الحوار المتمدن - موبايل



شرشف الشرف المنشور على حبال المجتمع

شوقية عروق منصور

2017 / 9 / 12
مواضيع وابحاث سياسية



نضع دمنا على طاولة النقاش ، وسائل الاعلام المحلية العربية والعبرية تهدينا أخبار القتل في الوسط العربي ، نرى صور القتلى الذين يحملون الملامح الهادئة وتفاصيل الضحكات الهاربة ، ثم نقوم و نغلق باب الوجع ونعود ونحتفي بالحياة ، بينما تسكن الوجوه التي تم اغتيالها في قبور لا تملك الا رخام الصمت المبلول بدموع الأحباء .
من باب السخرية السوداء أتساءل لماذا لا تقوم الشرطة الإسرائيلية بطباعة أخبار جرائم القتل في الوسط العربي ، فقط تترك مكان وتاريخ الجريمة فارغاً وعلى الشرطة تعبئة الفراغ الاسم والمكان ، لأن المجتمع العربي الذي يعاني من التمييز والعنصرية في كل شيء في الدولة، لا يعاني من تمييز الرصاص ومسافات الاغتيال ، لا يعاني من تمييز الأرقام والصور التي توثق رحيل الضحية ، حتى لو تغير نوع السلاح وتعددت وسائل القنص وطرق الاصطياد ، فالدم المسفوح على الأرض واحد والقرية والمدينة العربية واحدة .
أصبحنا نعد الوجوه الراحلة قتلاً مع سبق الإصرار ، ثم ندير ظهورنا ونمارس طقوس حياتنا اليومية ، مجتمعنا العربي يحيا ويتنفس في دائرة الدم ، ومن يحاول تغطية جثث القتلى بورق اللامبالاة هناك مليون إشارة تنبه ومليون ضوء أحمر يشير الى حالة العنف التي تصل جذورها الى تربة حياتنا ، وتهدد كياننا كأقلية عليها المحافظة والحرص على ثبات وجودها ، واجتثاث صور القسوة وفظاعة الخوف الذي يوقظ فينا مشاعر الاغتراب بدلاً من التشبث بالحياة فوق تراب الوطن.
مؤخراً قتلت امرأة من قرية مجد الكروم " هبه مناع " في وضح النهار تم اقتناص حياتها ، وحين تحمل وسائل الاعلام أخبار قتل امرأة ، تهرع النساء والجمعيات النسوية وبعض الرجال الذين يتفاخرون بوقوفهم الى جانب المرأة في صب الاتهامات على المجتمع الذكوري الذي يتعامل مع المرأة كأنها شاة يجب ذبحها ، أو شجرة يجب قطعها ، فهي الحلقة الأضعف وهي المسكينة التي تقع تحت سكين الأب والأخ والعم والخال وهي ضحية الزوج الذي يريد أن يعلمها معنى الخضوع وعدم الصراخ ، وقتلها هو دفع كمبيالة الشرف الذي تمردت عليه .
مجتمعنا يفرق بين دم ودم ، بين الذكر والأنثى ، والاحصائيات التي تتدفق من حبر الشرطة تؤكد أن ضحايا القتل والعنف في الوسط العربي قد وصل منذ مطلع عام 2017 الى خمسين قتيلاً وأكثر ، نحاول تذكر بعض الأسماء التي توزع دمها على خارطة القرى والمدن العربية " أحمد رايق ياسين " من الطيبة و " محمد طه " من كفر قاسم و " مهدي سعدي" من يافا و " هلال غنايم " من سخنين و" صلاح جربان " من جسر الزرقاء و " سامي جعصوص" من اللد و" مراد خطيب " عرابة و" عماد علاء الدين " من الناصرة الى " عز الدين محاميد " من معاوية الى " لؤي جميل عماش " جسر الزرقاء و" محمود نادر جبارين " أم الفحم و " سفيان الحروب " من النقب وغيرهم
أما النساء منهن " لينا أحمد إسماعيل " من اللد و " سهام زبارقة " من اللد و" حنان البحيري " اللقية و " براءة شربجي " من راهط و " ماريا غانم " من يافا و " هنريت قرا " من الرملة و" تمام أبو شندي " من كفر قرع .
أسماء حملت رسائل سرية بينها وبين الرصاصات ورعشة الخوف ، لا وقت عند تلك الأسماء لتأمل لحظة الذعر ، قد نتخيل ونتنهد مشهد القتل ، لكن جميعنا ندير ظهورنا ونقول لا صلة لنا بهم ، وأفضل الحالات نكتب الاستنكارات أو تقف بضع وجوه على الطرقات والمفارق ،تمد السنتها للمجتمع الذي يسير بسرعة الى الراحة ويتناول أقراص ضد وجع الرأس ، ولا يريد التفتيش عن أسباب النزيف الدموي وأزيز الرصاص الذي يملأ السماء وانهيار الأمن والأمان.
مقتل امرأة يرفع وتيرة الضجيج ويوقظ فينا صورة الشرف الذي يرعى في مزارع العائلة طارداً الذئاب ، أو صورة الشرشف الأبيض الذي يرفرف على صخرة القبيلة التي تترصد من يأتي ويلوثه لكي تكون المرأة ضحيته ، لا نريد من قتل الأنثى درساً للعقوبة أو نهجاً لمواجهة القرارات الأنثوية التي لا تتحملها العائلة .
ولكن نريد نحن مهاجمة ورفض الذين يقتلون في تلك اللحظات العابرة حين يكون الجو مناسباً للقنص والاغتيال ، نريد الضغط على الشرطة لكي لا تغلق الملفات ومطاردة من يجهز وجبات الرصاص ، نريد الوقوف ورفض سفك دماء الرجال والنساء معاً ، ولا يمر قتل الرجال بمنتهى التوجع ثم يتلاشى – كلخة الكوع -.
نريد المجتمع الذي ينهض ويرفض ولا يبقى حاملاً فقط شلالات التساؤل " لماذا قتلت تلك المرأة ؟؟ " أما مقتل الرجل فهو يمر عبر الصراع بين قوى الذكورة .
شرشف الشرف الحقيقي حين يكون التصدي والحزم لمعرفة لماذا غرق مجتمعنا في الدم ودراسة الأسباب المباشرة وغير المباشرة لهذا النزيف الذي يتفجر كينبوع عقاب للترهل الذي أصاب مجتمعنا واختفاء القيم السلوكية والأخلاقية والاجتماعية .
كانوا يقولون لنا أن الانسان ورقة بيضاء والحياة تخط خطوطها السوداء على الورقة ، لكن مجتمعنا العربي أصبح هرماً من الأوراق السوداء التي كتب عليها أسماء النساء والرجال الذين التقطت صورهم في لحظات القتل .
نحن جميعاً الآن مثل أوراق اليانصيب أمام الذين يفكرون بالقتل ، ممكن رسم رصاص القتل على خلاف أمام إشارة ضوئية أو على شق طريق او انهيار علاقات كانت أخوية ، جميعنا رهائن نحيا بين الرصاصة والرصاصة .







اخر الافلام

.. معركة الحديدة.. حسابات ما بعد تحرير المطار


.. معركة الحديدة وأولوية الجانب الإنساني


.. اليمن.. تدفق المساعدات رغم المعارك




.. معركة الحديدة.. بداية النهاية للحرب في اليمن


.. الجنوب السوري.. استعداد للمعركة وخلاف الحلفاء