الحوار المتمدن - موبايل



اَلْصِّيْنُ تَلْتَهِمُ اَلْسُّوْدَاْنْ ؟!

فيصل عوض حسن

2017 / 9 / 4
مواضيع وابحاث سياسية



ما أنْ يُضَخِّم المُتأسلمون أمراً ما ويعلو ضجيجهم حوله، إلا ويعقُب ذلك كارثة ضد السُّودان وأهله، وهذا ما تناوَلته بالتفصيل في مقالي السابق المُعَنْوَن (فَلْنُدْرِكْ رِئَةُ اَلْسُّوْدَاْنِ قَبْلَ فَوَاْتِ اَلْأَوَاْنْ). وسأتناول في هذا المقال، احتفاؤُهم في 26 أغسطس 2017، بإعفاء الصين لنحو (160) مليون يُوان صيني من ديونها على السُّودان، وتضخيمهم لبعض التُرهات التي أدلى بها نائب رئيس الصين خلال زيارته للبلاد!
في هذا الإطار، ورغم السِريَّة المُريبة وتعتيم البشير وعصابته على كل ما يتعلَّق بالقروض الصينية، كمبالغها وأغراضها أو ضماناتها وفوائدها وشروط سدادها، إلا أنَّ بعضاً من الشُرفاء اجتهد ونَقَّبَ وقَدَّمَ أرقاماً (دقيقة) استناداً لمراجع (مُوثَّقة)، لعلَّ أبرزهم الأخ الباحث/مُصطفى عمر، الذي كَتَبَ عدداً من المقالات الرَّصينة عن القروض الصينية، مشفوعة بقوائمٍ تفصيليةٍ لاسم القرض ومبلغه وغرضه وتاريخه، وهو الذي أمَدَّني مشكوراً بهذه القوائم والمواقع المرجعية الخاصَّة بها، فله وافر التقدير والاحترام. ووفقاً لهذه البيانات، فقد بلغ إجمالي القروض الصينية التي تَسَنَّى الحصول على مراجع لها خلال الفترة 2000-2014، نحو 14 مليار و 984 مليون و507 ألف و832 دولار! وهنا نتساءل عن أسباب ابتهاج المُتأسلمين، بإعفاء الصين لـ(160) مليون يُوان (نحو 24.3 مليون دولار) من ديونها على السُّودان! وبعبارةٍ أُخرى، كم نسبة هذا المبلغ من إجمالي الديون الصينية البالغة نحو (14) مليار دولار (حوالي 926590560000000 يُوان صيني)؟! ويزداد الأمر تعقيداً، بالفوائد المُركَّبة لجميع تلك القروض، وآجال سداد أقساطها وغرامات تأخير السداد، والأخطر (الضمانات) التي قَدَّمها المُتأسلمون لنيل هذه القروض!
لقد بدا جليَّاً أنَّ المُتأسلمين (أداة) لتنفيذ مُخطَّط (خارجي) مدروس بعنايةٍ ودِقَّة، يهدف لتدمير السُّودان ونهب مُقدَّراته، وتتأكَّد هذه القناعة من (شُمولية) الدمار الذي لَحِقَ بالبلاد وأهلها، والانتقال (السريع) بين أزمةٍ وأُخرى، و(تنوُّع) صور وأساليب التدمير، والدعم الدولي والإقليمي الواضح لهذه العصابة، رغم تمثيليات (الحِصَار) و(الجنائيَّة) وغيرها، والتي شَكَّلت في الواقع (غِطاءً) للجرائم الإسلامَوِيَّة ضد السُّودان وأهله. كما ثَبُتَ جلياً، دور الصين المحوري في غالبية كوارثنا، بدءاً بالسلاح المُسْتخدَم في تأجيج الصراعات الدَّاخليَّة، ودعم البشير وعصابته دولياً في ما يتعلَّق بهذه الصراعات فقط، وانتهاءً بدور الصين في إفشال مشروعاتنا/مُؤسَّساتنا النَّاجحة، ثُمَّ التهامها بالتنسيق مع المُتأسلمين بحِجَّتي التحرير والحصار. والأخطر القروض التي أحالها المُتأسلمون لمصالحهم الشخصيَّة، وامتنعوا عن سدادها (عَمداً) وقَدَّموا مشاريع السُّودان وأُصوله العقاريَّة كـ(ضماناتٍ) لنيلها، والآن يقومون بتسليم تلك الضمانات للدَّائنين الذين على رأسهم الصين، وهو مصير كل أملاكنا وأصولنا العقارية المرهونة!
ولنأخذ على سبيل المثال، مشروع الجزيرة الذي دَمَّره المُتأسلمون (عَمداً) منذ مطلع التسعينات، حينما رفعوا شعارهم المُضلِّل (نأكل مما نزرع)، وأوقفوا زراعة القطن واستبدلوه بالقمح، ففَقَدْنَا أسواق القطن وفشلنا في إنتاج القمح، بالمُواصفات القياسية العالمية لعدم مُواءمة الظروف المناخية. ثُمَّ وَجَّه الإسلامَوِي المُتعافي ضربته القاضية للمشروع، بإصراره على زراعة القطن (الصيني) المُحوَّر، رغم تحذيرات المُختصين من خطورته وعدم جدواه الاقتصاديَّة والصِحِّيَّة! وحينما حدث المحظور، شَرَعَ المُتأسلمون بتسليم مشروع الجزيرة للصينين، وفق مسرحيتهم المُسَمَّاة (نَفْرَة الجزيرة)، والتي ادَّعوا فيها جَمْعْ (210) مليار جنيه، والتزم البشير بدفع أربعة أضعافها، ورقص هو ووالي الجزيرة كثيراً، وهَلَّلَ إعلامهم التافه والمأجور لهذا (السَفَه)، ثمَّ وفي أقلَّ من أُسبوع أعلن ذات الوالي عن تخصيص (800) فدَّان لإحدى الشركات الصينية، دون توضيح مصير الـ(210) مليار التي ادَّعى جَمْعَها. وبذات الكذب/التضليل، ارتفعت المساحة المُخصَّصة للصينيين من (800) فَدَّان لـ(450) ألف، ثم لمليون فدَّان بما يُعادل نصف مساحة المشروع، هذا إنْ لم تكن الصين قد التهمته بالكامل!
وكغيره من المشروعات الوطنيَّة، نَالَ مشروع الرهد الزراعي قسطاً وافراً من الجرائم الإسلامَوِيَّة لصالح الصين، فهو تَأسَّسَ أصلاً كمشروعٍ إعاشي لمُساعدة صغار المُزارعين، مُقابل التزام الإدارة بتوفير مُدخلات ومُستلزمات الإنتاج، وسار العمل بهذا النحو وحَقَّق المشروع نجاحات باهرة، إلى أن جاء المُتأسلمون وفرضوا أرباحاً عالية على التمويل في بداية التسعينات، ومنها بدأت مُعاناة المُزارعين وتفاقمت بمرور الأعوام، ووصلت ذُورتها بتدخُّل المُتعافي (أيضاً)، وسَعْيَه لنزع أراضي المشروع وإتاحتها لشركة كنانة التي (وَعَدَت) المُزارعين باقتسام الأرباح، ولكنَّها تَنَصَّلَتْ من وعودها عقب فشلها المُتعمَّد، سواء بتغيير أنظمة الرى دون دراساتٍ مُتخصصة، أو بالتجاوُزات المالية والإدارية والمُقاولات والإنشاءات وغيرها. وانتهى السيناريو، بتسليم المشروع لشركة نيو إيبوك (الصينية)، بواسطة عوض الجاز (سمسار) الصين في السُّودان وحضور مُسْتَوْزِرْ الدولة للاستثمار، وفقاً لسونا في 24 أكتوبر 2016، حيث وَجَّه السمسار الإسلامَوي بـ(إزالة) العقبات التي تعترض عمل شركة نيو إيبوك في مشروع الرهد، ودعا الشركة لوضع (خطة مُحكمة) للاستثمار الزراعي في (البلاد)! وحينها تساءلتُ في مقالٍ تفصيلي، عن (تاريخ) الاستثمارات الصينية في مشروع الرهد حتَّى يُذلِّلون عقباتها، ولماذا (يُطالب) الجاز شركة (صينية) بوضع خطة للاستثمار الزراعي بالبلاد في وجود مُؤسَّسات وطنيَّة منوطة بالزراعة، وغيرها من الأسئلة المنطقية التي أثرتها آنذاك! وتأكَّدتُ حينها تماماً بأنّ الصين (التهمت) مشروع الرهد فعلياً، وما تلك الدراما الإسلامَوِيَّة إلا للإلهاء، و(تهيئة) الرأي العام عموماً ومُزارعي المشروع خصوصاً، لـ(تَقَبُّل) الموضوع والتسليم به دون أي نقاش!
ولم يتَوقَّفْ التهامُ الصين لأراضينا ومُقدَّراتنا على مشروعي الجزيرة والرهد وحدهما، ولكنه امتدَّ ليشمل مناطقاً أُخرى من السُّودان كالشمالية والنيل الأبيض وكردفان الكُبرى وغيرها، وسيتواصل أكثر لأنَّ المُتأسلمين (خَوَنَة) بالميلاد ولا يتوانون عن فعل أي شي لإشباع شهواتهم المالية والسُلطَوِيَّة، كما أنَّ (عَقِيْدةَ) الصينِيين (استعماريَّة) بَحْتَة، رغم مُفرداتهم الرَنَّانة وأكاذيبهم وتطميناتهم المُتلاحقة، فالمصلحة هي المُحرِّك الأساسي لمُمارسات وتوجُّهات الصين الإقليمية والدولية، بعيداً عن (القيم) و(المُثُل) والمبادئ القانونيَّة والإنسانيَّة. ولمزيد من التوضيح، وعلى سبيل المثال أيضاً، بدأ المُتأسلمون وإعلامهم السَّاقِط – مُؤخَّراً – بالترويج لأكذوبة (السُيَّاح) الصينيين، البالغ عددهم لهذا العام مليون سائح، وفي 14 أغسطس 2017، أعلنت سونا عن وصول الفوج الأوَّل من أُولئك السُيَّاح! ولم يتوقَّف السُّودانيُّون أو يتساءلوا عن هذا العدد الهائل ومدى (قُدرتنا) على استيعابهم، ونحن نفتقد المساكن والرعاية الصحيَّة وثقافة الضيافة والتفويج السياحي، والطُرُق المُعبَّدة بالمُواصفات القياسية العالمية والإقليمية! ولم نتساءل عن المناطق التي زارها السُيَّاح المزعومين، وأين (توثيقات) تلك الزيارات، خاصَّة مع (وَلَه) المُتأسلمين بالتضخيم و(الفَشْخَرَة) الزَّائفة! والأهمَّ من هذا وذاك، هل غادروا السُّودان أم لا، ولماذا وأين هم الآن! فكما سمعنا بقدومهم كان حرياً نشر أخبار مُغادرتهم، باعتبار أنَّ (السياحة) تختلف عن (الإقامة)، لأنَّها تكون لفترة زمنية مُحدَّدة! وإذا أضفنا لهذه التساؤلات المنطقية، طبيعة نظام الحكم في الصيني وثقافتهم الاشتراكية، الحازمة و(تقاطُعها) مع (طبيعة) و(مُتطلَّبات) العملية السياحيَّة برُمَّتها، يتأكَّد لنا تماماً بأنَّ أولئك القادمين ليسوا (سُيَّاحاً)، وأنَّهم في الغالب (عُمَّال) أتوا لاستلام ورعاية (أملاك) الصين بالسُّودان.
إنَّ دهشتي الحقيقية، سببها تغافُلنا الكبير عن انقضاض الصين المُخيف على مُقدَّراتنا من جهة، واستمرار تصديقنا لأكاذيب البشير وعصابته من جهةٍ ثانية، وعدم (إعمال) العقل والمنطق في قياس وتقييم الأمور من جهةٍ ثالثة! ومما لا شكَّ فيه، أنَّ ما ذكرناه أعلاه من أمثلةٍ عن أطماع الصين، يعدُّ أمراً قاسياً لكنه جُزءٌ من حقائقٍ أكثر قساوة. فالصين ليست وحدها الطَّامعة في السُّودان ونهب مُقدَّراته، فمعها آخرين يُشاركونها الأطماع والأدوار (القذرة)، وأوَّلهم الذين نصفهم بأشقَّاء كالإمارات والسعودية ومصر وإثيوبيا ومُؤخَّراً تشاد وغيرهم، وكذلك معهم أمريكا التي تُحرِّك الجميع، وتتحالف (استراتيجياً) مع البشير وعصابته. ليتنا كسُّودانيين نُدرك هذه الحقائق وننتبه للأخطار الحقيقية المُحيقة بنا، وإفشال خيانات المُتأسلمين المُتزايدة والانتقال لأفعالٍ (حقيقيةٍ) عاجلة، بدلاً عن بيانات المُناهضة والإدانة والشجب والتضامُن التي لا تكفي لتدارُك حالتنا المأزومة. فخلاصُنا يبدأ باقتلاع البشير وعصابته، وهو هدفٌ يُمكن تحقيقه باتحاد جميع السُّودانيين دون استثناء، بعدما ثَبُتَ لنا جليَّاً أنَّ المُتأسلمين هم العدو الأكبر، والأمر يفوق بكثير بيع مُؤسَّسة/أرض، أو قتل هذا أو اعتقال ذاك، أو زيادة أسعار سلعة/خدمة، ليطال سيادة السودان كدولةٍ وكيان، وبقائه كأرضٍ بمن فيها.
لنقف صفاً واحداً ونعتمد على أنفسنا، وليكن هدفنا الكبير اقتلاعهم والحيلولة دون هروبهم، ليس فقط لمُحاسبتهم ومُعاقبتهم على جرائمهم المُتراكمة ضدنا، وإنَّما لإجبارهم على استرداد ما نهبوه من أموال، تساعدنا في تسديد أقساط الديون التي أخذوها باسم السُّودان، وانقاذ ما تبقَّى من مُقدَّراتنا وتسيير الدولة لما بعد التغيير، وهذا هو السبيل الوحيد أمامنا، إذا توفَّرت الإرادة والوعي والصدق والتجرُّد.. وللحديث بقية.







اخر الافلام

.. اتصال هاتفي| الجيش الليبي يسيطر على -مقر الإرهابيين- في درنة


.. شرح مفصل | تحركات عسكرية حوثية تعكس حجم خسائرهم في صعدة والح


.. دراسة استغرقت 80 عاما تتوصل إلى -سر السعادة-




.. الحرب في سوريا.. مخيم اليرموك


.. ماكرون يستبق لقاء ترمب بدعوته للبقاء ضمن الاتفاق النووي