الحوار المتمدن - موبايل



فوبيا الظلم والمظلومية

عباس علي العلي

2017 / 10 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أيام الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي كان الخطاب الإيراني التحريضي الموجه للشعب العراقي، يتمتع بخلفية سايكولوجية تعتمد زرع مفهوم تامظلومية بالوعي العراقي الجمعي، من خلال مخاطبة العراقين بعبارة (الشعب العراقي المظلوم) والتأكيد المستمر على هذا الخطاب يوميا وتفصيليا لأظهار الجانب الإيراني وكأنه المدافع عنه والمنحاز للعدل والإنصاف وتمثيل القيم السامية التي يجب أن يتطبع ليها العراقيون مستقبلا، هذا الحث النفسي والتعبوي ليس له علاقة حقيقية مع أهداف النظام الإيراني وهو الذي يسعى ومن خلال شعاراته المعلنة إلى تصدير نموذجه العقائدي والفكري المتمثل بولاية الفقيه المطلقة على الشعوب، والتي في مجملها تكريس لديكتاتورية الكهنوت في فرض إرادة فردية على قرار الأمة ومصادرة حقها في أستعمال المشروعية الطبيعية للعقد الأجتماعي الإنساني.
بعيدا عن مدى مطابقة الشعار وأمتداده مع أصل التشريع الديني وما فيه من خيارات تجعل الإنسان هو مصدر إرادة السلطة وجوهر حركتها الذي يجب أن يتوجه دوما نحو مسارات الخير والحق والعدل، لكن الملاحظة الملفتة للنظر أن زرع أفكار المظلومية تجاه مجموعة محددة أو توجيه الخطاب لها يراد منه هدف أساسي يتمثل في تدجين العقل والوعي لها تحت ستار البحث عن منقذ، بذلك سوف يكون من السهل على المخاطب أن ينتزع شرعية النظام الحاكم لهذا المجتمع بأعتبار أن الدفاع عن المظلومين سيكون عامل مشترك بين المخاطب والمتلقي يكون صالحا ليحل كبديل عن الحال الراهن.
إذن تأكيد وجود المظلومية هذه وجعلها واقع سوف يترتب عليها مستحقات عملية تتمثل في أن المظلوم لا بد له أن يبقى أسير ظلامته ومظلوميته أنتظارا للمخلص القادم، هذا التعطيل للفعل الثوري الذي يجب أن يكون عليه الإنسان في حالات مواجهة الظلم سيوفر غطاء وسقف لطرح مفهوم أخر يقوم على إخضاع الذات العاجزة عن التحرر إلى جلد الذات وقمع التطلعات نحو الحرية، لأن عدم وجود المخلص والمنقذ يستوجب أن تواجه سيكولوجيا وبلا وعي مباشر إلى الأنطواء والتقوقع داخل منظومة اليأس والخذلان والجبن.
ساعد في ذلك وشجع عليه وجود ثقافة وقيم قد ترسخت عبر العقل الجمعي في المجتمع من قبيل مفاهيم تدعو للقبول بالظلم وتشجع عليه منها مثلا (بات مظلوم ولا تبات ظالم) وأيضا (دعوة المظلوم لا تردها السماء)، هذا الإحساس الذاتي بالمظلومية والتشجيع عليه والحث الدائم على كونية أن الشخصية العراقية عموما شخصية مظلومة ومصادر حقها في التعبير عن الذات، زرع أيضا مقدمات لنتائج سوف تكتسي بها لأمد طويل وهي الشك الدائم بأن ما هو موجود وبأي شكل كان دون النظر لحيثياته أو دور الشخصية الفردية والجمعية فيه سيكون ظلما مضافا وإحباط لدور المنقذ أو المخلص الموعود.
الشعور الظلم الدائم سايكلوجيا يعرف عادة على أنه مقاومة سلبية لحالة تردي وفشل في مواجهة مصدر الظلم أما عن عجز فعلي عن الرد أو عدم القدرة على رفض الواقع لأسباب عديدة، أما الظلم في حد ذاته فهو أنتزاع الحد الطبيعي لميزان العدل بين الأفراد أو بين الفرد ونفسه، هنا علينا أن نتبين من هو أو من هي الجهة التي تدير الظلم وتأمر به أو تمارسه، لا بد أن يكون هناك مصدران طبيعيان له، أما أن الإنسان هو ذاته وعبر ممارساته اليومية في بسط الذات والأنا على الأخر، أو أن هناك قوة فوقية هي التي تدفع بهذا الأتجاه وتحرض عليه.
فإن كان الإنسان هو الفاعل وهو المفعول به ظلما وأستظلاما فالحل لا بد أن يكون العمل على إعادة التوازن للعلاقات البينية بينه وبين الأخر الظالم، وهنا تبرر المشروعية الثورية التصحيحية كواجب طبيعي وحتمي على الإنسان المظلوم ليمارس دوره في إصلاح الواقع ولا حاجة للأنتظار الذي لا حد له ولا موعد متفق عليه، الفكر الديني الذي يعد واحدا من مصادر هذا الحق الطبيعي تؤكد أن الإنسان هو من يمارس الظلم ويعمل به وهو أيضا المكلف برفعه والتصدي له وتجاوز نتائجه كسلوك طبيعي وحتمي {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأنعام129، فالظلم كسب سلوكي منحرف وليس نتيجة طبيعية لوجود البشر معا في أطار مجتمعي طبيعي.
أما من يعتقد أن الله هو من أمر الظالمين أو أسس لمبادئ الظلم وشجع عليه من خلال واقع فيه التفاوت الإدراكي والحسي قانون، فإن هذا الطرح لا يعبر إلا عن شبهة فكرية أراد منها البعض أن تكون قانونا عاما يحكم العلاقة الأجتماعية الإنسانية، فالقبول بالظلم والصبر عليه سيكون قاعدة لنيل الثواب كما يعتقد الزاعمون به ومصدر من مصادر الرضا الرباني {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }الزخرف76، فالله لا يعرف الظلم ولا يحبه بل أمر الناس أن يكونوا على حذر منه لأن وجود الظالمين مع الفعل الثوري والإصلاح هو وجود طارئ، وبعكسه ذلك فإن السكوت والرضا والقبول بذل المظلومية سيجذر في الإنسان عبودية وخنوع ورجوع عن جادة الحق والصواب.
إن التبشير الدائم بأن الصبر والمصابرة وتحميل الظالم وزر الظلم بدون فعل إيجابي وعمل إيماني يفقد الإنسان القدرة على المقاومة والصد، كما أنه يؤسس إلى الطغيان والتجبر وهدر الكرامة الإنسانية التي تنزل بصاحبها إلى أدنى من مراتب العبودية، الصبر المحمود والمأمور به عقليا ودينيا هو الصبر بأنتظار نتائج العمل المنتج والعمل المقاوم وليس التخلي عن حق طبيعي منوح للإنسان بل مأمور به ومشرع كحق طبيعي له {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }آل عمران142.
إن الواجب العقلي الطبيعي وقبل أن يكون واجب ديني أو أخلاقي هو مقارعة الظلم والظالمين، والعمل بكل الوسائل والسبل التي تكفل إفشال مشروع القهر والإستلاب وهو م يسمى بمشروه الثورة التصحيحية التي تمكن الإنسان من فرض التوازن وتحقيق العدل له وللأخر، فلا يكفي أن تشعر بالظلم وتستكين له دون حراك بأنتظار المعجزة أو أنتظار القدر، بل لا بد من فعل ولا بد من تهيئة نفسية تذهب بالإنسان صوب المقاومة وبشجاعة الحق وأهله {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً }طه112.







اخر الافلام

.. فتى سوري يحصل على جائزة السلام الدولية للأطفال بقيمة 100 ألف


.. تواصل الاحتجاجات في الأراضي الفلسطينية الرافضة لقرار ترامب


.. ماذا نعرف عن انفجار وسط مانهاتن؟




.. متظاهرون في غزة يرفضون زيارة الوفد البحريني لإسرائيل


.. بوتين في جلسة شاي مع الأسد وشويغو في حميميم