الحوار المتمدن - موبايل



اللغة بين معاني العبارة ومعاني الاشارة !؟

سليم نصر الرقعي

2017 / 9 / 14
الادب والفن


(واللبيب بالإشارة يفهم !)
*****************
صحيح ان اللغة تتكون من ألفاظ وعبارات مسموعة ومطبوعة تعبر عن ما في نفس المتكلم وقلبه من مشاعر واحاسيس أو تعبر عن ما في عقله وذهنه من افكار ومعتقدات وظنون وخيالات، أو تصف وتصور ما يراه ويسمعه من أشخاص ومشاهد وأحداث وأحاديث خارج نفسه تحدث في لحظة آنية يعيشها فيسجلها في دفتر أو ينقلها عبر اجهزة اتصال لآخرين غير متواجدين في زمان ومكان الحدث الذي يرصده وينقله كي يضعهم في صورة الحدث او بمعنى ادق كي يستعمل العبارات في رسم صورة للحدث في مخيلتهم وعلى شاشة اذهانهم!، أو تصف ما كان قد رآه وسمعه من اشخاص ومشاهد وأحداث واحاديث بالفعل في وقت مضى وانتهى، كل هذا صحيح ، ولكن اللغة كأداة اتصال بين الناس وأداة للتأثير فيهم وكأداة لحفظ ونقل المعلومات لا تعمل من خلال (عبارات) الكلام فقط في ايصال الرسالة ونقل المعلومة وتحقيق التأثير في الآخرين بل هناك ايضا مع الالفاظ والعبارات لغة (اشارات) الاجسام وكذلك (نبرات) الصوت عند المخاطبة الحسية المباشرة، فإشارات الجسم، مثل انفعالات اسارير الوجه وحركات اليدين مثلا [١] ، وايضا نبرات صوت المتحدث، لها دور مهم وكبير وربما فارق وخطير في التأثير في الآخرين بل وفي فهمهم لمؤدى الكلام ومقصد المتكلم! ، فلغة الجسم ونبرات الصوت قد تصب في اتجاه تأكيد المعنى الظاهر للألفاظ وشحنه بطاقة معنوية وعاطفية اضافية مما يقوي من فاعليته وتأثيره في المستمعين، وفي الوقت ذاته قد تؤدي لغة الجسم ونبرات الصوت المصاحبة لكلمات المتكلم الى معنى مغاير للألفاظ![٢]، وقد تفضح لغة الجسم والعيون بعض المنافقين أو الكاذبين ممن يقولون بخلاف ما يضمرون!، فأنت قد تشير لشخص قادم نحوك انت واصدقاؤك وتقول : (ها قد جاءكم صاحبكم الشجاع !) فظاهر اللفظ ان هذا الشخص هو شخص شجاع !، ولكن الطريقة التي قد يتم بها القاء هذه الجملة وهذه العبارات ومن خلال لغة الجسم واشارات اليدين ومعالم الوجه ونبرات الصوت قد تعطي لدى المستمعين فهما ومقصودا مغايرا لظاهر الالفاظ فيكون قصد المتكلم هو السخرية والاستهزاء بهذا الشخص القادم ووصفه بالجبن أو التهور ولهذا قد ينطلق المستمعون في الضحك علنا أو يسرون ضحكتهم في صدورهم محاولين ان لا تطغى ولا تطفو على اسارير وجوههم مجاملة لهذا الشخص القادم! ، ومثال ذلك حينما يسأل محب حبيبته : "هل تحبينني مثل ما احبك يا حبيبتي!؟" فتجيبه بدلال وبنبرات صوت واسارير وجه ذات مغزى : " انا اكرهك جدا !! ، انت اكثر شخص اكرهه حتى الموت في هذا العالم!" ، فهذه العبارات والالفاظ بسبب الاشارات والنبرات المصاحبة لها تقلب المعنى رأسا على عقب فيفهم حبيبها انها تعني انها تحبه جدا حتى الموت !! ، الا ان يكون غبيا غباء شديدا حتى البلادة فقد يشكل الامر عليه ويأخذ الكلام على ظاهره ويحزن ويغضب منها وقد يغادرها ويفارقها وهو يبكي ويشكو : "انها لا تحبني !! ، لقد قالت لي علنا وبكل وضوح : أنا اكرهك !" ، فهذا الشخص عقله سقيم وفهمه عقيم ويفتقد للذكاء الفطري الطبيعي و للحس الادبي ولهذا قيل (اللبيب بالإشارة يفهم!)[٣].
وهكذا فإن اللغة كأداة اتصال وتأثير عند النطق والحديث بها لا تتوقف معاني الفاظها ومقاصد الناطقين بها على معاني المفردات وظاهر الالفاظ فقط اذ ان لغة الجسم كحركات اليدين وانفعالات الوجه ونبرات الصوت لها دور كبير وخطير في امرين :
الأول : مد الألفاظ بطاقة معنوية وشحنها بحرارة عاطفية تجعل وقعها على سمع المستمعين أكبر واعمق!، لهذا نجد عبارات ذات طاقة تأثيرية كبيرة وتظل حية لزمن طويل بينما عبارات اخرى قد تكون ذات طاقة ضعيفة وقليلة وقد تولد ميتة!!.
الثاني : إما أنها تؤكد معاني الالفاظ والعبارات وهو الغالب او انها تنقل هذه العبارات من معناها الطبيعي المعتاد والمعروف الى معنى آخر مغاير ومختلف وقد يكون معكوس كأن تصبح كلمة (ذكي) يقصد بها في سياق الكلام (غبي) ، وعبارة (شكرا يا محترم !) قد يكون مفهومها في تلك الملابسات بمعنى (يا عديم الاحترام!) ، وعبارة (أكرهك !، اكرهك جدا!) بمعنى (أحبك !، احبك جدا !) ، والغريب والعجيب هنا ان التعبير بهذه الطريقة المغايرة في بعض المواقف قد يترك أثرا وانطباعا لدى السامع المتلقي او القارئ لرسالة أكبر وأشد وأعمق من تأثير التعبير باللفظ المباشر الاصلي ، ولكن هذا التأثير لا يقع الا في توفر وظروف نفسية وواقعية معينة فليس من الحكمة استنساخه واجتراره وتطبيقه في ظل عدم توفر هذا المناخ النفسي والعاطفي والواقعي الموأتي ، اذ قد يعطي مفعولا وأثرا عكسيا وسلبيا غير المرجو، ليس بسبب غباء الطرف الآخر الذي تقول له (اكرهك) وتعني بها (أحبك) بل لأنك لم تستعمل هذا الأسلوب في الظرف المناسب او بالشكل المناسب، وهكذا فاللغة ليست مجرد الفاظ وعبارات وحسب بل اشارات ونبرات ايضا تتفاعل جميعها فتخلق ذلك المعنى الذي يتشكل في عقل ووجدان المتلقي والمستمع!.
سليم الرقعي
2017
[١] يمكن اضافة (اشارة وحرارة اللمس) لبقية اشارات لغة الجسم كحركات اليدين وانفعالات الوجه ونظرات العينين ووضع الشفتين ونبرات الصوت، فأحيانا عن طريق لغة اللمس يتم نقل بعض المعاني عبر الاحاسيس المتعلقة باللمس كالربت على الكتف او الخد او الضغط الحار الرقيق على اليد وغير ذلك فهذه اللمسات تدخل ايضا ضمن مفهوم اشارات لغة الجسم بين البشر!.
[٢] كما ان هناك في عقل ووجدان الانسان جهاز فطري مهمته معالجة معاني العبارات المنقولة اليه من الواقع الحسي عبر الأذن والعين وتفسيرها، فهناك أيضا جهاز فطري لالتقاط وتفسير وفك تشفير الاشارات الواردة للمستمع والمتلقي من خلال لغة حركات الجسم واليدين وانفعالات اسارير الوجه ونبرات الصوت ونظرات العيون فهذا الجهاز مهمته معالجة اشارات لغة الجسم وتفسيرها!، ومن ملاحظاتي وتجربتي فإن المرأة عموما وبحكم غريزتها الأنثوية تكون اكثر حساسية وذكاء وانتباها فيما يتعلق بلغة اشارات الجسم وانفعالات الوجه ونبرات الصوت!، وتكون هذه الحساسية في قراءة الاشارات على اشدها حينما يتعلق الأمر بالخوف على حبيبها وزوجها وابنها والغيرة عليه أو حتى مع الذكور عامة حينما يتعلق الأمر بالتقاطها لإشارات ونظرات الاعجاب وتعطشها الفطري بالخصوص!، وقد دفعتني ملاحظة هذا الذكاء الفطري الكبير لدى النساء فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية عموما والعلاقة بالذكور خصوصا الى كتابة مقالة تتحدث عن وجود (عين ثالثة خفية!) لدى المرأة يمكنها التقاط حركات الآخرين من مواقع قد يعتقد البعض ان تلك المرأة التي ينظر اليها لن يكون في امكانها التقاطها ورؤيتها لأنها بحسابات هندسية لا تقع في مجال وزوايا النظر بالنسبة لها ومع ذلك فيمكن للمرأة ان تلتقط هذه المشاهد البعيدة ربما لا بعينيها المعروفتين الاعتياديتين بل بعين ثالثة سرية وسحرية وخفية تجعلها تراك وتدقق في نظرات عينيك وحركات جسمك من حيث تعتقد انها لا تراك بل ومن حيث تحسب أنها لا تشعر بوجودك حتى!، بينما هي في الحقيقة تضعك في تلك اللحظة تحت مجهر تلك العين السحرية الخفية خصوصا اذا كان تراقب رجلا مشغولة به وترجو ان تنال اعجابه أو تراقب زوجها وقد ارتابت في امره !!.
[٣] هناك ايضا فيما يتعلق باللغة المكتوبة ما يمكن تسميته بلغة الاشارات التي قد يستنبطها البعض من كلمات الكاتب وهو ما يطلق عليه في الغالب عبارة (ما بين السطور) او (ما خلف او ما تحت السطور)!!!.







اخر الافلام

.. شرح الجزء الثالث من قصة -طموح جارية- في مادة اللغة العربية ل


.. هند صبرى: الفنانون غير مسموح لهم بمناقشة القضايا الهامة والر


.. رحلة من الغناء والموسيقى الشرقية والصوفية بدأت مع القدود الح




.. هند صبري: الفنانين يقدمون تنازلات فى تأديهم عملهم


.. الفنانة مايا يوسف عازفة سورية تستلهم معزوفاتها من مأساة وطنه