الحوار المتمدن - موبايل



اتيان دولا بويسي مؤولا: العبودية طوعية والحرية بيد الشعب

عبد الله عنتار

2017 / 9 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إتيان دولا بويسي مؤولا : العبودية طوعية والحرية بيد الشعب .

1) من هو من اتيان دولا بويسي ؟

ولد الفيلسوف دولا بويسي في مدينة سارلات قرب بوردو في الجنوب الغربي لفرنسا سنة 1530، كان والده أنطوان قاضيا ووكيلا لدى الطبقة الارستقراطية ، توفي وترك ولده إتيان صغيرا في عهدة عمه استبان الذي كان بدوره قاضيا وكاهنا، فتولى تربية ابن أخيه وصار بالنسبة له بمثابة الأب الثاني .اهتم دولا بويسي بدراسة الإنسانيات، قام بدراسة النصوص القديمة، اليونانية و اللاتينية، درس الحقوق في جامعة أورليان، وفي تلك الفترة وضع مقالته : في العبودية المختارة سنة 1547، تم تعيينه مستشارا من طرف الملك هنري الثاني في برلمان بوردو عقب حصوله على شهادة الحقوق قبل عامين من بلوغه السن القانوني الذي هو سن 25، وفي سنة 1560 تم تكليفه من طرف ميشيل دو لوبيتال (مستشار الملك كاترين دولا ميدسين ) بأن يشرح لأعضاء برلمان بوردو المنحازين للكاثوليك أهمية السلام ووضع حدا للحرب الدينية المشتعلة بينهم وبين البروتستانت، وبعد صدور المرسوم الملكي كصك قانوني يضع حدا لها، كتب دولا بويسي أن العنف لا ينهي الحرب الدينية، بل يشعلها أكثر من ذي قبل .في هذه الفترة، تزوج اتيان دولا بويسي من امرأة تدعى مرغريت دو كارل ابنة رئيس برلمان بوردو ، لكن في سنة 1563 أصيب دولا بويسي بمرض خطير يرجح أنه مرض السل، فقرر السفر إلى منطقة ميدوك، إلا أن وضعه الصحي تدهور وهو ماض في طريقه، فعرج عند صديقه البرلماني دولستوناك حيث أمضى أيامه الأخيرة، وهناك كتب وصيته الأخيرة، وفي 18 من غشت عام 1563 لفظ اتيان دولا بويسي أنفاسه الأخيرة عن سن 32 تاركا خلفه كتابا هاما يعد بمثابة منفست لتحرير العبيد، إنه كتاب :"مقالة في العبودية المختارة".يعد هذا الكتاب مرافعة ضد الطغيان، حاول من خلاله دولا بويسي البحث عن العوامل وراء خضوع الناس لشخص واحد، مع العلم أنه لا يملك أية سلطة غير ما أعطوه، فلماذا يخضع الناس لسلطة هذا الرجل الذي يحكمهم وهم من منحوه السلطة التي بها يستعبدهم ويجردهم من حقوقهم ؟ لقد تضمنت دراسة لا بويسي عدة نماذج من الحكام المستبدين عبر التاريخ مثل حكام اليونان والرومان، فسحت له المجال لنقد واقعه السياسي والرغبة في تحرير العبيد من بطش المستبدين.
وترجع الأسباب التي دفعت دولا بويسي إلى تحرير هذا الكتاب إلى الحرب الدينية المسعورة بين الكاثوليك والبروتستانت، بالإضافة إلى انتفاضات الفلاحين ضد بطش النظام الملكي بسبب التعسف الضريبي . وانطلاقا من هذا الكتاب يسائل دولا بويسي شرعية من يسمون أنفسهم اسيادا وملوكا أو طغاة مهما كانت طريقهم للوصول إلى السلطة سواء بالقوة أو الوراثة أو الانتخاب وحسب دولا بويسي، فالملوك يستحوذون على السلطة ليس لأنهم لديهم كفاءة أو أنهم يحسنون تدبير الحكم، بل إن العادة (التي هي أكثر من الخوف ) هي ما دفعت الشعوب لقبول العبودية والعيش في ظل الاستكانة والخنوع، ويلعب كل من الدين والخرافة دورا كبيرا في تكريس الخضوع لدى فئة واسعة من الشعب المحكوم عليها بالجهل المقدس ويؤكد دولا بويسي أن سر كل طغيان مرده إلى إشراك فئة من المستعبدين من أجل اضطهاد الأغلبية المستعبدة ويرمى إليها بالفتات، فتحدس رغبة سيدها قبل أن يأمر بها، إن هذه الفئة تقبل عبوديتها بكل إرادتها، بينما الشعب يكون مرغما عليه، هكذا يتعملق هرم الطغيان، فإذا كان الحاكم يخضع خمسا، فالفئة المتملقة تخضع مئة والمئة تخضع ألفا حتى يتم إخضاع الشعب كله، غير اتيان دولا بويسي يرى أن هرم الطغيان يسقط لما يكف هؤلاء المتملقون عن تعقب فتات سيدهم، عندئذ يفقد سلطته ويعطي دولا بويسي الكثير من النماذج التي حصلت في التاريخ .

2) الكتاب مؤولا : العبودية طوعية والحرية بيد الشعب إذا أراد ذلك !

يبدأ دولا بويسي كتابه بقولة لاليس (بطل أسطوري يوناني) (1 ) : (لا أرى خيرا في تعدد الأسياد، كفى سيد واحد وملك واحد) وتمنى دولا بويسي أن يقول اليس : (لا أرى خيرا في تعدد الأسياد)، لكان قوله أوفى لأن السلطان الواحد حالما يأخذ لقب السيد يصير قاسيا وفظا وعنيفا، لكن دولا بويسي يعذر اليس الذي كان في حاجة إلى هذه اللغة لتهدئة شغب الجيش وأن كلامه مطابق لزمنه أكثر من مطابقته للحقيقة، وعلى الرغم من ذلك، إن البؤس الذي ليس كمثله بؤس هو خضوع المرء لسيد لا يمكن الاطمئنان إلى صلاحه لأنه بمقدوره أن يكون شريرا متى أراد ذلك، وإن تعدد الأسياد هو مكابدة لأقصى البؤس مرارا بعدد هؤلاء الأسياد. وعلى ضوء ذلك، إن ما يريد يفهمه دولا بويسي هو الجواب على السؤال التالي : كيف أمكن لكثير من الناس والبلدات والمدن والأمم أن تتحمل أحيانا وطأة طاغية لا يملك من القوة إلا ما أعطوه ولا قدرة له على أذيتهم إلا بقدر ما أرادوا أن يتحملوا منه ؟ إن الجواب الذي يعطينا إياه دولا بويسي يتلخص على الشكل الآتي : إن الشعب يفضل المعاناة على المعارضة، ثم إن رؤية الملايين من الناس يخدمون على نحو يرثى له والنير في أعناقهم من دون أن يكونوا مكرهين على ذلك مرده إلى الافتتان والإعجاب والسحر من لدن اسم واحد وشخص واحد، وعلى الرغم من أن لا سلطة لديه على اعتبار أنه أعزل ووحيد، وأن معاملته للشعب تفتقد للرحمة والإنسانية، فإن الرعايا يقبلون الخضوع ! فلماذا الخضوع؟ يتساءل دولا بويسي، إن نقطة ضعف البشر المركزية هي أنه يتوجب عليهم في أحيان كثيرة الخضوع للقوة، إن الشعب يكون ضعيفا ومنخورا في أحيان كثيرة، وفي هذا الصدد يعطينا دولا بويسي مثالا على ذلك: إن خضوع أثينا الديمقراطية لحكومة الطغاة الثلاثين الاسبارطيين (2 ) يدل أن الشعب مهما كان قويا لابد أن يخضع تبعا لظروف معينة، هذا ما حصل لأثينا، فهذه الأخيرة أول مدينة عرفت الديمقراطية في صيغتها التمثيلية المباشرة وإن كان يعتريها بعض مظاهر النقص لأن الأحرار دون غيرهم من كان يحق لهم التصويت والانتخاب والحكم، مع إقصاء المرأة والعبد والأجنبي، لا يشاطرني الفيلسوف السنغالي سليمان ديان في هذه النقطة، إذ أتى بمفهوم جديد ينتقد الديمقراطية الأثينية من حيث ادعائها للأسبقية، فالأفارقة بلوروا مفهوم: الحديث تحت الشجرة (l arbre a palapre) كمكان للنقاش يضاهي الاغورا الأثينية، ولكي لا نتيه في دراستنا للكتاب، يرى دولا بويسي أن الأثينيين فضلوا الصبر على الاستبداد وانتظار حظ أفضل في المستقبل!!! هذا دفع دولا بويسي إلى صياغة جملة من التساؤلات : ما هذا ؟ كيف نسمي هذا ؟ أي بؤس هو ؟ أية رذيلة بائسة أن نرى عددا لا يحصى من الناس لا يطيعون، بل يخدمون ؟ لا يحكمون بل يضطهدون؟ لا يملكون شيئا لا أهل لهم ولا نساء ولا أطفال لهم ؟ بل إن حياتهم كما يقول دولا بويسي ليست لهم، وهي عرضة لأعمال السلب والنهب، لا من قبل جيش ولا من قبل معسكر أجنبي غاشم يجب عليهم أن يبذلوا دماءهم وحياتهم في مقاومته، بل إنهم يقاسون ويعانون كل ذلك من واحد، لا هو هرقل ولا هو شمشون، وإنما رجل صغير غالبا ما يكون أجبن من في الأمة، لا عهد له بغبار المعارك، وهذا ما حث دولا بويسي إلى التساؤل : أ نسمي ذلك جبنا من الشعب ؟ إنه يسمى هذا الشعب برهط من الرعاديد المنهوكين، فلو امتنع اثنان، ثلاثة، أربعة عن الدفاع عن أنفسهم في وجه واحد، لكان ذلك أمرا غريبا، غير أنه ممكن ونقول أنهم يفتقرون إلى الشجاعة، أما إذا احتمل مئة أو ألف نقول أنه احتقار للشعب واستخفاف به، لكن أن يتم رؤية مئة بلد وألف مدينة ومليون إنسان خاضع، أ هو جبن يتساءل دولا بويسي ؟ إنها رذيلة مخيفة تأبى اللغة أن تسميها يجيب دولا بويسي، إن هذه الرذيلة ضد الطبيعة الإنسانية التي تنشد الحرية، يعطينا مثالا على ذلك : نضع 50 ألف رجل مقاتل يناضلون للحفاظ على حريته وينشد السعادة في الحاضر والمستقبل، وفي مقابل هؤلاء نضع 50 ألف مقاتل يقاتلون لانتزاع الحرية من الخصم مقابل مكافأة من أجل فرض العبودية والذل، أيهما سوف ينتصر يتساءل دولا بويسي ؟ يستغور دولا بويسي التاريخ، إن المعارك التي خاضها المحاربون اليونانيون ميلتيادس وليونيداس وتيمدستوكلوس منذ ألفي سنة رغم قلة عددهم ضد الفرس هي درس في الحرية، يؤكد دولا بويسي أن الشعب اليوناني انتصر لأنه كان تواقا للحرية ويعتبرها شيئا طبيعيا في الإنسان، وبالتالي إن الطاغية مهزوم من تلقاء ذاته لا محالة إذا أراد الشعب أن يهزمه، وإذا لم يقبل الشعب باستعباده له، يكفي الامتناع عن اعطائه أي شيء، ومن ثمة يرى دولا بويسي أن الشعوب هي التي تسلسل القياد لمضطهديها، فلو كفت عن خدمتهم لضمنت خلاصها، فالشعب هو الذي يسترق نفسه بنفسه وهو الذي يذبح نفسه بنفسه، إذ كان بوسعه أن يعيش في ظل قوانين جيدة تضمن حريته، لكنه فضل العيش في ظل القلق والاضطهاد إرضاء لحاكم مستبد، وفي ظل هذا الوضع يتساءل دولا بويسي : ما الذي هو أعز على الإنسان من أن يسترد حقه الطبيعي الذي هو الحرية وأن يعود إنسانا بعد أن أصبح حيوانا؟ وهل ثمن الحرية باهضا ؟ يتساءل دولا بويسي .يجيب دولا بويسي أن الحرية لا تنال بمجرد التمني، بل يدفع ثمنها، إن الحياة في نظر الشرفاء إن فقدوها كريهة والموت شافيا، والأنكى من ذلك يرى دولا بويسي أن المستبد لا يكتفي باستعباد الشعب إذا ما قبل هذا الأخير بعبوديته، بل إن المستبد كالنار المشتعلة كلما ألقينا فيها الحطب تزداد اشتعالا، كذلك الطغاة كلما نهبوا ازدادوا طمعا وعاثوا فسادا وتخريبا، والنار يكفي ألا نمدها بالحطب، فتأكل نفسها بنفسها وتخبو، كذلك الطغاة إذا لم يعطيهم الناس شيئا ويكفون عن طاعتهم يصبحون عراة ومهزومين كغصن ذابل بدون ماء يغذي جذعه، فجف ومات. يؤكد دولا بويسي أن الجسورين و الأذكياء والجبناء والمتراخون كلهم لديهم رغبات و مآرب، اللهم الاختلاف في الرغبة في الحرية، مع العلم أنها تنطوي على خير كثير ومتعة، وإذا فقدت تحل محلها العبودية والذل، وفي هذا الإطار يخاطب دولا بويسي أفراد الشعوب المقهورة لاستنهاض هممها : إنكم تتركون أجمل مواردكم تسلب أمام أعينكم وحقولكم تنهب وبيوتكم تسرق، وتحيون حياة لا يمكنكم أن تفخروا بأنكم تمتلكون فيها شيئا، وكل هذا الضرر والبؤس لا يأتيكم من قبل أعدائكم، بل يأتيكم على وجه اليقين من ذلك العدو الذي تعظمونه أيما تعظيم، وفي سبيله تهرعون إلى الحرب . يقول دولا بويسي إن هذا الذي يحكم سيطرته عليكم ليس له سوى عينين ويدين و جسد واحد، لا يملك شيئا إلا ما وهبتموه من القدرة على تدميركم! من أين له بالعيون الكثيرة التي تراقبكم لولا أنكم أعطيتموه إياها؟ كيف امتلك هذه الأيدي التي يضربكم بها لو لم يأخذها منكم؟ يضيف دولا بويسي تغرسون زرعكم لكي يقتلعه، تغذون أطفالكم ليكون أفضل ما يصنعه بهم أن يسوقهم إلى حروبه، ويقودهم إلى المجزرة ؟ تضعفون أنفسكم ليزداد قوة وعزما على أخذه بلجامه، ويلفت دولا بويسي أن كل هذه المهانات التي قد لا تشعر بها البهائم أو لا تحتملها يمكنكم الخلاص منها بمجرد الرغبة في الخلاص منها . يرى دولا بويتي أن عدم خدمة الطاغية تساوي الحرية، ثم إن عدم مساعدته تجعله يهوى كتمثال ضخم أزيحت قاعدته، فهوى وتحطم، غير أن دولا بويسي يؤكد أنه إذا كان الأطباء ينصحون بعدم مس الجراح التي لا تبرأ، فإن الشعب رضي بعبوديته وأن مرضه مميت وحب الحرية لم يعد شيئا طبيعيا، يناقش دولا بويتي طاعة الأهل مؤكدا أنها لا تعلمنا العبودية، بل تعلمنا الحرية باعتبارها نداءا للطبيعة وخضوع للعقل. لكن يغيب عنه أن الأسرة قد تكون هي مشتل العبودية، وهذا ما يؤكده في جانب آخر من كتابه، إذ يوضح أن الإنسان تولد معه بذرة من العقل، فإذا تلقى تربية حسنة يتربى على الفضيلة، وإذا لم تصمد في وجه الرذائل تموت، ومن هذا المنطلق : إن جميع البشر ولدوا أحرارا متساوين، وإذا كانت الطبيعة أعطت للبعض قدرات جسدية، والبعض الآخر قدرات فكرية ليس بغرض التنكيل ببعضهم البعض، بل بغاية نشر التعاطف الأخوي، إن الطبيعة هي أمنا التي منحتنا الصوت والكلام للتآخي والتآلف بين البشر، لم تلدنا أحرارا فحسب، بل ولدتنا راغبين في الدفاع عن الحرية. لكي يبرهن على ما يقول يعود دولا بويسي إلى الطبيعة باعتبارها مشتلا للحرية، إذ يقول أن البهائم الوحشية إذا ما صعدت إلى المنبر ستصرخ في الناس إن لم يصموا آذانهم :" عاشت الحرية" . إن السمك يموت ما إن يخرج من الماء لأنه يعشق الحرية، ثم إن الحيوانات ما أن يتم اصطيادها تبدي مقاومة شرسة دفاعا عن الحرية، إضافة إلى ذلك إن الحصان مهما بلغنا لتعويده على الخدمة بملاطفته لا نأمن حين نبدأ بترويضه أن ينفر من المهماز ويعض الشكيمة كما لو أنه يريد أن يشهد بذلك على أنه لا يخدمنا راضيا، بل لأننا نكرهه على ذلك . إذا كانت الحيوانات تعشق الحرية كما أشار دولا بويسي، فإن الطغاة يجثمون على البشر، وفي هذا الجانب يصنف دولا بويسي الطغاة إلى ثلاثة أصناف : الصنف 1 : يحكم الطغاة لأن الشعوب قد انتخبتهم ويعاملونها كما لو أنها ثيران يجب إذلالها، الصنف 2: انتزعوا الملك بقوة السلاح ويسيرون في أرض مفتوحة ويقومون باذلال كل من وجدوه أمامهم، الصنف 3 : حصل فيه الطغاة على الملك بالوراثة، يعاملون شعوبهم التي يحكمونها كما لو أنها عبارة عن عبيد لهم بالوراثة وصرف أذهانها عن فكرة الحرية . لكن رغم الاستبداد يرى دولا بويسي أن البشر لهم القدرة على التجاوز، إن جيلا جديدا من الناس، لا عهد له بالحرية إذا ما خير بين الحرية والعبودية، سيختار الحرية، إن الإسكندر استطاع أن يخضع إسبارطا وأثينا، لكن يرجع الأمر إلى خداع الناس لبعضهم البعض، وتكرر المشهد نفسه حين تم إخضاع مدينة سراغوس بصقلية من طرف القرطاجيين بسبب استبداد ديونيسوس، فالشعب متى تم إخضاعه يسارع في بادىء الأمر إلى السقوط في العبودية حتى ليظن أنه لم يخسر حريته، بل ربح عبوديته، ويضيف دولا بويسي أن الناس الذين ولدوا مغلولي الأعناق وقد تغذوا وتربوا على العبودية من دون أن ينظروا إلى أبعد من ذلك يقنعون بالعيش كما ولدوا، إنهم تعلموا وتشربوا العبودية مثل ميثريادس الذي تعود شرب السم منذ نعومة أظافره لكي لا يقتله السم، وحينما وقع أسيرا لدى الرومان أراد الانتحار لكي يتفادى التعذيب لم يمت، كذلك الأمر بالنسبة للذي تشرب العبودية منذ نعومة أظافره، إنه يصعب عليه أن يقتلع الذل والتملق والانبطاح الذي تعود عليه، وعلى الرغم من أن الطبيعة تتضمن الحرية، إلا أن التربية تشكلنا على طريقتها ضدا على الطبيعة، يعطينا دولا بويسي مثالا على ذلك : إن الأشجار المثمرة إن تركت على حالها تعطي ثمارها، غير أن الجليد والطقس والتربة ويد البستاني يضيف أو ينقص أو يلغي الثمار كليا، بمعنى أن الظروف هي التي تقوي الحرية أو تنسفها، يفترض دولا بويسي : لو أن طفلا من البندقية تربى على الحرية ولما كبر توجه إلى الإمبراطورية العثمانية حيث كانت هناك عبادة للسلطان، فإنه سيخال نفسه خرج من مدينة للبشر ودخل إلى زريبة للبهائم، ويبرهن دولا بويسي على فكرة الحرية باعتبارها صناعة بيو اجتماعية تلعب التنشئة دورا مركزيا في تقويتها أو نسفها حينما يتحدث عن ليكورغس مشرع إسبارطا الأسطوري، هذا الأخير ربى كلبين شقيقين سمن أحدهما في المطبخ وترك الثاني يجري في الحقول على صوت البوق في الصيد، وحينما أراد أن يبرهن لشعب لاسديمونيا (اسبارطا ) أن الناس هم على ما يربون عليه، وضع الكلبين في وسط السوق ووضع بينهما طبق حساء وأرنبا بريا، فجرى أحدهما نحو الطبق والآخر وراء الأرنب، وبالتالي إن التنشئة هي تجعلنا أحرار أو عبيدا، فأبقراط نشأ على الحرية ورفض الهدايا التي كانت تأتيه من ملك الفرس، لذلك كثيرا ما يلجأ الطغاة إلى الحيلة كوسيلة من وسائل تعمية الشعب، فالملك الفارسي كسرى أسقط الليديين واستولى على سرديس وقام بفتح المواخير والحانات لشرب الخمر كأداة لإسقاط الشعب الليدي في العبودية وتنويمه، لقد كان يلجأ طغاة الرومان إلى توزيع الولائم (القمح، النبيذ ) وكان الدهماء يهتفون : (عاش الملك ) دون يعلم هؤلاء أنهم لا يأكلون إلا القليل من حقهم الذي جرده منهم الحاكم، ولكي يبين دولا بويسي أن العبيد والدهماء هم من يستعبدون أنفسهم بنوع من المازوشية يوضح أن الرومان حزنوا على الطاغية نيرون الذي قتل أمه أغريبيا وزوجته اوكتافيا و ألغى الحرية، وعلى الرغم من ذلك أقيم له نصب تذكاري . يلفت دولا بويسي أن الطغاة يستعبدون شعوبهم انطلاقا من مظاهرهم : إن ملوك أشور كانوا يختفون عن الأنظار لمدة من الزمن حتى يخال الشعب أنهم فوق البشر، فيقدسونهم ويخدمونهم عن طواعية، وملوك مصر كانوا يحملون على رؤوسهم هرا أو غصنا أو نارا وكانوا يتنكرون كالمشعوذين لفرض الخوف والمهابة والتقديس. إن كل هذه المظاهر تجعل الشعب خانعا وخاصة خدام الطغاة،فهم منصهرون ومتماهون مع أسيادهم، فما يرغبون فيه يرغب فيهم أتباعهم، يا لها من حياة بئيسة يقول اتيان دولا بويسي، فسينيكا قتله نيرون مع العلم أنه هو من رباه، إن الطغاة يقتلون كل من يدور حولهم، إن نيرون قتل زوجته وأمه وتلاميذه، والسلطة لا تعرف إلا القسوة ولا تعرف الصداقة كفضيلة مقدسة لها حرمة، فهي لا تقوم إلا بين الأخيار من الناس و تتأسس على النزاهة والاستقامة.
3 ) خلاصة
نخلص من دراستنا لكتاب : "مقالة في العبودية المختارة " أن الطغاة يستحوذون على السلطة ليس لأنهم يحسنون تدبير الحكم، بل الأمر يرجع إلى قابلية الشعب للاستعباد بحكم العادة و التنشئة ويلعب الجهل والدين دورا كبيرا في إذلال الشعب، لكن دولا بويسي يربط الحرية بالشعب لأن الحرية هي حق طبيعي يتساوى فيه جميع الناس، فالحيوانات لا تقبل بالعبودية فما بالك بالإنسان ؟ إن الحرية هي العهد بين الإنسان والطبيعة، غير أن الذي يعقد مفهوم الحرية أكثر هو أن مفهوم الشعب مفهوم هلامي وليس كتلة متراصة من لدن الأفراد، فالشعب مفهوم مخترق من لدن الشعب نفسه، فهناك فئة مستعبدة من الشعب تقبل الفتات، وتقف عائقا في وجه الأحرار، وإن يكن ما يكن تبقى الحرية هاجسا لدى الإنسان، غير أن العبودية الطويلة تخترق الحرية ويلفها النسيان والكمون، فمتى يتذكر الشعب الحرية ؟

------------------
1) اليس : بطل أسطوري يوناني، ابن لايرت ملك ايتاكا، بطل معركة طروادة، يحكي قصته هوميروس في الالياذة خلال القرن 9 ق م .
(2 حكومة الطغاة الثلاثين: حكومة للقلة فرضها عسكر اسبارطا على مدينة أثينا وتم إعدام الديمقراطية في أثينا انطلاقا من سنة 404 ق م .

ع ع/ بنسليمان 1 شتنبر 2017/ المغرب







اخر الافلام

.. الغوطة.. حصار يزداد تفاقما


.. اخبار عربية | قوى المعارضة السورية تتفق على ارسال وفد موحد ا


.. اضواء على العراق: مقدمة برنامج 22 تشرين ثان 2017




.. كمال يلدو: عن كيفية تعامل الدولة والمواطن الكريم مع آثارنا ا


.. الميليشيات الإيرانية.. والمستنقع السوري