الحوار المتمدن - موبايل



رقصة الخنجر في داريا

ليفانت، أدهم مسعود القاق

2017 / 8 / 13
الادب والفن


رقصة الخنجر في داريا، ليفانت أدهم مسعود القاق، ريف دمشق، جرمانا
في كل مساء تطل سلمى على ساحة مهرجان التظاهر في داريا، تعاين زواياها، ثمّ تتجه نحو مركز منصّة مسرحها التي ارتوت بدم حبيبها مُضر، تلتقط من عبير ورود داريا وحلاوة عناقيد عنبها ملامح حبّ مضى، ثمّ تجبلهم مع ذكرى حبيبها، فيحضر طيفه راقصًا رقصة عرسهما، تتحّسس الخنجر المصدّف الذي احتفظت به في ذاكرتها، وتحرّر أحمد من سياق الحكاية، تأخذه مغالبًا الموت، تناوله خنجره من جديد، فيشهره، ويتجّه نحوها راقصًا بارًّا بوعده.
الآن بإمكانك أن ترى قامته الممشوقة مجدولةّ مع هامتها كفراشة تطير حول لهيب ضوء شمعة، أنفاسه تعبق بأنفها تأبى مغادرته، عبيره سرّ حياتها، انظر جيدًا تجد كفّه تعبث بشعرها المنهمر على كتفيها كشلال غزير.
في كلّ مساء تبدأ حكاية رقصة الخنجر من جديد، يخرج مُضر من الحكاية، يتسلق النور، فتبرز عضلات أعضاء جسده الممشوق، وتلتحم بأعضاء جسد سلمى النديّة، فتعانق حريتها معه. تصل إلى ذروة المشتهى، ثمّ تنزلق نحو الفجر. تصرخ صرختها المدويّة معلنةً رجوعها من مملكة حبيبها مُضر. صرخة عرفها كل من بقي في داريا إيذانًا باستيقاظها، صرخة تؤكّد عدم موتها، تستحضر ذكرى تلك الليلة التي فقدت بها حبيبها، ذكرى مهرجان شهداء داريا في ريف دمشق، عندما كانت أصوات الحرية تخترق سماء سوريا.
***
قبل أن تنقطع الوفود المتوافدة من بلدات ريف دمشق وأحيائها عبر الدروب الموصلة إلى قلب داريا، إلى ساحة الشهداء فيها، انطلقت الألعاب الناريّة إيذانًا ببداية مهرجان التظاهر في (جمعة الثأر لدماء شهداء الثورة) من دون أن تخمد هتافات المتظاهرين في ساحة المهرجان ومحيطها المتداخلة والصادحة غضبًا:
- لا إله إلاّ الله والشهيد حبيب الله، ثم يتداخل مع هتاف آخر لمظاهرة أخرى:
- داريا نحنا معاكي للموت، وأخرى تدخل الساحة من جهة مغايرة:
- وسمعوا الحرية من القدم الأبية، يا شهداء الحرية، ثمّ تسمع:
- جرمانا نحنا رجالك، الله يلعن خوّانك.
ثمّ اكتظّتِ الساحة بالمتظاهرين، عندما عاد المشيّعون من مراسيم دفن شهدائهم الذين سقطوا برصاص شبيحة السلطة وقواته في ذات اليوم.
فوق الأكتاف، ترى مُضر يهتف لشهداء الثورة، وهو يشخص بنظره إلى منصة المسرح. تراه يلوّح بخنجره بحركات بهلوانيّة، تشعرك كأنما آخرًا حاضرًا في لا وعيه، ثم تغمض عينيك فيتراءى لناظريك راقصة بقدّها الممشوق، تشاركه معانقة الشمس.
يلمح مضر سلمى، فتحضر ضحكتها التي لا تفارق مخيلته. كيف لا، وهو الذي كان يرقب جسدها المفعم ببراعم الورد الجوري وبعبق الياسمين، جسدها الذي بدأ يتفتح منذ تلك اللحظة التي التقت عيناهما في المظاهرة الأولى التي انطلقت من جامع داريا الكبير، كيف لا، وذكرى سقوط حجابها عن رأسها، وهي مرفوعة تهتف في مظاهرة النساء، عندما سابته للأرض مستمرّة بهتافاتها غير عابئة بعيون الآخرين، راسخةٌ في مخيلته التي لا يفارقها خنجره الدمشقي المرصّع الذي كان يلوّح به هاتفًا للحرية، كيف لا، وهي التي تعرّف عليها في الشهور التي أخرجت الناس عن صمتهم، كيف لا، وقد حبكت قصة حبّها معه تحت نيران القصف والبارود والأحقاد والكراهية، كيف لا، واليوم ليلة زفافهما، المتوّجة لولوجهما سنّ الشباب، حيث ترفّعه إلى السنة الثالثة بكلية الطبّ، وقبولها بقسم اللغة العربية في كلية الآداب.
تشكّلت المظاهرة كتلةّ واحدة، وكان مضر لايزال فوق الأكتاف ملوّحًا بخنجره وهو يقودها نحو منصّة المسرح. كان يسابق خطاه للوصول إلى درب سلمى. هناك، في عمق المسرح، تنتظره، جسدها المهفهف في ثوبها الأبيض، طرحتها المطرزة بوريقات شقائق النعمان التي أبت أن تبقى رسمًا فتدلّت عناقيد من دم. اقترب مضر من منصة المسرح، وهو يرفع خنجره هاتفًا للثورة وسلميتها وشهدائها. التقت عيناهما، وسمع نداءها له أن يبرّ بوعده، كانت تتزايد لهفةً لرقصة الخنجر التي وعدها أن يرقصها أمامها.
في تلك الليلة وسط زغاريد الاحتفال باستشهاد شباب الحرية، كنت تسمع أناشيد الغضب العارمة، عندما كانت هامات النساء قبل الرجال تتراقص طربًا باستعادة كرامتهم، حينها صدحت موسيقا زوربا، فتمازجت أرواح تواّقة للثورة، وتعانقت أجساد، كنت تشهد على تقبيلهم لقوس قزح مطمئنين لعهد الله. اشتعلت الساحة طربًا ورقصًا، الأتربة شكّلت عواصف في فضاء الميدان، وكلمة حريّة طاغيّة على الموسيقا الصاخبة.
لحظة نهاية نشيد الحرية لزوربا اليوناني، كان مضر يهمّ بإشهار خنجره المنمنم بالصدف الأبيض والأحمر والأسود بارًّا بوعده لمحبوبته، أن يرقص أمامها رقصة الخنجر التي استلهمها من رواية حنّا مينة (الشمس في يوم غائم)، أومأ لرفاقه باستعداده للرقص، فتحلّقوا حوله، ثمّ توجّه بعضهم نحو منصة الحفل، وطلبوا من عريف الحفل إيقاف الخطب، وإنهاء خطبة شيخ البلدة التي لا يسمعها أحدٌ من المتظاهرين، لإفساح المجال للشباب أن يحتفلوا على طريقتهم، ولكنّ عريف الحفل تواطؤًا مع مثقفي وسياسي وشيوخ الأحزاب السياسية المتصدّرين زاوية معتمة رفضوا التنازل عن زاويتهم، فكان ردّ شابّ آخر حاسمًا، عندما انتزع الميكروفون من يد الخطيب الشيخ، وأسرع بتسليمه لقاشوش داريا، الذي ما توانى لحظة عن الإنشاد:
- يا للا ارحل يا بشار. يا للا ارحل يا بشار...
ليشتعل الشباب حماسةً، مقيمين الدبكات والرقصات، عبق المكان بالغبار من جديد، واستمرّ القاشوش لدقائق، ثم توقّف عن الإنشاد، وطلب من الجميع التفاعل مع عرس مهرجان ليلة جمعة الثأر لشهداء الثورة، عرس سلمى ومُضر، الذي أبى إلاّ أن يبرّ بوعده لعروسه، وهاهو سيتحفهم برقصة الخنجر. اتسعت خشبة المنصّة للعروسين، تقدّما سويّة، ثمّ حمل مضر عروسه، ووضعها أميرة على المرتبة العالية، كانت تضجّ حياة، بهاء لون خدودها الورديّ عانق باقات الورد التي نُثرت عليها، وشقائق النعمان ازدادت توهّجًا وهي تتدلى على أطراف رسوماتها، ثمّ اقتربت صديقتها وتوجّتها بإكليل من زهر الياسمين والفل البلدي، وجلست أميرة على مرتبتها. اتسع المسرح لمضر، شهر خنجره المرصّع بمنمنمات دمشقية، واقترب من عروسه، أوقفها، ولثم رأسها بقبلة طويلة، ووضع يده بيدها، وقدّما تحيةً وشكرًا عبر الميكرفون لجميع من يشارك في جمعة الثأر للشهداء، ثمّ شهق عندما ترحّم على شهداء الثورة، وردّد من وراء نشيجٍ أصابه ومن ورائه جمهور مهرجان شهداء داريا:
- على الجنّة رايحين، شهداء بالملايين.
برّ مضر بوعده، تقدّم من وسط المسرح، وشرع يرقص على نغمات صخب الموسيقا التي كانت تلاحق حركاته المتواترة. انذهلت الناس من رشاقته، كان يحرّك خنجره على إيقاع نبضات قلب سلمى المتسارعة، وكان عنقها المشرئبّ نحو قامته معانقًا السماء، ثمّ انضبطت قفزاته على إيقاع المتظاهرين الذين يتمايلون ويصفقون تماهًّيا مع رقصة الخنجر، حينها لا يبقى لك إلاّ أن تتساءل، هل بقيّ أحد يتذكر زوربا أمام رقصة مضر؟
بقيّ لك أن تشخص إلى سلمى وهي تقف ملاحقة حركات مضر، تمدّ يديها نحوه، تحاول الإمساك به، وكأنما تريد حمايته من خطر محدق، تتوق نفسك للوقوف أمام اندفاعها الوشيك على حبيبها. تغمض عينيك من جديد، وتدرك أن سلمى لن تتمكّن أن تحتضنه وتحميه، كان كالومضة يمرّ أمام ناظريها وهو يمتشق أشعة الضياء الواصلة إلى السماء.
***
ظلّ مضر يراقص محبوبته وثورته وداريا التي أحبّها، ظلّ يراقص أحلامه مع زوربا، كان الصدى عن ضمائر الناس في ومضاته الراقصة، كان الصدى على لارتطام صلبان طائفية الشبيحة القاتلة.
لم يتسن لمضر أن يعرف ما الذي جرى، في ليلة عرس شهداء داريا وليلة زفافه على سلمى، كان يحلّق في فضاء رقصته بارًّا بوعده لمحبوبته، عندما سمع أصوات انفجارات متتالية في ساحة المهرجان، ثم سمع أصداء صوت الشاعر:
من الخليج إلى المحيط، ومن المحيط إلى الخليج
كانوا يعدّون الجنازة / وانتخاب المقصلة
أنا أحمد العربيّ، فليأتِ الحصار / جسدي هو الأسوار، فليأتِ الحصار / وأنا حدود النار، فليأتِ الحصار / وأنا أحاصركم / وصدري باب كلّ الناس، فليأتِ الحصار
يا أيّها الجسد الذي يتزوّج الأمواج فوق المقصلة/ وتقول لا ............
ترددت أصداء لا لا لا في فضاء المهرجان، وغابت بعد أن أصمّت الانفجارات أذني مضر، وأعمت بصره، لم يعرف كيف تلاشى وجوده وسط عالم أبيض ملىء ببقع الدم، صار عدمًا في سكون رهيب، عجز عن اختراقه بصراخه الذي لم ولن يسمعه أحدٌ، كان توّاقًا ليلتصق بجسد سلمى برفقة خنجر رقصته، ولكن لفّه البياض من أعلى رأسه حتّى أخمص قدميه.
في لحظات الابيضاض تلك سمع عويل النساء وصراخ الأطفال، وشباب يتوعدّون المجرمين، تراءى له وجه سلمى الدامي وهي تعلي صرخات استنجادها به، ثمّ انقضاضها على جسده وهزّه بعنف ليحيا من جديد:
- مضر، مضر لا تموت يا مضر، الذين مثلك لا يموتون، انهض يا مضر، لا تتركني لوحدي يا عيوني، مضر أنا سلمى...
- ........................
خرج مضر من سياق الحكاية، أما سلمى فكانت الحكاية التي داومت على إحياء روحه من جديد، تحرّك جسده، تهزّه بعنف، تقبّله، تعتذر منه، وتحاول إيقاظه، التصقت بجسده، ثمّ أطبقت شفتيها على شفتيه باثّةً الحياة في جسده المدمّى، اختلطت شقائق النعمان المتدليّة من فستان عرسها بدمائه، توحّدت مع جسده، توحدّت ثوانٍ خالتها سنين مديدة، حتّى جاء من أيقظها، رفعوها عن جسده، ولكنّ اغيبوبتها استمرّت إلى أن رفعت يدها نحو جسده المحمول على نقّالة، كانت تلامس بكفّها ما تيسر لها من جسده، بقيت بجانبه في غرفة الإسعاف إلى جانب مسعفيه.
***
عندما حاول الطبيب إيقاظه، رفع يد مضر، فبحلق بعينيه، ثم ذرف دموعًا، وصمت أمام عيونهم المتسائلة، أبت كلماته أن تتشكّل ألفاظًا منطوقةً، صمته والغصّة التي اجتاحته، جعلت من صرخة سلمى تشقّ عنان السماء، مرتمية على جثمان حبيبها، راجيّة الموت صارخة:
- طلقة رحمة يا شباب، طلقة رحمة يا أمي، موتني يا الله، موتني، يا الله...
هناك في كواليس المسرح، كان يختبأ آخرون، غرباء عن الثورة، تقدّم أميرهم ورفع الخنجر عن الأرض، قبّله، وسار أمامهم، كانوا ملتحين، رفعوا رايتهم السوداء وانسلّوا خارج الساحة.
أما سلمى فدخلت في عتم دروبها التي أفضت بها إلى المشفى الميداني لمعالجتها من الصدمة النفسيّة، كانت تحمل مضر روحًا هائمة فوق رأسها، وجسدًا يبثّ روائح ياسمين الحب، وصهيلًا جامحًا يلفّ كيانها، هاتفًا للحرية على الدوام، بارًّا بوعده لعروسه، راقصًا على أنغام حبّهما.







اخر الافلام

.. فنانون سوريون يحاولون الحفاظ على الإرث الثقافي السوري على طر


.. منوعات الآن | تعرف على الممثلات الأعلى أجراً لسنة 2017


.. هشام عباس: لم أدرس الغناء وكانت هواية بالفطرة




.. خلوق السينما المصرية -حسين صدقى-دفنه شيخ الأزهر ..ولم يحضر ج


.. صباح العربية: -يوم في الحرم- فيلم وثائقي عن المسجد الحرام