الحوار المتمدن - موبايل



الصور الجميلة

مروة التجاني

2017 / 8 / 26
الادب والفن



يقرأ البعض الروايات كقصص مسلية ، تمضية للوقت ، لأخذ العبر والدروس .. لكن حين تقرر عزيزي القارئ أن تقرأ لسيمون دو بوفوار يجب أن تكون حذراً ، متأهباً وقلق فالفيلسوفة الوجودية شأنها شأن أصحاب المذهب الوجودي يضعون فلسفتهم الكبيرة في خيوط الأدب ، ستدهش لأن القصة تتعلق بالمصير الفردي والسؤال الوجودي ( لماذا نحن موجودين ) الذي ستراه متكرر في الفصول الأربعة من روايتها الخالدة ( الصور الجميلة ) ، رواية قصيرة لكنها ثقيلة ، عنيفة وكثيفة ولربما في حال فهمك للمذهب الوجودي وقراءة هذه الرواية ستغير حياتك ، إتجاهك وطرق تفكيرك عن الكون ، الزمن وبالطبع الصور ، يا أحبتي تمسكوا بقلوبكم وادخلوا إلى معرض هذه الرواية .. إذا كنتم تبحثون عن الرضى ، السعادة ، الأمان والإجابات فأنتم للأسف لن تجدوا في هذه الرواية سوى القلق ، البحث الشاق ، المعاناة الداخلية والسفر المؤلم .. الآن لندخل إلى عالم الجميلة سيمون دو بوفوار بحذر ..


- تفضح سيمون عالم الرأسمالية متمثلاً في شخصية رجل ثري يلاحق رغباته الخاصة دون مراعاة لشعور الآخرين ، وسيدة تلاحق ذات الرجل بحثاً عن المكانة الإجتماعية التي تعني المال .. المال هو من يحدد قيمتك في الحياة . هنا يطرح سؤال هام وماذا عن الأنسان ككائن موجود هل نقيس ماهيته بحجم المال الذي يملكه ؟ . لكن الصراع بين المال وماهية الكائن البشري ( حتى إذا كان عدو ) صراع قاسي تطرحه سيمون عبر بطلة الرواية ( لورانس ) التي في لحظة وجودية قررت التضحية بمبلغ كبير من المال الذي عليها هي واسرتها الصغيرة أن يعيشوا عليه لتنقذ راكب دراجة لا تعرفه .. كان يمكن أن تقتله ببساطة وتكون بريئة بشهادة أصدقاء راكب الدراجة لكنها اختارت الحياة . في حياتك ستندم حين تدفع مبلغ مالي لحياة شخص لا تعرفه ولربما لن تتذكر ملامحه إذا صادفته مرة أخرى .. ستشعر بالندم لأن أطفالك يحتاجون هذا المال .. يقول سيدنا ميكافيللي فيما معنى الحديث أن الأنسان حين تقتل أخاه على سبيل المثال لن يشعر بالندم بعد فترة أما حين تنزع عنه ماله فسيظل يطاردك . وهنا سيمون تعكس الصورة لنرى عبر الأحداث كيف أن قضية المال وحياة كائن بشري واحد ستشكل صراعاً داخلياً طويلاً يقودها في آخر المطاف للبحث في ماهية الوجود الأنساني .



في المدينة الحديثة فقدت الأشياء قيمتها وتحولت لمجرد سلع جميلة للبيع ، وما يقدمه الأعلان إنما هو ايديولوجيا رأسمالية خفية ( كما قال سيدنا سيلافوي جيجك ) فبطلة الرواية مصممة إعلانات تهدف إلى إرسال اسئلتها الوجودية عبر ما تقدمه ولكنها في المدينة الحديثة الغنية بالمال تجد أن الإعلان يفقد قيمته حين يعرض للزبون فتصاب بالإحباط .. لكن هل الإنتقال إلى مدينة فقيرة سينقذها ؟ حيث لا إعلانات صاخبة ولا رأسمالية متوحشة ؟ الإجابة لا .... هناك في اليونان الفقيرة ستجد الناس أشقياء في حياتهم ، يقتلهم البؤس والنظم الديكتاتورية ، ستجدهم ينظرون إليها وكأنها قادمة من زمن آخر ، مدينة حرة .. وفي هذا البؤس الإعلان ميت ( لا يقدم ولا يؤخر ويحمل ايديولوجية الكراهية ) إنها امرأة غريبة في باريس أو اليونان .. فالكل سواء ولكن تبقى ماهية الإنسان وحدها ، وهو ذات القلق الوجودي يطرح في جميع المجتمعات .


تطرح العزيزة سيمون دو بوفوار في الرواية مسألة إشكالية الصورة بين الماضي المتمثل في شخصية والدها والمستقبل المتمثل في شخصية زوجها ، ونعني بالماضي الصور القديمة التي تحمل على سبيل المثال صور السكك الحديدية ، حسناً الكل يعشق الصور القديمة ولكنها تحمل رمزية لزمن لم يعشه الفرد ( الزمن الناقص ) ومن عاش هذا الزمن لربما كان يجد هذه الأماكن ( التي ننظر إليها بإعجاب ) عادية ، ممله وغير ذات دهشة لكن من يعيش في الوقت الراهن يحاول عبر هذه الصور تعويض زمنه الذاتي الناقص بحيث يهرب من اللحظة الحاضرة ( الوجود الحالي ) إلى حيث تأخذه الصورة وهذا ما يسمى بـ( الأثر المندثر - وينطبق على جميع الصور التي نشاهدها في حياتنا اليومية ) . سيمون في حال نظرت إلى الشركات والمؤسسات كذوات تجدها تحتفظ بذات الصور كنوع من الحنين إلى الماضي فمثلاً تحرص شركات الكهرباء على الإحتفاظ بصور لباريس القديمة لتقيس حجم الإنارة في الماضي كحنين خاص بوجودها بما هي ذات وكذلك ينطبق الأمر على شركات النقل الحديث . أما المستقبل الذي يرويه زوجها فينطبق عليه ما ينطبق على الماضي حيث الحنين إلى زمن قادم نراه في التقنية والرحلات إلى الكواكب إنه حنين إلى زمن لم يأتي ( الأثر المندثر ) لكن في المستقبل الأثر يطرح السؤال الوجودي بقوة حيث ستندثر أنت قبل المستقبل وسيراودك حنين إلى أشخاص لم تعرفهم إلا عبر الصور ( الماضي والمستقبل معاً ) .. أنت هنا محاصر في الصورة ( الأثر ) .


____________________

إن الأنسان في جميع البلدان ، اشتراكية كانت أم رأسمالية ، مسحوق بالتكنيك ، أسير لعمله ، مقيد ، متبلد . والشر كله يأتي من أنه أكثر حاجاته بينما كان عليه أن يضبطها ، وبدلاً من أن يسعى إلى رخاء ليس له وجود ، و ربما لن يوجد أبداً ، كان ينبغي له أن يكتفي بحد أدنى حيوي ، كما لا تزال تفعل بعض الطوائف الفقيرة جداً - في سردينيا واليونان مثلاً - التي لم ينفذ التكنيك فيها ولم يفسدها المال . هناك يعرف الناس سعادة زاهدة لأن بعض القيم محافظ عليها ، قيم إنسانية حقاً تتعلق بالكرامة والأخوة والكرم وتمنح الحياة مذاقاً فريداً . وما دمنا ماضين في خلق حاجات جديدة ، فأننا نضاعف ألوان الحرمان . ومتى بدأ السقوط ؟ يوم فضلنا النفع على الجمال . ثورة أخلاقية فقط ، وليس سياسية ولا اجتماعية ولا تكنيكية ، هي التي سترد الأنسان إلى حقيقته المفقودة . ويمكننا على الأقل أن نقوم بهذا التغيير لحساب تلك الثورة ، وإذ ذاك يصبح الفرح في متناولنا ، بالرغم من عالم العبث هذا ومن الفوضى التي تحاصرنا .

- مجتزأ من رواية الصور الجميلة لسيدتنا سيمون دو بوفوار .







اخر الافلام

.. شيرين رضا تروى تفاصيل وكواليس فيلم -فوتوكوبى-


.. محمود حميدة عن يوسف شاهين: -كان بيخلى الممثلين تتهته-


.. فرانس24 تطلق قناة جديدة باللغة الإسبانية




.. الفنان محمد رمضان يصل دمنهور للمشاركة فى مؤتمر -الهجرة غير ا


.. حوار مع الفنان التشكيلي مهند عرابي