الحوار المتمدن - موبايل



أماكن سياحية فاخرة.. مراتع للأمراض!

سعاد أبو ختلة

2017 / 8 / 13
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية


تتزين صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بأطباق جميلة، زاهية، تفتح الشهية، ويذيلونها بهشتاق اسم المكان، وتتباهى نساء بأن وجبات الطعام التي تقدمها لعائلتها وضيوفها، من المطابخ الفاخرة، التي لا يخلو شارع في غزة - رئيسي، أو فرعي- منها، روائح التوابل تعبق المكان بنكهات مخدرة تجذب المارة لابتياعها، لكن ما خلف الرائحة الشهية والصورة البهية، مطابخ هي مرتع للقمامة والروائح العفنة، أماكن بمنأى عن شروط الصحة والسلامة المفروض توفرها في مثل هذه الأماكن.
على امتداد الساحل، مئات الأماكن، التي تزدحم بالرواد طيلة الصيف، شاطئ البحر، المتنفس الوحيد لأهالي القطاع، الذين يهربون من الزحام وضجيج المولدات الكهربية وسحب الدخان الأسود لينعموا بهواء الشاطئ العليل، وبسبب تلوث الشاطئ تمنع العديد من العائلات أطفالها من النزول للماء والاكتفاء باللعب على الشاطئ، وتعوضهم بابتياع بعض المأكولات من المطاعم الممتدة على طول الشاطئ، يهربون من تلوث لآخر، يظنون أنهم يحمون عائلاتهم لكنهم يسلمون حياتهم لمنظومة أخرى من الاهمال...
في أحد المنتجعات السياحية، حيث الشاطئ الجميل في الجنوب، شعرت بسكينة، وأردت أن أعتمد المكان لتنعم عائلتي بإجازة هادئة، بعيدا عن منغصات السياسة والساسة، صوت الموج والاطلالة الجميلة سلبتني روحي، لذلك أردت أن أطمئن لكافة المكان، الوجبات الشهية، جميلة التقديم، كيف هو المطبخ الذي يعدها، من هو الطاهي، وكيف يعد الطعام؟! تسللت للمطبخ، وألقيت نظرة سريعة على المقصف الخارجي حيث تعد المشروبات السريعة ، رف من الرخام يزينه بعض الزهور، العديد من عبوات الأرجيلة على الطرف الآخر، هذا ما يبدو للعيان، لكن الصورة من الخلف كئيبة، ابريق شاي اختفت معالمه يغلي بالماء فوق انبوبة بوتجاز صدئة، شوال من السكر فاغر فاهه، يلتقط ما يتطاير هنا وهناك، وفي الطرف الآخر حوض مليء بفناجين القهوة والشاي، وبقايا السجائر.. وفي يسار المكان، ممر صغير، يؤدي لمطبخ صغير مكتظ، نظرت سريعاً في جنباته، وأنا مصدومة على الباب، أريد أن أستفرغ ما تناولته منذ ولدت، الأرضية مزيج من الماء والطين ودماء اللحوم التي تصطف بصناديق بجوار الجدار ولصيقة بها صناديق الخضار، أرفف مليئة بالأواني القذرة، عبوات التوابل متناثرة بغطاء أو بدون، بعض أكياس المعدات مفتوحة ومتساقطة أطرافها بألوان تغير لونها الشفاف، منغمسة في سائل ما والطاهي منهمك بتتبيل الدجاج بيديه وسيجارته تنفث دخانها من بين شفتيه مع التتبيلة، استدرت سريعاً وكأنني في فيلم رعب، لم ألتقط أنفاسي، وشهقت حين ارتطمت بأحدهم، وقد تراءى لي زومبي، بالكاد سمعته يقول لي الحمام من هناك يا مدام، ظن أنني أخطأت، هززت رأسي وخرجت سريعاً توجهت للشاطئ، كيف نتناول السموم بمقابل مادي باهض، كيف ندلل أطفالنا بالسموم، كيف تمنح هذه الأماكن رخصة للعمل، من يمنحها، وماهي المعايير التي بمقتضاها تمنح رخصة لمزاولة العمل، هل يتم متابعتها من قبل لجنة الأمن والسلامة التي من المفترض أن تتكون من وزارة الاقتصاد والصحة والطب الوقائي والتموين والشرطة، هل يتم مخالفتها واغلاقها اذا لم تنصاع لشروط السلامة، الأسئلة مشروعة، لكن أجوبتها ليست كذلك، التقيت بصاحب المكان الذي رحب بنا وتمنى منا ارتياد المكان وسنلقى أفضل خدمات، فصدمته بقوة قائلة: لكن مستوى النظافة سيء، اكتفى بهز كتفيه، ومط شفتيه، ليخبرني بلغة الجسد، هذا هو الموجود، اذن لامبالاة، هذا هو الموجود، علينا أن نقبل، أن نرضى بما هو موجود، في المقابل، كل المنظومة فاسدة وقذرة، البدائل ليست أفضل حالاً، ومن لم يمت قهراً، مات هرباً من القهر، هذا هو الحال فعلينا أن نرضخ، استفزني الوضع فقلت له، اذا كان الرجال لا يجيدون أعمال النظافة، وظفوا النساء، هناك العديد من النساء يبحثن عن عمل، لو سنحت لهن الفرصة سيقمن بعمل جيد، فقال: لكن المجتمع لا يقبل، المجتمع يقبل أن يدمر حاضره ويشوه مستقبله، ولا يقبل بالنساء.. وفي كل الأحوال هذا ليس مبرراً لانعدام النظافة، هناك معايير يجب اتباعها في تجهيز مطابخ هذه الأماكن من حيث المساحة والتجهيزات، شروط الصحة، ما يجب أن يرتديه الطاهي وما يجب أن يقلع عنه، نوع المادة المصنوع منها أواني الطهي، عبوات زجاجية محكمة الاغلاق للمواد المستخدمة، جلايات كهربائية لتنظيف وتعقيم أواني التقديم، ثلاجات تعمل على مدار الساعة، ليس لمدة ساعتين يومياً، تفسد الأطعمة ويعاد طهيها واخفاء عيوبها بالتوابل والمنكهات، كيف يفكر هؤلاء، وهم يحضرون عائلاتهم ليتناولوا طعاماً يعرفون أنه فاسد، هل التوكل على الله وأنه لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا يعني أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة؟!، ألا يخشون على أطفالهم والسرطان ينهش أجسادَ شيبٍ وشبابٍ، أم هي فكرة لأعيش اليوم وأدع الغد لغده، هل طالت اللامبالاة أرواحنا بحيث نلقي بها للهلاك وكأننا ننتقم من جلادينا بذبح أنفسنا ببطء يعذبنا ولا يؤثر بهم؟
إلى متى سنظل ندفع فاتورة انقسام بغيض، طال أرواحنا، فأصبح ذبح الروح أهون من التذمر، من الغضب، والسعي للتغيير؟.







اخر الافلام

.. من فعاليات نادي المسنين في كفر كنا اثناء استقبال ضيوف نادي ا


.. يوميات نجوم بلا حدود | تعامل عماد مع مهمة قديمة بطريقة جديدة


.. حوار حصري مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي




.. -الرزين-.. يكشف انتهاكات الإمارات


.. هل تسعى المليشيات الكردية لتكريد الرقة؟