الحوار المتمدن - موبايل



العقول المؤدلجة

ماهر رزوق

2017 / 10 / 5
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أود أن أتساءل في هذا المقال عن قابلية بل و حتى حاجة كثير من العقول للانتظام في صفوف ايديولوجية معينة و قبولها بكامل عيوبها و سلبياتها و الدفاع عنها كهوية تمثل الفرد و الجماعة .. فكما نرى أن أغلب الأفراد في مجتمعاتنا يقسمون ولائهم دائماً بين نوعين من الايديولوجيا : الدينية منها و القومية (الوطنية) ...

فأول الأمر نجد أن الشخص يوجه ولاءه لأسرته فقط (والديه و أخوته) ... و يتعلم كل شيء من هذه الأسرة ، كيف يتعامل مع أفراد المجتمع الآخرين و مع المواقف التي تواجهه في الوسط الذي يعيش فيه ... ردود أفعاله و أساليبه كلها يأخذها من هذه العائلة ، فيصبح نسخة مختلطة من أبيه و أمه ...
تبقى العائلة هي الوسط المؤثر الوحيد حتى يبدأ الوعي رحلته الجديدة في عمر المراهقة ، و يبحث الفرد فيها عن هوية جديدة تميزه عن عائلته و تشعره باستقلاليته ... لذلك تكون هذه الفترة هي الأصعب على الأب و الأم ، الذين يحاولان دائماً إبقاء الابن في دائرة الايديولوجية التي تمثل كلاً منهما ، خوفاً على هذه الايديولوجية من الضياع أولاً ... و لكي تزداد قوة هذه الايديولوجية و أثرها ، عن طريق ازدياد عدد الأفراد المؤمنين بها ثانياً ...

عندما يخرج الابن من دائرة العائلة ، يجد أمامه العديد من الايديولوجيات التي تحاول أن تجتذبه إليها و تقنعه بالانخراط في صفوفها ، لتدعم بذلك قوة أفكارها و تضمن بقاءها و عدم اندثارها مع الزمن ...

أكثر الايديولوجيات قوةً و اثباتاً لذاتها في ساحات مجتمعاتنا ، كانت و ما تزال هي نوعين (الدينية و القومية) ... الأولى تدعو إلى وحدة الجميع تحت راية الدين الواحد ... و الثانية تدعو إلى وحدة الجميع تحت راية الحزب أو العرق أو الوطن الواحد ... في كلا الحالتين تتحكم الايديولوجية بتصرفات الأشخاص و طريقة تفكيرهم و ردود أفعالهم و تقبلهم أو عدم تقبلهم للايديولوجيات الأخرى المختلفة عنهم و المتواجدة معهم في الوسط نفسه !!

هنا يأتي دور سؤالنا المهم : لماذا تكون بعض العقول في مجتمعاتنا أكثر قدرة على التحرر من الايديولوجية ، بينما تكون الغالبية العظمى أكثر قابلية للانضواء تحت راياتها و تقبلها كهوية شخصية ، تعبر بها و عنها ، و تدافع عنها و تتحامى بها ؟؟

لاحظت من خلال تجارب شخصية أن الأغلبية لازالت تحافظ على توازن (ضمن الوعي الواحد) بين الانتماء الديني و القومي ... لكن الحروب الحالية حالت دون ذلك أحياناً ... فاضّطر البعض إلى رفض انتمائهم القومي الحالي و البحث عن بديل مناسب ...
و لاحظت أيضاً أن الغالبية التي فقدت انتمائها القومي ، وجهت ذلك الانتماء إلى البلدان التي لجأت إليها بسبب الحرب الدائرة في بلدانها ... و أصبح بعضهم مخلصاً إخلاصاً شديداً لتلك القومية الجديدة ، بل و مدافعاً شرساً عنها ، حتى ضد أبناء قوميته السابقة و متغاضياً طبعاً عن سلبياتها الواضحة !!

كما أن البعض الذين تخلوا عن ايديولوجيتهم الدينية ، كردة فعل على التصرفات المسيئة التي قامت بها الجماعات الدينية التي تقاتل على الأرض باسم الدين ... أيضاً ترى أنهم حاولوا أن يشغلوا فراغهم الديني بالبحث عن ايديولوجية بديلة تمنحهم شعور التجمع و القوة الذي فقدوه ... فاتجه هؤلاء إلى جعل الالحاد ايديولوجيتهم الجديدة ، فحددوا معالمه و قوانينه و صفات الملحد و شكله و الكلمات الواجب و غير الواجب التفوه بها ... و كل ذلك في محاولة منهم لخلق كيان مضاد للكيان القديم الذي خرجوا منه ... كي يضمنوا سلامتهم تحت رايته و يضمنوا استمراريته عبر توعية أكبر قدر ممكن من الأفراد !!

هنا نعود لنتساءل : لم بعض العقول , أكثر من غيرها , تنزع إلى الخنوع لأيديولوجيا معينة ؟؟
هل فعلاً أن الحياة و استقلالية الفكر بعيداً عن الايديولوجيات أصبح أمراً مستحيلاً في عالم اليوم ؟؟
و ما هو البديل أو الحل للحد من تفاقم هذه الحاجة في داخل كل واحد منا ؟؟
هل من الممكن _ يوماً ما _ أن نصبح أكثر تحرراً و تضعف هيمنة هذه الايديولوجيات على نفوسنا و عقولنا و طريقة تفكيرنا ؟؟







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت