الحوار المتمدن - موبايل



جوانب من تاريخ العلاقات المغربية البريطانية: الحلقة الثالثة: بعد الثلاثينات من القرن التاسع عشر.

عبد الرزاق العساوي

2017 / 8 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


نهجت بريطانيا انطلاقا منذ سنة 1830م سياسة متشددة بالبحر الأبيض المتوسط الغربي، بهدف حماية مصالحها بالمتوسط، خاصة تجارتها مع الهند والشرق الأقصى. فقد حرصت بريطانيا على مراقبة مدخل مضيق جبل طارق والتصدي لتحركات الفرنسيين المريبة في شمال إفريقيا بعد احتلالهم للجزائر سنة 1830م. ومن ثم فقد رفعت بريطانيا شعار الحفاظ على الوضع القائم (Statu quo) بالمنطقة، وذلك تحسبا لكل ما يمكن أن يعرض مصالحها للخطر .
واعتمدت بريطانيا في نهج سياستها الجديدة بمضيق جبل طارق على القنصل إدوارد دراموند هاي Edward Drummond Hay الذي عوض القنصل دوغلاس Douglas ، بحيث عمل على تعزيز النفوذ البريطاني في المغرب على المستويين السياسي والاقتصادي .
والجدير بالذكر أن فرنسا قبل غزوها للجزائر، كانت قد قدمت للخارجية البريطانية ضمانا بعدم الاستمرار في احتلال الجزائر. غير أنه مع مرور الوقت أظهر الفرنسيون نواياهم التوسعية بالاحتفاظ بالجزائر، مما دفع الوزير الأول في الحكومة البريطانية آنذاك بالمرستون Palmerston إلى الاجتماع بالسفير الفرنسي في لندن قصد إخباره برغبة الساسة البريطانيين في أخذ تعهد من الفرنسيين بعدم غزو طرابلس والمغرب وتونس . غير أن فرنسا رفضت منح بريطانيا أي تعهد، بل أعربت عن نيتها في توسيع نفوذها في اتجاه المغرب، فاستغلت ظهور مقاومة الأمير عبد القادر الذي طلب المساندة والدعم من المغاربة، لتبدأ مناوشاتها على الحدود الشرقية للمغرب، بهدف جس نبضه .
وأثار ذلك انزعاج بريطانيا التي ضغطت على الفرنسيين من أجل عدم الهجوم على المغرب أو محاصرة سواحله. كما دعت السلطان إلى عدم تقديم المساعدة للأمير عبد القادر حتى لا يمنح للفرنسيين حجة أو مبررا لغزو المغرب .
تعرضت المحاولات البريطانية لنكسة كبيرة، بعدما مني المغرب بهزيمة ساحقة في معركة إيسلي 1844م أمام فرنسا، والتي حاولت استغلال هذه الهزيمة لإتمام غزوها للمغرب. غير أن بريطانيا سرعت من عجلة دبلوماسيتها، فقد عملت على احتواء الموقف بوضع حد للتوغل الفرنسي، والضغط على الطرفين المغربي والفرنسي من أجل التوقيع على معاهدة الصلح في 10 شتنبر 1844م، والتي حافظ من خلالها المغرب على استقلاله. ومن ثم حافظت بريطانيا على وجودها الآمن بصخرة جبل طارق.
وفي خضم المفاوضات الفرنسية - المغربية، أصيب إدوارد داراموند هاي بمرض حال دون قيامه بمهمته، وقد تم تعويضه بابنه John Drummond Hay الذي كان يتميز بحنكة كبيرة مكنته من كسب ثقة المخزن، وقد ساعده ذلك على تحقيق المصالح البريطانية بالمغرب .
وعلى غرار والده، فقد ركز جون دراموند هاي جهوده على القضايا التجارية بين المغرب وبريطانيا، إذ عمل على فتح السوق المغربية وكسر طوق السياسة الاقتصادية المغربية بالتوقيع على معاهدة تجارية جديدة تمنح البريطانيين امتيازات تجارية واسعة، مثل: تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات والواردات، وإلغاء الاحتكار المغربي لبعض السلع، فضلا عن السماح بتصدير بعض المواد المحظورة، مثل القمح والشعير .
وتحقيقا للأهداف السالفة الذكر، بدأ جون دراموند هاي مناوراته السياسية منذ سنة 1852م، فقد عبر أمام المخزن في مناسبات عديدة عن رغبته في تحديث الاقتصاد المغربي، وجعله قادرا على مواكبة التحولات العالمية خلال القرن 19م، داعيا السلطان إلى الاقتداء بالعثمانيين الذين استفادوا، حسب جون دراموند هاي، من النصائح البريطانية بحيث تخلوا عن نظام الكنطردات، مما أدى إلى تحسن أحوالهم الاقتصادية .
غير أن هذه المناورات السياسية لم تزد المخزن إلا تشددا و إصرارا من أجل الحفاظ على الوضعية الاقتصادية للمغرب، على الرغم من بعض التنازلات التي قدمها إلى هاي، مثل إلغاء الكنطردات المتعلقة بواردات بعض المواد.
وانطلاقا من نونبر 1854م، عاد جون دراموند هاي إلى ممارسة ضغوطه من جديد على المخزن. فقد قدم أثناء زيارته للسلطان بمراكش مذكرتين مفصلتين حول مطالب الحكومة البريطانية. تضمنت المذكرة الأولى ما أسماه هاي بالفوائد المختلفة التي يمكن للمغرب تحقيقها في حالة إدخاله تعديلات على سياسته التجارية، من خلال التوقيع على معاهدة تجارية جديدة؛ أما المذكرة الثانية، فقد التمس فيها من السلطان السماح للبريطانيين باستيراد 150 رأسا إضافية من الثيران لفائدة حامية جبل طارق .
وقد انتظر هاي أثناء زيارته طويلا، قبل أن يخبره المخزن بقبول بعض مطالب الحكومة البريطانية، وفي مقدمتها إلغاء الكنطرادة المفروضة على صادرات الثيران إلى جبل طارق، فضلا عن تمكين الجيوش البريطانية في حوض البحر الأبيض المتوسط من الحصول على ألف رأس إضافية من الثيران، إضافة إلى انتزاعه وعدا من السلطان بالشروع في مفاوضات ثنائية للتوقيع على معاهدة جديدة .
وبعد عودته إلى طنجة واجه هاي محاولات المخزن للتملص من الوعود السالفة الذكر. فقد انقضت المدة التي اتفق عليها كأجل لبدأ المفاوضات بين البلدين، دون وصول جواب سلطاني واضح، مما دفع بريطانيا إلى ممارسة ضغوط على المخزن كانت مرفوقة في حالات كثيرة بالتهديد الواضح . وقد دفع ذلك المخزن إلى فتح باب المفاوضات، انطلاقا من 19 فبراير 1856م، بهدف التوقيع على معاهدة جديدة بين البلدين. ولضمان نجاح المفاوضات، طلب هاي من حكومته توجيه سفينة حربية إلى طنجة، والتي وصلت يوم 22 فبراير 1856م، وكان على متنها بعض التجار البريطانيين المقيمين بجبل طارق، الذين قدموا لجون دراموند هاي مزيدا من الشكاوى.
وفي سنة 1856م صادق السلطان على المعاهدة المغربية البريطانية الجديدة، بعد مفاوضات عسيرة بين جون دراموند هاي ومحمد الخطيب . وقد شكلت هذه المعاهدة منعطفا جديدا في تاريخ العلاقات المغربية - البريطانية، إذ أصبح المخزن عاجزا عن التصرف بكل حرية داخل مجال نفوذه، في حين مكنت بريطانيا من ضمان مراقبتها لمضيق جبل طارق وترسيخ سياستها العامة بالبحر الأبيض المتوسط.
وكان أول تحد واجهته بريطانيا بالمغرب بعد توقيعها على المعاهدة السالفة الذكر ظهور المشكل المغربي - الإسباني الذي ظهرت بوادره انطلاقا من سنة 1859م ، وانتهى باحتلال إسبانيا لمدينة تطوان سنة 1860م، مما أثار مخاوف بريطانيا التي بادرت إلى البحث عن حل للقضية من خلال حث الطرفين على التفاهم وحل المسألة وديا .
لقد اعتبر البريطانيون احتلال تطوان ضربة قاضية لمصالحهم بمضيق جبل طارق، وهذا ما يفسر الجهود البريطانية المضنية من أجل حل القضية، والتوصل إلى اتفاق ينص على خروج الإسبان مقابل الحصول على غرامة مالية من المخزن . وتجنبا للوقوع في نفس المشكل مستقبلا، عملت بريطانيا على دعوة المخزن إلى إدخال إصلاحات جذرية على جهازه معتمدة في ذلك على الثقة الكبيرة التي حظي بها جون دراموند هاي من قبل السلطان. وقد استمرت هذه السياسة على الأقل إلى سنة 1886م، وهي نهاية حقبة هاي كقنصل عام بالمغرب.







اخر الافلام

.. مصر تستعيد ذكرى -معركة العلمين-


.. أسباب النسيان


.. منال سمعان وإيلي معلوف في أمسية -عالبال-




.. مسابقة المهارات العالمية 2017 في أبوظبي


.. حوار مع المطربة منال سمعان