنيس، بمعنى أنه معصوم عنها فهو مقدس بذات الشرط الذي قدسنا في الكتاب والنبي كمقدس حضوري شرطه الأول أن يكون طاهرا من الدنس والنجس ومخصوص على وجه الأولوية المطلقة وهو لي وأساس ما أوجب من طاعته المقرونة بطاعة الله ورسوله، فهل من مصداق حاضر له في الواقع الإسلامي المحمدي مصداق يقيني لا يرقى له الشك ولا تفت في مصداقيته الأفعال والتجربة.
ولكي يكون أولي الأمر واقعيا ومحددا وواضحا وضوح البينة القاطعة عليه أن مشتملا على ما يلي:
• أن يكون طاهرا مطهرا من الدنس والتدنيس والرجس أولا وأن لا يخاف عليه أن يكون بعد ذلك خلاف ما يجب، سواء الطهارة في الكلام أو الإيمان والسلوك أو حتى الطهارة التكوينية لأن الله يحب المتطهرين {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33.
• ثانيا أن يكون منهم أي من المؤمنين أستنادا لشرط النص وأشتراطه المتقارن مع ذكره {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }النساء59، فلا تخصيص أخص من المؤمنين، وتعريف المؤمنين أيضا محدد بالقرآن نصا ودلالة وقصد دون مواربة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}الحجرات15، وهنا أشترط في التعريف شرطا قلص بموجبه حدود معن المؤمنين بأنهم لم (يرتابوا) فالأرتياب هنا ليس الشك وحده ولكنه يضيف الخوف من أن لا يكون الأمر حقيقيا يقينيا في الإيمان وهذا يعد ضرب من تدنيسه لأن المرتاب الخائف لن يكون صادقا أصلا في دعواه فهو يضمر شيء ويظهر شيء وهو منافق في إيمانه ولم يك صادقا لا مع الله ولا مع رسوله {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب24.
• أن يكون (صاحب علم مستنبط) حتى يتبع على الحق الذي هو أولى بالأتباع وليس على الظن أنه سيكون حقا أو أحتمال أنه يكون كذلك أو خلافه، ولأن خلاف ذلك سيؤدي إلى أتباع الشيطان كما جاء في النص الثاني لتعلق الأمر بنتيجة الخير وحسن التأويل.
• وتأسيسا لذلك لا بد أن يكون المخصص قادرا على التأويل المطابق لإرادة الله وليس فقط علمه به، بشرط أن يكون هذا التأويل بأعلى درجات الحسن بقوله تعالى (وأحسن تأويلا) أي بأكمل النتائج التس سترونها من الإتباع لأولي الأمر.
هذه الشروط الذاتية في أولي الأمر لا يمكن أن تتوفر إلى لمن أراده الله أن يكون من أهل خاصته والمخصوص بالهداية، لأن الله قسم وظيفة المقدس الحضوري بين (الإعذار والهداية) وجعل الإعذار من وظيفة المقدس الحضوري وهو النبي في زمانه حصرا وبوجوده المؤقت فيها، والهداية تتكاثر مع تكاثر القوم الذين يحضر فيهم الهادي {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}الرعد7.
هذه النتيجة التي نصل لها ليس تطابقا كاملا مع ما ذهبت له الشيعة من كون الإمام علي وذريته من بعده بالصيغة المطروحة هم المقدس الحضوري ولكن تحديدا هي الإشارة لعلي كونه مصداق لما تعني كلمة أولي الأمر منكم، ولنا عودة في الشرح في مبنى الإمامة والحاكمية في مبحث نقدي أخر نبين فيه دراستنا وتقريرنا لها وما فيها ونختم المبحث بمصداق نصي مما أرده أئمة الحديث وصححوه تثبت هذه النظرية وتعززها وتعزز شروط المعنى (إن منكم من يقاتل الناس على تأويل القرآن ، كما قاتلتهم على تنزيله) .







اخر الافلام

.. انا وانا - خيري رمضان: التيار السلفي والإخواني عشش في جدران


.. حصري - بوكو حرام تنهزم امام الارادة الانسانية


.. ما الذي ينتظر الرقة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها؟




.. سوريا والعراق.. أين ذهب تنظيم -الدولة الإسلامية- وأي مستقبل


.. المرجعية الدينية في العراق تدعو القادة الكرد لتوحيد صفوفهم و