الحوار المتمدن - موبايل



قناع المثقف

عبد المجيد السخيري

2017 / 8 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


مكر الصدفة جعل عنوان إحدى جلسات مهرجان مغربي("ثويزا" بمدينة طنجة) يطابق حرفيا عنوان خاتمة قسم كتاب لي قيد التنقيح حول المثقف. عنوان الجلسة كان هو "في الحاجة إلى المثقف"، وعرفت استضافة اسمين يحظيان بحضور إعلامي مهم بفضل تواجدهما المستمر على منصات التلفزيون والمواقع الإلكترونية، وهما لسخرية الموقف من خلفيتين متصادعتين: الأول هو السيد "عبد الباري عطوان"، وقدمه تقرير لموقع إلكتروني محلي بصفة المفكر(ونحن لا نعرف للسيد "عطوان" أطروحة ولا مذهبا فلسفيا) والإعلامي(وهي صفته المهنية بكل تأكيد). والمعروف عن السيد "عطوان" أنه قومي التوجه ومتعاطف مع الاسلاميين الجهاديين في أفغانستان والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها، كما عُرف بمناصرته العلنية لزعيم القاعدة أسامة بن لادن الذي وضع عنه كتابا قيد حياته، وكان يحرص على وصفه بالشيخ من باب التوقير، وهو طبعا كان يجمع إلى حب الشيخ هيامه في "البطل والقائد الهمام" صدام حسين قبل الإطاحة بنظامه وتصفيته! ولهذه الاعتبارات كان "عطوان" الضيف العزيز والدائم لقناة الجزيرة أيام مجدها، إضافة أخرى قنوات فضائية أخرى. أما الضيف الثاني، فهو السيد أحمد عصيد، المعروف بأنه ناشط أمازيغي وحقوقي، تميّز في السنوات الأخيرة بكثرة مناوشته لإسلاميي القصر حتى صار يتصيد هفواتهم في كل مناسبة لُيدبّج مقالاته الإلكترونية، وهو محسوب على ما يسمى بالصف "الحداثي الديمقراطي" الذي صار له اليوم أكثر من راع.
لا يهمنا الخوض هنا في موضوع الجلسة وخلفية اختيارها لموضوع من قبيل "الحاجة إلى المثقف"، إنما نود فقط أن نشير بشكل سريع إلى ظاهرة التقنُّع التي أضحت تغلب على كثير من أشباه المثقفين في زمننا، خاصة حين يتعلق الأمر بالحديث عن موضوع "المثقف". والمقصود أن يتقنّع المتحدث أو يتقوّل بما لا يفعل، أو في أحسن الأحوال أن يستعير قناعا يرتاد به منصة أو يتناول به كلمة بمناسبة أو دعوة ويبدله كلما دعت الحاجة إلى ذلك، مثلما فعل السيد "عطوان" الذي يبدو أنه لم يجد ما يقوله في المثقف سوى أن وضعيته تبعث على الأسى بسبب ما أصبح عليه حاله من تكسُّب لدى الفضائيات والسلطات، في حين يدين صاحبنا بشهرته بين أقرانه للفضائيات بالتحديد، وقد قضى وطره من أكثرها رواجا، بقدر ما لا يخفى على كثيرين محاباته لجهات بعينها وهُيامه العلني في أصنام الأنظمة التسلطية في أكثر من بلد، وليس آخرهم الديكتاتور التركي الجديد الذي يرفعه إلى مقام بطل التاريخ المعاصر للأمة ويسعد بسعيه إلى استعادة أمجاد العثمانيين المزعومة كغيره من أيتام القومية الفاسدة بعد أن أصبحوا بلا زعيم ملهم وجبّار. يمكن للسيد "عطوان" أن يفتي على أتباعه من زابور "أردوغان" أو من إنجيل "المسيح الدجال"، فله ذلك ومن حقه بكل تأكيد، لكن أن يعطي الدروس في النزاهة الفكرية والاستقلالية، وينصب نفسه أستاذا يمنح النقط للنظام المغربي في احترام الحريات، فهو تعالم فيه من التطاول والعجرفة ما يبعث على التقزز. والأسوء أن يحشر أنفه في قضايا أكبر منه ويتصرف كمفتي الحقيقة وحارس معبد الاستقرار، ويذهب بمزاعمه إلى التشكيك في شرعية نضالات الشعب المغربي، وهو أمر يستوجب الشجب والاستنكار، فبالأحرى أن يركب نظرية المؤامرة البائسة ليبعث برسائل إلى أصدقاءه في مربع الحكم وهوامشه ويعيد اجترار تلك الأسطوانة المشروخة لتفتيت المجتمعات بتوظيف الأقليات العرقية، متجاهلا أن من ألمح إليهم في مداخلته بهذه الصفة ليسوا بأقلية، بل هم أغلبية الشعب المغربي وأبناء البلد الأصليين. ألا أن الشعب المغربي أدرى بشعابه إن كان قلب "المفكر" بهذه الدرجة من الرهافة ليخاف على استقرار "هذا البلد"!
أما السيد "أحمد عصيد"، فهو المثال الساطع للنسخة المحلية لنفاق المثقف الذي يجيد العزف على الأوتار في المناسبات لاستدرار العطف والتنويه، إنما هذه المرة، وفي هذه المناسبة بالذات، كشف عن نفسه أمام الملأ. يحق للسيد "أحمد" أن يعبر عن آراءه بحرية وجرأة، ولن يلزمه أحد لا برؤيته للأشياء ولا بالأسلوب الذي يرتضيه للتعبير عن ما يخالجه من مشاعر وأفكار ومواقف، فهذا أمر بديهي بالنسبة إلينا على الأقل، بل هو تحصيل حاصل بالنسبة لأي شخص يؤمن بالحد الأدنى من المبادئ الديمقراطية في تباري الأفكار وتنافسها وصراعها. إنما كان من الأفضل أن يمر هذه المرة بالتحديد، وفي سياق المنعطف القمعي الذي نعيش أجواءه منذ شهور في المغرب، عن أي كلام عن شجاعة المثقف في قول الحقيقة، وهي بالفعل الصفة التي يوثرها المثقف الحقيقي في نفسه ويطلبها من أنداده، لأن هذا ما افتقده السيد "عصيد" وأمثاله من المثقفين "الأمازيغيين" في أكثر اللحظات التي كان فيها الناس بحاجة إلى سماع صوت المثقف مدويا وحضوره في الميدان للقيام بواجبه في التأطير أو على الأقل للمؤازرة بما تيسّر له من فعل رمزي أو مادي. فلطالما اشتكى هؤلاء من الحيف والإقصاء والتهميش المسلط على أبناء جلدتهم: فأين هي الشجاعة في قول الحقيقة للسلطة عندما كانت جحافل قواتها القمعية تنهال على المحتجين في الساحات وتسلخ المعارضين لسياساتها على الملأ في الريف وغيرها من مناطق الهامش؟ أين هي الشجاعة في الدفاع عن الحقوق الثقافية والاجتماعية للأمازيغ ولباقي أطياف الشعب المغربي، التي حمل جزءا منها حراك الريف وأرسله عبر كل الأشكال والقنوات خلال أزيد من تسعة أشهر؟ لماذا توارى أغلب هؤلاء عن الأنظار واكتفى بعضهم بإرسال عبارات التضامن بخجل؟
لا تنفع الفذلكة ولا التبريرات الملتوية من يحسب نفسه مثقفا نقديا ومستقلا حين تخونه المواقف الحاسمة والواضحة في الوقت المناسب والمنعطفات، وتنقصه قبل كل شيء الأفعال الصادقة والانسجام بين ما يدلي به من كلام معسول في القاعات المكيفة، وبين ما يصدر عنه من أفعال مخزية ومواقف جبانة في الأوقات الصعبة والمفصلية.







اخر الافلام

.. ما وراء الخبر-مسؤولية التحالف العربي عن مقتل الأطفال باليمن


.. قتلى وجرحى بعملية دعس في برشلونة


.. حراك الجنوب اليمني يعتبر دور الإمارات احتلالا




.. دعوة السبسي للمساواة بالإرث تثير جدلا واسعا بتونس


.. أوروبا.. حوادث الدعس