الحوار المتمدن - موبايل



مهرجان الاستفتاء والانفصال

خالد صبيح

2017 / 9 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


بالتأكيد أن عراقا كبيرا ومتنوعا هو أقوى وأجمل، فبلد تتعدد ثقافاته وقومياته سيكون جديرا بالحياة وسيضفي عليها لمسات أنيقة. لكن هذا مجرد حُلم، وحين يعجز الحلم عن التحقق لايبقى سوى مواجهة الواقع بمراراته.

لا جديد!!

العالم كله مضطرب والعراق الأكثر اضطرابا فيه. القوميون، الشوفينيون والعنصريون، عربا وكردا، يتبادلون الادوار والمواقع ليصبوا سمومهم في بوتقة واحدة، بوتقة الفصل والعداء في وطن حلم ذات يوم أن يكون واسعا ومتنوعا يحتضن جميع أبنائه. تصارعوا عبر عقود يغذي بعضهم البعض، ونجحوا.

ترتفع الآن رايات الحرب وتتقد نيران الحقد ويبدو أن لا أحد يستطيع أيقافها، لان اصحاب النوايا الطيبة قليلون ومنزوون، ولا أحد يصغي اليهم. المصالح الانانية الضيقة تتضارب كعهدها دائما وتتصارع. وبالتأكيد سيعثر كل طرف منهم على ضالته من الحجج والقرائن يسند بها موقفه وإرادته؛ مظالم، مبادئ، نصوص دستورية، حقوق، قوانين، تجارب، كل شيء، فالارض وفيرة، وسوف يستند كل طرف لحججه التاريخية والسياسية والدستورية، وهذه كلها حمالة أوجه.

للأكراد حق الانفصال وإقامة دولتهم – الحلم، سيعترف الجميع بهذا، لكن سيعترض من يؤيد حقهم على التوقيت والدوافع والأسلوب. الطرف الكردي في هذه المعمعة هو أكثر تحفزا للغة العنف وأكثر استفزازا، يحاول أن يغطي بذلك على أزماته وتوتراته الداخلية، مايدفعه للهروب إلى الأمام، ليضع نفسه في مأزق الاستفتاء وتحدياته. المركز يبدو أكثر استرخاء، لكنه يتارجح، بسبب تعدد مراكز القوى فيه ( كتل سياسية، حكومة، برلمان، ميليشيات) بين التشدد والتهاون والمساومة، والكرة الآن في ملعب الطرف الآخر.

يلّوح الطرفان، عربا وكردا، بالحرب، مازجين المبادئ بالشعارات بانتهازية واستهتار. لكن طالما أن الطرف الوطني غائب ومغيب وعاجز ولا يستطيع أكثر من إعلان نواياه الطيبة، فالحرب لن تقع لأن المتخاصمين هم طلاب سلطة ومال، وهؤلاء يختلفون على اقتسام الغنيمة ويبتز بعضهم البعض لكنهم لن يتواجهوا، فمشاريعهم هي تنويع على مشروع واحد هو الاستئثار بالسلطة والمال.

سوف لن تقع الحرب وسوف تصل الأطراف الى تسويات وترضيات وسيخرج الجميع بدون إراقة ماء الوجه ( فالجماهير ) لاتؤاخذ زعمائها، وسيحافظ الجميع على (كرامتهم) سواء الغي الاستفتاء ام أقيم.. و...سبقى الوضع على ماهو عليه.

***

لكن هل انفصال الاكراد مقلق حقا ويمكن ان يثير هذا الكم من ردود الفعل؟

لااظن ذلك.

فالواقع يقول إن انفصال الكرد بات واقع حال، ولا يحتاج سوى لمسات قليلة ليغدوا انفصالا رسميا، وما الصخب المثار حوله إلا صرخات يطلقها متهسترون لايريدون استيعاب الواقع. وإذا كان هناك مايقلق، وربما يؤلم، أصحاب النزعة الوطنية من معارضي الإنفصال لدوافع وطنية ووحدوية صرفة، فهو حقيقة أن الكرد هم منفصلون فعليا ومنذ زمن بعيد، وأن حقيقة انفصالهم لايحددها الوضع الرسمي، السياسي والقانوني، بل إنه حتى لايحتاج لهذه الصيغة الرسمية لتاكيد هذا الانفصال، لانه في حقيقته غائرٌ في عمق المجتمع وفي علاقاته وروابطه، فالانفصال الحقيقي، وهذا مايورث شعورا ممضىَ بالمرارة، اساسه نفسي ووجداني، وقد تاسس هذا الأنفصال على الارض، في النفوس، ولن يغيره واقع قانوني او سياسي ولا حتى يستطيع حرف اتجاهه. لم يعد الكردي والعربي ينظران الى بعضهما بأكثر من انهما خصمان متنافسان، إن لم يكونا عدوين محتملين. انفصل الأكراد عن العرب وتفتت الوطن حين غدا الإنتماء القومي هو المتقدم على أي إنتماء آخر، وبعدما إنعدمت أي رابطة مشتركة وهّمٌ مشترك بينهما، ولم يعد عدوهما عدوا واحدا ولاصديقهما صديقا واحدا. تفرقت بهم السبل. مزق أواصرها قومويوهم.

***

في النقاش حول الاستفتاء المزعوم للأقليم كمقدمة للانفصال عاد أحد المتناقشين إلى نص*، من ماضٍ ليس ببعيد، ناقش فيه القيادي الشيوعي الشهيد (سلام عادل) سكرتير الحزب الشيوعي الذي استشهد في عام 1963، فكرة الانفصال من منظور وطني يبتغي توحيد المواقف إزاء عدو مشترك، هو الاستعمار والشركات الراسمالية العالمية، بحسب النص – المرجع. لكن يبدو أن المتناقش لم يدرك في استحضاره لهذا النص التاريخي، أن مبررات هذا الموقف قد انتفت الآن، والظروف التي حددت سياقه قد تغيرت تغيرات نوعية كبيرة، ولم يعد ذاك الكلام صالحا لمحاججة الواقع في أيامنا هذه. وأنه ليس أكثر من ماثور وطني قديم. لكني مع ذلك ساستعين بهذا الماثور اليساري الكبير، الذي لم يعد مجديا للاسف، لأضيف إليه واقعة من إرثه ذاته، تحكي أن شيوعيين كرد قدموا من كردستان (أربيل) الآمنة، الى بغداد الخطرة، بعد هجمة شباط البعثية الفاشية الواسعة على الحزب الشيوعي عام 1963، ليعيدوا بناء تنظيم حزبهم، وقاموا بجهود كبيرة وبعمل بطولي في أعادة التنظيم وفي تنظيم حركة حسن سريع العسكرية،(تموز 1963)، وانتهى بعضهم الى مصير مؤلم، إذ وقعوا في قبضة البعثيين واستشهدوا. هذا التاريخ تاريخ منسي، وهو إرث وملمح من ملامح الوطنية العراقية المغبونة، ولو روي الآن لأبناء الأجيال الجديدة من الكرد لإستغربوا، وربما لضحكوا ساخرين من هؤلاء الذين يموتون بعيدا عن أرضهم (القومية)، التي تستحق وحدها، بإعرافهم الجديدة، الموت من أجلها، فلم يعد مثل هذا السلوك ولا المواقف أمرا واقعيا بالنسبة لهم وهم يرون الشيوعي الكردي الآن أكثر قومية من أي قومي آخر. فهم يحيون وسط واقع يقول: أينما تولي وجهك فثمة سموم قومية.

وحين يسود مثل هذا الواقع ستطرد فكرة الوطنية العراقية الجامعة. وليس ثمة اجتراح في القول أن لا وطنية عراقية حاضرة داخل (مهرجان) الانفصال والاستفتاء الكردستاني.

‘‘‘

لاسباب فنية لم استطع ارفاق مادة سلام عادل التي كتبها عام 1957 وتحدث فيها عن فكرة انفصال كردستان.







اخر الافلام

.. أخبار عربية - مقتل رجل أمن وإصابة آخر بتفجير عبوة ناسفة في ا


.. نشرة الثامنة- نشرتكم 21/9/2017


.. علي صالح والرياض.. تحالف سري وثيق




.. ما وراء الخبر- ملابسات سقوط صنعاء


.. موجز العاشرة مساءً 21/09/2017