الحوار المتمدن - موبايل



تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص -3-

جميل حسين عبدالله

2017 / 10 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص. ‏
‏-3-‏
سادسا: إن افتراض التسري في زمن نزول القرآن أمر وجيه، لاعتبارات يوجبها الخضوع لما هو سائد بحكم رواسب التاريخ في المجتمع الجاهلي، ‏لكونه يلتزم بما كان إرثا قديما، وواقعا قائما، حمله الإنسان معه إلى فضاء الدين الجديد، لكي تتشكل معها بنية خصوصية حياته في العلاقات، ‏والصلات، لكن لا يمكن إجراءه في مجتمع تقوم روابطه على مبدأ العدالة، والمساواة، إذ استطاع الأرقاء أن يحصلوا فيه على معنى الحرية، وأن يماثلوا ‏غيرهم في الحقوق، والواجبات. ولذا، فإن ملك اليمين تعتريه شبهة العبودية في ذاته، لكونه يعتبر مملوكا بحكم الأعراف لمالكه، وسواء الذكر فيه، ‏والأنثى، فيكون على هذا الاعتبار جزءا من المال المقتنى، كالسلعة، والحيوان، وغيرهما. ومتى احتاج إليه سيده، باع عينه، أو استعاض به غيره، ‏وله الحق في ذلك، ما دامت سلطة رقبته في قبضته، وكينونته بيمينه. فلا غرابة إذا باع الصحابة ما غنموه في الحروب والغزوات من السراري، ‏واعتاضوا بهن المال، والخيل، والإبل، والسلاح، (وإن كان القرآن قبِل الفداء في أسرى بدر.) وهن في المعنى، الإماء المملوكات ملكا تاما للرجل ‏الحر، ويحصل معهن السرور، أو الاسترار بين البيوت، والأكنان، وهو ضرب من صنفي النكاح الذي يلتجأ إليه المتزوج عند تعذر مهر الحرة عليه، ‏وخشي العنت على نفسه، أو عند امتلاكه للنساء بملك اليمين، وكن جزءا من ثروته التي يدخرها، لأن ما عرف في العهد الأول من فنون الاتصال ‏بين الزوجين، لا يتم إلا عن طريق الزواج بالحرائر، والإماء عند عدم القدرة على مهر الحرة، أو التسري بسرية امتلكها بسبب من الأسباب ‏المعروفة في كتب التفسير، والفقه، والتاريخ، لقول عائشة (ض) حين سألت عن المتعة: "والله ما نجد في كلام الله إِلاَّ النكاح والاسْتِسْرَارَ". ومن ‏هنا، فإن وطأ السرية، لا يستوجب عقدا، ولا مهرا، ولا شهودا، وإنما يطلب فيه العلن لتعريف الذرية، لأن فقدانها للأهلية بالتملك، لم يترك لها ‏مساحة للرفض، أو القبول، بل هي خاضعة لرغبة مالكها، وهو الذي يدبر أمرها، ويصرفه كما يشاء. ‏
وحقا، إن القرآن قد جاء لتفكيك جذور هذه البنية الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع الجاهلي، وهي مخالفة لما هو مرسوم طريقه لكلياته، وقواعده، ‏وضوابطه، لأنه بمقدار ما يجاري هذه الظواهر، ويسايرها بمقتضى أخلاقه، ومنتهى آدابه، فإنه لا يؤسس عليها الأحكام المرتبطة بسريانه في الزمان، ‏والمكان، وإنما يعالجها في حدودها الوضعية، وشروطها الاجتماعية، لكي تصل إلى ما يتحقق من نهايتها، ويتكون من فنائها، إذ هي لا تستقر على ‏حالها مع تجدد الوعي، وتغير مِحضن ولادته، ومستقر نشأته، وحينئذ، يؤوب الحكم إلى ما يؤصله بداية من قيم الإدراك، ويؤثله غاية من أخلاق ‏السلوك. وإلا، فلم جاء القرآن بعتق الرقاب بكثير من الوسائل، (المكاتبة، الكفارات، الزكاة، وغيرها.) وجعل ذلك مظنة للعفو عن كثير من ‏الأخطاء التي يقع عليها الجزاء في الحياة البشرية.؟ أليس هذا تضييقا على موارد الرق، ومصادره، ومواقعه.؟ قد يكون هذا غير ملتبس في عقل من ‏رأى القرآن يتضمن إلى جانب كلياته، ما هو راهن في واقع التنزيل من علاقات، وعقود، والتزامات، لأنه يعالج هذه الظواهر المتفشية ضررها في ‏المجتمع الذي يبني أسسه، ويرفع دعائمه، ولكنه إلى جانب ذلك يؤسس للغد الإنساني بما يحتويه من صيرورات ممتدة مع الحياة الإنسانية فوق هذا ‏الكوكب الأرضي الجميل. ‏
ولذا، فإن العودة إلى هذه الأحكام المرتبطة بزمنها، والمقيدة بأوضاعها، لا يفيد في رسم صورة لمطالب القرآن، ومقاصده، ولا لمفاهيمه الأخلاقية، ‏والإنسانية، ولا لعناوينه الكبرى في التشريع، والتقنين، لأنه سيحصرنا في زمن ضيق، ومهد قلق، له خصوصيته الثقافية، ومركباته الاجتماعية، وإذ ‏ذاك، لن نسير إلى الأمام، ولن نتقدم بخطوات نحو ذلك الهدف الذي يؤسس وضعيتنا الائتلافية على مبادئ العدالة، والحرية، والمساواة. إذ ‏الإصرار على الفهم الأول، واستبعاد ما عداه من الأفهام المرتبطة بمركبات التكون، والتكاثر، والتنوع، لن يخفف عنا من أوزار التاريخ الذي لبسنا ‏بزته، ولن يرفع أوضار وضع رعته كتب التفسير، وحمته المؤسسة الفقهية، وهي في كثير من تعاركها على قيود حرية التفكير، وإغلاق باب الاجتهاد، ‏لا تبني إلا ذلك الخندق الذي يحول بيننا وبين التقدم، والتنوير، لأن استكناف رجال الدين عن مسايرة نواميس التطور، ومحاربة التجديد، ومنابذة ‏التثوير، لم يصر في كثير من إكراهاته إلا ثلمة نفذ منها أعداء الأديان إلى ما تراكم فيها من تجارب، وخبرات، يمكن لها، لو أحسن التعامل مع ما فيها ‏من نفحات، ونسمات، أن تساعد في تخليق العالم، وتهذيب شبقه، وتلطيف شهوته، ولو تضمن بعضٌ من هذا التراث تحريفا للمسار، وتزويرا ‏للمدار، وهو ما يحميه العقل الفقهي من أنماط لا تلتزم بالكمالات البشرية، والخصوصيات الإنسانية، وسواء في ذلك من رأى الدين حاجبا للتمدن، أو ‏من رآه حاجزا عن سمو الحياة، وكرامتها. ‏
ولا أظنني أغالي إذا قلت: إن محاربة الأديان، لن يفتت صخرة الجهل، وغباء واقع التخلف، بل ستقذفنا في يم الصراع، والحيرة، وتبعدنا عن ‏المطلقات التي تتأسس عليها حدودنا، وقيودنا، وإذ ذاك، لن نستفيد شيئا مما نريد الوصول إليه، والفوز به، وهو ما نجعله حجتنا القائمة علينا في ‏تاريخنا، ودورنا الوظيفي في صناعة العش الآمن للإنسان المحترق بسعير المادة، ونيران الحضارة الغازية. فلا ضير إذا احترمنا الخصوصية الدينية، ‏والثوابت الاجتماعية، وجعلنا مشترك الحياة السعيدة هدفا نسعى إليها جميعا، وغاية نبحث عن ظلال جمالها بين الموارد الآسنة بالمصالح المتحاربة، ‏والمنافع المتعاركة، لأن ما سنضيعه من عمر في محاربة الأديان، وما سنحرقه من خلايا وأعصاب في حمأة الصراع، لو استثمرنا جهده المبذول سدى ‏في صناعة الإنسان النوعي الخير، والطيب، وصياغة مناخ هادئ لهبوب رياح التسامي بالفعل المسؤول، لكان خيرا على هذه الشعوب البائسة، ‏والأمة الحائرة، وهي تنتقل من وضع سيء إلى ما هو أسوأ منه، وتنفجر منها لغة الاستعداء، وقيم العنف، وسلوك الانتقام. فلا الزواج الموسوم ‏بالشرع مقدس، ولا الزواج المفتوح العلاقات محترم، بل انتهك الإنسان كل ما له صلة برحم العائلة البشرية، وصار تخريب نسله ونسبه وبيئته ‏وطبيعته وكونه مغنما لطلاب الاستقواء، والاستيلاء. فأي مهد يمكن له أن يقي هذا الإنسان، وهو يرزح تحت خفاف طغمة تحرف تاريخه، وتدمر ‏حضارته.؟ ‏
إن العودة إلى ملك اليمين بعد اليأس من وجود العدل في الزوجة الواحدة، يوحي إلى ذوي النيات المعرضة بأن القرآن ما زال مصرا على بقاء ‏ذلك الواقع الذي تفقد فيه الجواري حق الحرية، والكرامة، لأن قراءة النص، وما يستبطنه من مقاصد نبيلة، وهي التفصي من الزنا الذي ينسف ‏طهارة الأرحام، ويفسد نظافة الأنسال، قد أوقع بعضا في الالتباس الذي يغذي نازع النقص، وينمي وازع الحيرة، فزعم أن القرآن يؤصل لقضية ملك ‏اليمين بأحكامه، ويؤسس بأوضاعه لاستمرار العبودية في المجتمع الذي يبني صرحه، ويرفع قلاعه. لكن هل يصح ذلك، وهو متناف مع ما يقعِّده من ‏كليات تتضمن مبادئ الكرامة، والعدالة.؟ إن التركيز على الأحداث العينية، وفصلها عن إطارها التاريخي، والاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، ‏والسياسي، وجعلها أساسا لما يتطور من تجربة الإنسان بين فضاء الزمان، ووعاء المكان، لن يحدث فينا إلا خطل الفكرة، وزلل الرؤية، وخلل ‏الغاية، إذ لا يمكن أن يكون القرآن دستورا متضمنا للقواعد العامة التي تنظم حياة الإنسان في صيرورته المتعاقبة، إلا إذا كان خاضعا في شروط ‏الإصلاح لنواميس التغيير، وقوانين بناء المستقبل. وإلا، فكيف يمكن تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة، وهي اللعبة المقدسة في الذهن، والشيء الذي يغلب ‏فيه نظر العاطفة، ويحكمه دافع الغريزة، وينفذه رافد الشهوة.؟ ‏
إن تغيير نمط السلوك مع النساء، لاسيما في مجتمع يبحث عن كيانه بين الأمم المتحاربة حول حياض الوجود، يستوجب هدم كثير من السياقات التي ‏لها ارتباط بمجال الرغبة، وتفكيك جملة من نظم العلاقات التي تحدد النظر إلى المرأة، وقيمتها الاجتماعية، وأدوارها الإنسانية. وإذا تهذبت النفس، ‏واعتدلت نسب نظرتها إلى الأشياء، كان مجال عاطفتها سليما، ومحال إحساسها قويما، لأن ترسيخ مبدأ الاحترام، وتسييد العقل في الالتزامات ‏الأخلاقية، لا يمكن أن يكون محلا للاتباع، ما لم تنكسر كل الأصنام المصاحبة له، إذ هي التي تمنحه فاعلية تأليه بعض المظاهر المعيبة، وتقديس ما ‏فيها من ضروب المهانة، وتهبه كل الوسائل المسوغة لحماية ذاتها، وخلود قوتها. ولذا، يجب علينا أن ينظر إلى القرآن بهذه النظرة المقصدية، لكي ‏نفهم سر التدرج في كثير من التشريعات التي تحولت من رخصةإلى عزيمة، أو من تشديد إلى تخفيف. ومن هنا، يكون الحكم مرتبطا بالقاعدة الأصلية ‏التي يبنى عليها الارتباط بين الذكر، والأنثى، وهو الزواج المقيد كما قلنا بعدم الخوف من الجور، والمحدد بما في القدرة من مكنة، وطاقة. وإذا كان ‏هذا ملزما بقيمته، ومحرضا بغايته، وهو أس العقد المبيح للالتقاء، والمجيز لتشابك العلاقة بين الأزواج، فإن مطلوبيته في عصرنا أوكد، لأن هدف ‏الشريعة، هو تحقيق المصلحة العامة، وتحديد دور كل فرد في الأسرة، والجماعة، إذ الزواج بذرة لولادة الأسر، والمجتمع، والأمة، وهي كل الكيانات ‏التي ينظمها رابط الدين، والعرق، وهوية اللغة، والتاريخ.‏
‏ ومن هنا، نخلص في هذه المناقشة إلى ما يلي من النتائج: ‏
‏1-‏ إن الآية نزلت في اليتيمة، يرغب وليها في الزواج منها، وهي ذات مال، وجمال، بدون أن يمهرها مهر مثيلاتها. فجاء النهي بطلب الإقساط ‏في صداقها، وإن لم يطق ذلك لخوف الجور في حقها، فله أن يتزوج ما سواها من النساء. وعلى هذا تضمنت الآية حكم حفظ مال اليتيم، ‏وحقه فيه، ذكرا كان، أو أنثى، ثم حكم ما تستحقه اليتيمة من صداق يوافق ما ينحل مثيلاتها، ثم حكم التزوج بما سواها إذا حصل ‏الإضرار بها، وهن أربع، ويحرم الزيادة عليهن، أو بواحدة إذا تعذر العدل، أو بملك اليمين إذا فقد القدرة على صداق الحرة. ومن هنا، نفهم ‏أن الآية لا تتضمن الأمر بالزواج ابتداء، وإنما أرشدت إلى الأوضاع التي عاشها المجتمع الجاهلي، ثم استحالت واقعا يتطلب حلولا تعالج ‏ما خرج عن سياق الدين، وقواعده الأخلاقية، وكلياته الإنسانية. ولذا، يعود الأمر بالتزوج إلى نصه الظاهر فيه، وهو ما طُلب به قصد ‏الزواج أصالة، ورُغِّب فيه لغاية وظيفته في بقاء النوع الإنساني، وسلامة النسب من الاختلاط، وإنشاء الأسر المؤمنة بقيم السماء، ‏والأرض، وأداء دور الخلافة في عالم الطبيعة، والإنسان. ومن هنا، يكون الأمر في هذه الآية لكشف قضية متعلقة بإحدى مصاديقه، وهو ‏ما يكون سببا في حماية اليتيمة بالزواج منها، أو بالزواج من أمها. ‏
‏2-‏ إن الآية ربطت بين اليتامى والتعدد بقرينة الخوف من وقوع الظلم عليهما، فكما يخشى من أكل مال اليتيم، فكذلك يتحرز من عدم العدل ‏بين الزوجات، لأن المقصود هو تحقيق كلية العدل الذي تعرب عن تمام التقوى، وهي العروة الوثقى لتربية دين الضمير، والاستقامة، ‏والحب، والخير، والجمال، والصلاح. وعلى هذا يمكن لنا أن نتساءل: إذا خيف الظلم، هل يباح التعدد.؟ إن ادعاء إباحته، لا يقول به ‏إلا مصر على لي عنق النص، وتحريف معناه، ومعاند لا يفقه مقاصد كلام الله، ولا غايات التركيب في سنن التكوين، والتناسل، والتراكم، ‏لأنه لو شم فوح رائحة البيان العطرة، وخبَّر ما فيه من معان السمو، والكمال، لأدرك تحريمه بالبديهة، لأنه لا يتأتى قيام فعل الزواج في ‏الخليقة، إلا بطلب ما فيه من لطف إلهي، وكمال بشري، إذ المقصود هو ما ينتج عنه من قيود تدبر كسب الإنسان بمقتضى المشيئة الأزلية، ‏لئلا ينحرف السبيل، وينجرف المكلف إلى محاربة ما خلق سويا في كمال الطبيعة. وهذا الرأي هو ما ذهب إليه شيخ المفسرين الطبري، ‏وإليه يميل كل ذي ذوق سليم، وطبع قويم.‏
‏ ومن هنا، فإن الخوف هنا إذا كان يقتضي الحذر، فالمراد به مجرد العلم بوقوع الجور، وحصوله بالظن الغالب، أو بالشك المستفيض، لأن ‏وقوع ذلك في التكليف المحدود بالطاقة، والجهد النسبي المكسوب بمحدودية الفعل، كما يحدث في نقص الصداق، فإنه قد يرد في سوء ‏العشرة، أو في العجز عن إيفاء الزواج حقه، أو في عدم الأهلية لتحمل مسؤولية الرعاية، إذ المقصود به، ليس هو استحلال وطء المرأة، ‏وامتلاكها لوازع الشهوة، بل المرغوب هو ما يترتب عنه من فلسفة الحقوق، والواجبات، وما ينشئ عن صيغته من تأليف للأسرة المنتجة، ‏والفاعلة، وهي الأساس الذي تبنى عليه كل مناحي الحياة الدينية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والحضارية. ‏
‏3-‏ إن العدول عن الزواج بالأربعة إلى الواحدة، ثم إلى الاقتصار على ملك اليمين، يؤكد ضرورة تمام العدل في كل مرتبة، لأن أو هنا، ليست ‏لطلب التخيير، وإنما للتسوية بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر، وسواء في ذلك المادي منه، أو المعنوي، لأن ضرورة العدل لا ‏تعني مجرد النفقة فقط، بل تعني شيئا أوفى من ذلك، وهو ما يحقق تمام فكرة العدالة في كل المناحي الحياتية، إذ ما يخاف من الجور في ‏الحرائر، يمكن له أن يحدث مع ملك اليمين، وهن نساء يمتعن بحق الوجود، وإن اقتضت وضعية المجتمع العربي أن ينقلن من الحرية إلى ‏العبودية بسبب الأسر في الجهاد، ويصرن رقيقا محكوما بنظام ذكوري لا يعبأ بآدميتهن، وبشريتهن. ومن هنا، لا يتحقق العدل بوجود النفقة ‏وحدها، بدون ما يصحبها من عاطفة، ومشاعر، وأحاسيس، ووشائج إنسانية، لكون الاحتياج إلى ذلك موجودا في الصورتين، إذ من ‏المعلوم بالضرورة أن ما يحتاج إليه من ذلك في الحرائر، هو عين ما يحتاج إليه في كسب قلوب الإماء، وإن أصر الفقه على التقسيم ‏الجائر بين النوعين، فأوجب القسم العادل في الحرة، وأباح جريانه على مقتضى المزاج في الأمة، لأنها دون مرتبة المطلوبة بالزواج، أو ‏دون مستوى ما هو مرغوب من رجاحة العقل في الزوجة التامة الأهلية. ‏
وإلا، صار ملك اليمين محلا لإفراغ كبت المسعورين بالشبقية، والمجنونين بالشهوة، لا مرفأ للتواصل الإنساني المتسم بالقيم الروحية، ‏والمعنوية، ولو مع كون وضعه ممزوجا بما تقتضيه الصيرورة من إهانة للكرامة البشرية، إذ لا ينكح أحد امرأة بدون ما تواضع عليه ‏الأسوياء من علاقات سوية، إلا إذا كان بهيميا متغولا، وساديا متوحشا. وهكذا، يكون المقصد من العدل، هو إجراء الأشياء مجراها، ‏حتى لا يقع فيها ميل، وانحراف. وإذا خرجت قضية التعدد عن مقتضى هذه الغاية السامية، وكان الغرض منه استدراك نقص الرجل في ‏بشريته، وكبح جماح نزواته القابلة للخيانة، فإن ما يطرأ عن ذلك مما يُخشى توقعُه أعظم مما يحميه من محنة غريزته، لأن تصوير طبيعة ‏الرجل بهذا المستوى الدنيء، لا يرفع مكانته إلى قيمته الإنسانية، ولا ينمي فيه خلق الاحترام لزوجته، بل يصيره مستهترا بقيم العفة، ‏والاستقامة، ويعرضه للاهتزار، والخطيئة، إذ لا تكون المعصية أثرا مكسوبا بالفعل، إلا إذا كانت مستحوذة على الذات، ومستولية على ‏تصوره لحقيقة الطهارة، والنقاوة. وإذ ذاك ينفعل بها في واقعه، فيتحول إلى وحش كاسر، لا هم إلا حماية نفسه من فتنة النساء بحصن المرأة ‏المقدور على مضاجعتها، ومواقعتها. وكيف سيستقيم هذا في ميزان الإدراك السوي، ما دام الخوف من الزنا، لا يتقى إلا بتقوية دوافعه في ‏صور الذهن، ومركبات العقل.؟
‏ إن النظر إلى الرجل في قضية التعدد دون اعتبار المرأة، لا يسوغه إلا نظر منهزم بصور الرغبات المكبوتة، إذ لا يمكن أن ننظر إلى ‏غريزة الرجل وحدها، ونحن لا نفترض ذلك في المرأة، لأن ذلك مما يهدم قانون البناء في الإنسان، ويدمر كل الخصوصيات التي تشارك ‏فيها النساء الرجال، ويكمل الواحد منهما عضوية الآخر في الجماعة، إذ لا وجود للغرائز إلا في عمق كل واحد منهما، وهما سواء، وإن حدث ‏أن كتمت المرأة ذلك، فلتأثير اقتضاه تركيب المجتمعات العربية، لأنها لا تلوم الذكر فيما فصح عنه من نزوات، ولكنها تعيب الأنثى ما يحصل ‏لها بحكم ضعفها البشري. وذلك مبني على أسس الثقافة السائدة، وهي مماذقة لغريزة الرجل في كثير من أحوالها، ومعادية لمطالب المرأة في ‏جل أحكامها، لأنها حين جعلت بديل سعار شهوته في التعدد، فإنها قد قتلتها في المرأة، وحولتها إلى كائن جامد، لا يلبي إلا رغبات زوجها ‏الشهواني، والجنساني. وفي ذلك استعلاء على قانون التركيب في الإنسان، وتحريف لتاريخ البشرية، ومسار الحضارة القائمة على الإنصاف، ‏والاعتدال، والتوازن، إذ ما ينشأ عن ذلك من متعة للزوج، ومن استقواء غير مطمئن إليه، لا ينفي فعل الزوجة، وإراداتها، وعواطفها، ‏ومتعها، ولذاتها، لأنه كما يتحقق الاكتفاء عند زوجها المتعدد، فإنها تحس في غيرتها برغبتها في شريك يملأ جوانحها بالحنان، والعشق، وربما ‏قد يؤدي ذلك إلى كرهها له، وعدم الاهتمام به، بل ربما يؤثر ذلك على مهدهما الذي يستقبل الأبناء، فيكون ذلك الفعل الذي استطابه ‏بدعوى الحرص على تمام الديانة سببا لما يطرأ في البيت من صراع، ونزاع، يفضي إلى فقد البيت لسكينته، وطمأنينته، وضياع الجانب ‏الإنساني المتجسد في المحبة، والمودة. وفي ذلك تضييع لكل القيم التي تربي الخلف، وتهذب سلوكهم النفسي، والاجتماعي. ولذا، يصير التعدد ‏فعلا يخرب البيوت، والأسر، والأجيال، ويبني علاقات غير سوية، وأخلاق غير مهذبة.‏
‏4-‏ إن راهنية واقع التنزيل، قد فرض تعديل بعض الأحكام التي أنتجتها العادات المترسبة في المجتمع الجاهلي المتحول إلى الدين الجديد بكل ‏محمولاته القبيلية، لكنها وإن لم تعدل دفعة واحدة لضرورة سلوك مسلك التدرج الذي تقتضيه عملية الانتقال من وضع خاص إلى وضع عام، ‏فإن ما جاء به القرآن من كليات، وقواعد، وأصول، ومعان، ومفاهيم، قد تضمنت حقيقتَها السارية مع نزوله منجما لإصلاح الأوضاع، ‏وتغييرها إلى ما يحقق الحياة الكاملة المهاد، والوافرة الجناح، ولو لم تشر آي التنزيل إلى أوصاف كثير من الجزئيات الدالة على مصاديقها ‏في الحياة الإنسانية، لكونها خاضعة للناموس المحدد لنظرة الدين، ورؤيته الكونية إلى كل مناحي الوجود البشري على وجه الطبيعة الثملة ‏بالفتنة، والجمال. ولذا، فإن الزواج بأربع نسوة، كان انتقالا من وضع جاهلي إلى وضع آخر، يضيق فيه على حرية المتزوج بإيجاب العدل ‏في التعدد، والعدد المقدر عند إرادته. وهذا إن عنينا بالعدل مجرد الحكم عند إرادة الزواج، وتقييده في التكليف بمقتضى ما تقوم به الذات ‏على أنه مستقيم. لكن إن قلنا بوجود قيد ثان، وهو ما يحتمله النص من ارتباطه بالأرامل ذوات الأيتام، فإن جواز التعدد متعلق بالتزوج ‏من النساء اللائي فقدن أزواجهن، وليس لهم معيل يحميهن من معرة الفقر، والجوع، ويمنعهن من القهر والاضطهاد الاجتماعي، فيكون ‏التزوج بهن إنقاذا لهن من المعاناة، والآلام، ولما بين أيديهن من أبناء، حرمتهم طبيعة الفراق الأبدي من حنان الأبوة، وعطفها، وتوجيهها. ‏وعلى هذا، فإن النص إذا كان له سبب مذكور، وهو ما ذكرناه فيما سبق، فإن له ظرفا تاريخيا، يحيل بمحدودية حدوده على ضرورة تقييد ‏التعدد بالأيامى، وهو ما حدث بعد غزوة أحد من فقدان كثير من النساء لأزواجهن في الحرب القائمة بين معكسر المسلمين، والمشركين. ‏ومن هنا، يكون استيعاب سبب النزول، ووضع منزله، وغاية إنزاله، مفسرا للآية، على اعتبار خصوصية السبب المعينة على فهم عموميته ‏في المعنى. ‏
‏5-‏ إن النص حين اشترط العدل في هذه الآية، لم يعلقه بتحديد المكلف للمراد به في الدلالة، لكي يكون محلا لتوارد الإرادات عليه، فيتسم ‏بتأويل الذوات لمفهوم العدالة، والاستقامة، بل أقر في تمام سياق السورة بصعوبة تحقيقه في عملية الاجتماع المتصلة بما يلتبس بها من تغير ‏القواعد، والأسس، والشروط، والأسباب، لأنه مرتبط بكدح الإنسان الذي تعتريه عوامل النقص، والاحتياج، فتُضعف ثابت مبدئه ‏الأخلاقي، وتبْدل راسخ رضاه بما يواجهه من ضد في الطبع البشري، وتحول وضع حكمه إلى وصف آخر، يستلزم وقوعه مراعاة ظروفه، ‏وأحواله. وربما قد ترد عليه أشياء تقْعده عن حقيقة ما انبنى عليه حكم العزيمة فيه، فيصير محلا للرخصة التي ترد عليه بلطف التخفيف. ‏ولذا، فإن عدم استقرار حال بنيته على مركب واحد في الذات، والهوية، والوجهة، يغير تبعات الأحكام في التكليف، ولازمها في ‏المسؤولية، لأن تحقيق مناط الحكم البين الدلالة، والظاهر الحجة، لا يتم إلا عند استيفائه لأسبابه، وتجاوزه لموانعه، إذ تطوره، وتجدده، ‏يوجب دقة معرفة مهاد نموه الطبعي بين مداراته التكوينية، والتشريعية.‏
‏ وما دام التعدد مشروطا بالعدل، ومحصورا بمقتضاه في الوجود المتعالي، وهو متوقف على تعقل اختيار الإنسان، وقدرته على تبصر ‏مراتب الأمر الإلهي، فإن ما يتعاقب عليه من أحكام تفيد التضييق أحيانا، والتوسيع أحيانا أخرى، قد امتزجت صيرورتها بنسبية كبده في ‏كسب المعاني الإلهية، والحقائق الكونية، وعلية تقابل الضعف والقوة في إرادته المحدودة، وطاقته الممدودة، وسببية سيره بين مراحل ‏الزمان، ومنازل المكان، لأنه محل التنزيل الذي ينصرف فيه الفعل إلى قصده الجزائي؛ وسواء ما كان جاريا على سنن الإلزام، أو ما كان ‏مرتبطا بالعقود التي تسري عليه أعرافها الوضعية بالالتزام. ولهذا صار حكم العدل فيه غير مطاق على جهة الكمال، والتمام، لأنه لا يتأتى منه ‏في حال نقصه أن يقوم بلازمه المادي والمعنوي وافيا، وثابتا، فيرتبط حال بدئه فيه بحال منتهاه، لأن الزواج غير مرتبط بأحادية خصوصية ‏النظام الفردي، والشخصي، فتغدو الغاية منه تحقيق المتعة الجسدية، واللذة الجنسية، بل هو في علاقة مستمرة مع سائر الأنظمة التي ‏تتحول أوضاعها بين المشقة، واليسر؛ وسواء في ذلك ما هو ذاتي، أو ما هو اجتماعي، أو اقتصادي، أو سياسي، أو كوني. ولذا قال ‏تعالى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم". فهل المقصود به ما هو متعلق بالقلوب كالحب، والمشاعر الخيرة.؟ أم هو ما ‏متصل بالحقوق، كالقسم، والنفقة بالمعروف.؟
‏ إن صرف الآية إلى المعنى الأول، لا يفيده قوله تعالى: "ولو حرصتم."، لأن شدة الحرص تعني المبالغة في إيجاده، وتحصيل معناه، لكن لا ‏يمكن أن يقع ذلك منه البتة، لما يعتري الإنسان من نقص، وضعف، وذل، وعزة، وعسر، ويسر، ولما يتغير من وضعه بتحيز ذاته إلى ما ‏يحدها من قوة اليقين، وهوانِه، واعتدال التزامها بالمبدأ الإلهي، وانحرافه عنه، وإلى ما يربطها بمحضن لا تفارق نواميسه قسرا، وجبرا. وهو ‏كل ما تقوم به ضرورة الحدث الزماني والمكاني في طبعه البشري، وما يتولد عنه من تنوع الأوضاع، والأعراف، والعادات، والقوانين، ‏والتصرفات، والالتزامات. لاسيما والنص قد صرح بعدم القدرة على تمام العدل، لأنه ليس في محمول طاقة الإنسان، ولا مكسوب له في ‏وظيفة التكليف، لنفي الله ذلك عنه بالاستحالة التي لا تنكر مقتضاه في كبد الذات العاقلة، وجهدها في كسب ما هو مطلوب منها في محل ‏تحمل المقدور عليه. ومطلوبية مطلق ذلك منه على جهة الاستيفاء لكل حيثيات مضامينه وفحواه متعذرة، لأنه لا يقع دليله إلا على ما يحتوي ‏ذاته، ويستوفي كل جزئياته. وما دام ذلك غير مكتسب بالحد البشري، لكون القلوب تتقلب بين طوري الشدة، واللين، فإن تأويل ‏ارتباط الميل به، لن يؤدي دور الدلالة على ما هو أعم وأشمل مما حدد به من رسوم، ووسوم، لأن تغير أحوال القلوب، وتبدل مقاماتها ‏بين القبض، والبسط، والمنع، والعطاء، تمنع من صرفه إليها وحدها، دون ما يتضمنه من موارد، واحتمالات، إذ الذي تجاوز هذا الحد ‏المكنون في الطاقة البشرية، وتساوى عنده المقام في سفر الفؤاد بين مغابن طرق الحياة المتعبة، لم يكن مريدا بوضع الفعل المنجز ‏بالتكليف، بل هو مراد في نسبيته للطف الجذب إلى مقام إسقاط التدبير، وما حصل فيه ذلك إلا لعارض طرأ على ذاته تفضلا، وتكرما، ‏فغير سمط نظامها الجامع لقابلية استعداداته، وملكاته، وأحدث فيها صورة البراءة، وصوت الملائكة، وهم غير مكلفين بما ألزم به أهل ‏الأرض من نظم، وقوانين. وهكذا اقتصار الميل على المطعم، والمشرب، والمأكل، والملبس، والمبيت، إذ ذلك تحصيل حاصل، لأنه لا يمكن ‏أن تقوم الأسرة المطلوبة بالخلافة بدونها، وهو أصل في استحقاقها لصفة الوجود، وبدونه لن تتسم بصرف جمالها، ومحض كمالها. ‏
وهكذا، فإن المقصود بالعدل، هو كل معناه بلا تجزيء، ولا تحيز، ولا اقتضاب، إذ لا يمكن أن نحصره في مورد دون أن يشمل ما عداه ‏من المعاني التي يدل عليها، لأن مفهومه يجسد كل القيم التي تجعل الشيء قائما بذاته كما هي عليه في أصله، وتدبيره بما هيئ له من أوضاع، ‏ووظائف، وأدوار، وأطوار. وهذا متعذر لما مر معنا، لكونه من الصفات المتحضة لله، وما يتجلى منها على الخلق، لا تستوعب إلا ‏حدود ما هو كائن بالعلم به، وكامن في القدرة عليه. ولذا، قال تعالى مبينا صعوبة إقامته على مقتضى أصله: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ‏النساء ولو حرصتم"، ثم قال مؤكدا ذلك بطلب توقي الميل عنه بما في البد من وافر العزيمة: "فلا تميلوا كل الميل، فتذروها كالمعلقة". ‏فالميل هنا يعني العدول عن الشيء، أي الانحراف والعول والحيدة عنه، وهذا لا يتعلق فقط بمعاني الظاهر، لكي يرتبط بالكسب المادي ‏المحدود، بل يتعلق أيضا بالمعاني التي لها ارتباط بالباطن، ولا بد أن يستجمعهما في جماع كليته، لكي تكون تامة في المراد منه بالدلالة. ‏وعلى هذا، فتقصيره على انحراف القلب في الحب، لا يوفي الدلالة حقيقتها في التشريع المرتبط بالخارج عن الذات، وهو ممتزج بالداخل الذي ‏يعتبر صورته الذهنية في العقد التكليفي، لأن المكنون في العمق من نيات الفعل منوط بعلم العقائد، ويعتريها القبول، والرفض، وهما معا في ‏مقام الصحة والبطلان عند علماء الفقه المشتغلين برعاية الجوارج، وكسبها، وتوافقها مع مقاصد السماء. وهكذا ربط الميل بالجماع، إذ ليس ‏المقصود بالغاية النكاح فقط، لأنه يمكن توقي شهوته بالصيام إذا تعذر وجوده، بل المقصود به ما تدل عليه دلالة الزواج، وهو التزواج بين ‏ذكر، وأنثى، تجمعها رابطة الروح، وتدبرهما المادة بكل تجلياتها، لكي يصيرا زوجا في العدد، ووحدة في الكثرة. ومن هنا يكون الاقتصار في ‏مفهوم الزواج على مجرد النكاح، لرغبة التحمي من الزنا، سببا لكثير من الأخيلة التي صيرت المرأة متعة جسدية، لا قيمة معنوية، لأن ‏مقاصد الزواج، ليس هدفها الأسمى، هو حياطة الذكر بسياج الأنثى، لئلا يقع في الآثام، بل مقصده الأعلى، هو إنشاء أسرة يستمر بها ‏النوع البشري، وتكون آهلة للخلافة، والتنمية، والتطور، والتمدن. وهكذا يكون تفسير عدم القدرة على العدل بالميل القلبي ضارا بغيره من ‏المعاني التي يحتملها الكلام في ظهوره، وبروزه، لأن الآية جاءت بعد ذكر النشوز، والصلح، لكي تبين الجانب المكتسب في العلاقات ‏البشرية، وهي مرتبطة بما يستلزمه مخاض ولادة قوتها من نوازع الصراع، والشجار، والخصام. ولذا قد فسر مجاهد الميل فقال: "يتعمد أن ‏يسيء ويظلم". وربما قد يفيد ذلك أيضا قوله تعالى: "فتذروها كالمعلقة". أي لا هي أيم، ولا هي ذات بعل. وهل يعني ذلك مجرد النكاح، ‏فنستدل به على أن أقوى فاعل للتشارك في الحياة الزوجية، هو ما نتطلبه من لذات الجنس المقدس.؟ أم يعني فقدان حميمية العلاقة، ‏وما يدور في مدارها من لمسة الإحساس بالحنان، والرقة، والأمان.؟
‏ إن ربط الآية بسياقها العام، ووصلها بما قبلها، ودمجها مع ما بعدها، يفرض علينا أن نعتبر العدل المورود هنا بمعناه الأشمل لجميع جزئياته، ‏لكي تستقيم وحدته الكلية التي تحدد المناطات، وتفسر المرادات. ومن هنا، فإن اعتبار الميل في هذه الآية شأنا قلبيا، وهو مرتبط في ‏جزئه المتصف بعقل الإنجاز بعامل خارجي، لا وجود فيه لدور الإنسان، وحرده، إذ قلبه ليس ملكا له، لا يفيد القضية شيئا، ولا يفسر ‏كثيرا من العلاقات التي يتفاعل واقعها مع دورة الإنسان المادية والمعنوية في صناعة التاريخ، والحضارة، لأنه تحصيل حاصل، لكونه معلولا ‏لجزمنا بتعذره في الأصل، وعلى هذا تكون المطالبة به مع اليقين في انعدامه حشوا، وعبثا. وحاشا أن يقبل موقن بقدسية القرآن أن يرد ‏فيه ما هو في مقام البدهي، ولا يتأسس عليه حكم في التوجيه، والإرشاد. وهو ما زاد في ألفاظ نصه شيء إلا لدلالته على معنى غير ‏مدرك بالنظر القصير، ومدار مفتوح للتأمل، والتفكر، والتبصر، إذ ما يحدث من ميل القلب غير مملوك للإنسان، ولا مقدور على صده، ‏فاقتضى ذلك أن يراد بالميل ما هو في طاقته، لكي يكون محلا للثواب، والعقاب. لكن، لو حصل الميل القلبي بالإرادة المستلزمة لأثر ‏الفعل، وأضر بالزوجة التي تحت عصمة زوجها، ألا يكون ذلك مظنة للخطأ، ومجلبة للإثم.؟
‏ قد يعسر علينا أن نفصل بين ما يقتضيه الميل من مجال في تكوين صورته، فنجعل ذا معفوا عنه، وذاك مأخوذا به، لأنهما بمعنى واحد، ‏يعتري الإنسان في ضعفه، ونقصه، فيعجز عن التسوية بين النساء في كل المناحي التي تشكل حياة الزوجين، ويلتئم بها ما تتقوم به حقيقتهما ‏من نفقة، وكسوة، ومطعم، ومشرب، وعطية، وصحبة، وحب، ورفق، وبر، وإحسان، ومعاشرة بالمعروف، لأن الميل في ذلك، وعدم ‏خضوعه لما هو مرتبط بمحدودية القدرة، قد صرفه عن العدل غير المطلوب، لكي يلبس قوة الإنسان على الحدث الفاعل في الغاية ‏المكتسبة، أو ضعفه عن تحقيق ذلك المرتجى بالنية، والقصد، لاختلال مستبطن في وضع الموازين، والمعايير، وانحراف عن طريق الأسباب ‏والعلل والشروط الموجبة للتحقيق. ومن هنا يكون أثره مستوجبا لقانون الجزاء، لأنه الفعل المطلوب بالجهد، وإن لم يستوف حتمية إيقاعه ‏على الوجه الأكمل في الالتزام القلبي. ويؤكد هذا قوله تعالى: "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما". لأنه إذا كانت المطالبة ‏بالعدل القلبي كما قلنا متعذرة، وهي غير مملوكة للإنسان في صيرورته المتأثرة بما تنفعل به، ويتفاعل معها، فكيف يذكر الإنسان بالتوبة، ‏والإصلاح، والتقوى، ويمتن عليه بالمغفرة، وهو غير معني بالفعل الذي يحدث بلا إرادته.؟ ‏
‏6-‏ إذا خيف عدم العدل في مال اليتيم، فالأولى أن يتم الزواج بأم اليتيم التي صارت بحكم العادة موضعا للحاجة، والفاقة، لأن إلحاقها ببيت ‏الولي، أو الوصي، أو الزوج، قد يغدو مع نية إصلاح الأحوال من بين الوسائل التي تضمن لولدها حقه في الحرية، والكرامة، لأنه مما ‏يسعف بالعدل في ماله، ويسعده بالأمل في الحياة الكريمة مع أمه. وإذا كان هذا الزواج منها حلا من الحلول المناسبة للقضاء على حاجة ‏الأبناء إلى قيمة الأبوة وعنايتها، ورعايتها، ولو كان ذلك في أقصى وجوده شعورا جميلا يفي بوجود ظلال للخير في الكون، والطبيعة، فإنه ‏يجوز للقادر المطيق للزواج، أن يتزوجها بشروط: الأول: إقامة العدل في القسم بينها وبين من سبقتها بالزواج. والثاني: عدم الإضرار ‏بنفسه، فيسوء حاله، ويتم بذلك عوله. (وهذا مما لم يذكره الفقهاء تحريرا، وإن تضمنه النص.) والثالث: عدم الزيادة على أربع. (وهو مفهوم ‏العدد في رأي) والرابع: أن لا تقدم الأمة على الحرة. (وهو مما أضافه الفقهاء إلى مضمون النص، وهو مرتبط بسياقه المتجاوز.) وكل هذا ‏مما يسوغ التعدد، ويجعله مرتبطا بأم فاقد الأب أكثر من تعلقه باليتيمة، ومالها، وهي لم تعْد بعد مرحلة قصور أهليتها عن الزواج، ولم تبلغ ‏حد الوفاء بلازم بناء البيت المحتضن لآمالها في تربية الأبناء، وتقوية أواصر العلاقات الاجتماعية. وذلك مما يبعد الزواج عن معنى ‏الإشباع الغريزي، ويصيره قيمة كونية، تسهم بسهم في بناء مجتمع إنساني، وأخلاقي. ولعل هذا المنحى في التوجيه، هو الذي تفرضه ‏الإشكالات التي تعترض عدم دقة التأويل في كلام الفقهاء، وهم يقصدون بالزواج اليتيمة، لا أمها، مع كونها لم تبلغ بعد سن الزواج. فكيف ‏يجوز الارتباط بها، وهي قاصر عن التكليف بالفعل المطلوب صوغه في الحياة الزوجية.؟
‏7-‏ من كثرة ما دققت النظر في هذه القضية، ولأسباب موضوعية، وخضت في كتب الأقدمين، والمتأخرين، بدأ رأيي الشخصي يستجمع ‏عدته، لكي يرى التعدد متعلقا بالأرملة، لأنها هي المحتاجة إلى زوج يعولها، ويحميها من الضياع، لاسيما إذا تعلق بذمتها أطفال صغار، ‏يحتاجون إلى قوت يكفي مئونتهم، وإلى تربية، وتوجيه، وتعليم، وصحة، وثقافة، وفكر، وذوق، وإحساس مرهف بالجمال، ووجدان مضمخ ‏بالكمال بين ظلال الروح. لاسيما في زمن يعيشون سبته بين محيط مكان يعاني أزمات مدمرة، ومشاكل مبددة، تخيف نتائجها المنتظرة، ‏وتنذر بحدوث معضلة تقضي على وجودنا الرمزي بين أمم الكون. ولذا، يكون التزوج من هذه الأرملة حماية لها من الولوغ في نتن الذلة، ‏والخسة، ووقاية لأولئك الأبناء من الجنوح، والانحراف، وهم يخبون بين ديار مترعة بالجفوة، والقسوة، وممرعة بالعنف، والجريمة. وإذا كان ‏هذا سببا من الأسباب التي يمكن لها أن تعوض اليتيم ما فقده من حنان، وعطف، وصيانة، وحماية، فإن التخلي عن هذه الأرملة، ‏والبحث عن بكر لعوب، دعوب، لا يعني ما تظهره تلك التسويغات التي يتذرع بها طلاب المتعة المعددين للزوجات، بل يعني شره الذكر ‏في امتلاك محاضن الشهوة، ومكامن المتعة، لأن دافعية البحث عن حياض اللذة، ولو توارت الشهوة وراء ما تحتمي به من تأويل، وتحايل، ‏هي التي تصرف فعل الزواج عن حقيقته، وتنفخ فيه نزاع الذات، وصراعها مع مكوناتها النفسية، والاجتماعية، وتزرع فيه شبقية تغري ‏هاجس ذكورته، وفحولته، وتفجر صديدها في سلوكيات لا تنتمي إلى دين، أو خلق. إذ المقصود بالزواج ما يثري جانب العمل الإنساني، ‏ويتضمن الحرص على قوة المجتمع، وتماسكه، لأن ما نشهده يوميا من أطفال مهدري الكرامة، فقدوا الرعاية الاجتماعية، ومصيرهم الشارع، ‏أو ملاجئ الأيتام، يدل بشدة، وحدة، على أننا تجاوزنا كثيرا من القيم الدينية، والإنسانية، وانجررنا إلى وحشية مفرطة في تقديس المادة، ‏لا تربي ذوقا، ولا تهذب سلوكا. شيء رهيب أن يسوقنا هاجس الرغبة الجنسية، وننسى أننا وجدنا على هذا الكوكب لأداء وظيفة، هي ‏أسمى من أن تكون نكاحا، بل مثير أن لا نمتلك تخطيطا للمستقبل، ولا تدبيرا للمآل الذي ستعود إليه كثير من نتائج سلوكنا البهيمي، ‏والحيواني، ونحن نرى الدين في الفرج، ولا نراه فيما نخلفه من خلف، يحيى يومه بين دروب حياة لا نمتلك فيها توجيها، ولا تخليقا، ولا ‏تأليفا. ‏
يتبع







اخر الافلام

.. الحزن يقتل أم أحد ضحايا مجزرة المسجدين


.. مراسم تضامن لتأبين ضحايا مذبحة المسجدين بنيوزيلندا


.. ميليشيا أسد الطائفية تستهدف حي الأربعين في درعا البلد بقذائ




.. بابا الفاتيكان يعزي العراق بحادثة عبارة الموصل التي راح ضحيت


.. لقاء سامح عسكر مع جروب الفلسفة والمنطق