الحوار المتمدن - موبايل



تأملات خارج السيطرة

إبراهيم الوراق

2017 / 10 / 5
سيرة ذاتية


تأملات ‏خارج السيطرة
لا شيء يضرنا أكثر من حساسية الإجابة عن السؤال الذي يعري كثيرا من ضمائر مكنوننا، ومخزوننا، ويكشف جملة من وسائلنا ‏في التكيف مع ‏ذاتنا، وبيئتنا، لأننا كثيرا ما نعيش بشخصيات مقنعة بأقنعة عدة، لا نكاد نعرِّف أشخاصنا بإحدى وجوهها ‏الممرعة بنزيف أوجاعنا الباكية، إلا ودهمنا ما يغير لبدة ملامحنا الكابية، ويجعل ‏معالمنا قابلة للتشكل في حقيقة أخرى، ‏والتجسد في أنماط سلوكية تلبس لباس المصلحة الممتزجة بأعراضنا الخارجية. وربما من شدة الانتحال ‏لهذه العلاقة المترابطة ‏مع ميولاتنا الانفعالية، والتفصي عن تحديدها بصفة تستوجب أن نحاكَم عليها التزاما، أو انحرافا، ننهار للأمور ‏البسيطة ‏التي نصوغ تفاهتها في معان عظيمة، فنتقمص لها لبوسا تخفي عوارنا، وتفشي خبالنا. هكذا تحولنا إلى مجتمعات يستتر فيها كل ‏شيء، ويظهر عليها كل شيء، وكأننا نعيش واقعا ‏عاقلا، ونضمر واقعا مخبولا. فحدوس داخلنا التي نخطط بها لنهاية عودة ‏الروح إلى وطن الذات، ليس هو ما نقاربه في خارجنا، ونجاريه في سطوتنا، وما يكمن فينا من ذهان، وعصاب، وهوس، ‏واكتئاب، ليس هو ‏ما نبديه علينا من مظاهر الاعتدال، والاتزان، والاستقامة. ‏
واقع متناقض، ومتعارض. فالأشياء التي نحيى بها في جينوم أعماقنا، هي التي نميت غلوها في سعينا إلى ما يضمن بقاء أجرامنا ‏المعذبة بأحزاننا، ‏وربما لا نحارب ثنائياتها التي تغذي فينا لغة التسويغ، والتطويع، إلا لأنها استحوذت على كياننا المعتم ‏الإحساس، والمعقم المشاعر، وخشينا أن يلتبس بها ‏حالنا، ويتزيى حالنا ببزتها كما تزين بها غيرنا. شيء مميت، ومقيت، لأن ‏هذا العمق المظلم في وجداننا المقهور، هو الذي يبني هذا الأفق الداكن، ‏والحلم الماجن، إذ لولا ما فيه من أنفاسنا ‏المكتومة، وأصواتنا المزمومة، ورداءة أمزجتنا المعتلة، وأفكارنا الملتبسة، لما كان له وجود فيما يلتوي بين الأماكن ‏الفاقدة لما نخاله هو ‏الحقيقة المثلى، والمعنى الذي يحمل صبغة معتقداتنا الكبرى، وينطق بصيغة ثقافاتنا العظمى. فلا نستعجل، ‏فمجتمعاتنا التي بنت وضعها العام على مزاجية الطهارة، واضطرابات النقاوة، ‏وسمت بسماته في اكتساب ذوقها الأخلاقي، ‏ونيل درجها في المعالي، لم تكن إلا مزيفة، ومحرفة، لأنها حين رغبت في ملائكيتها التي تبعدها عن كل ما ‏تستورده من نظام ‏خارج ذاتها، لم تفصل رغباتها إلا عن الأرض التي ولد الإنسان فيها غريبا، ونشأ عليها متغربا، إذ هو ليس جزءا من هذا ‏‏العالم إلا بما في جرمه من مادة مترعة بالعزائم المحدودة، وشهوةٍ تأسرها الطبيعة بناموسها، وقانونها، وإذا انخرمت هذه ‏العلاقة التي ينفق في ‏صلابتها كلية طاقته، وانصرمت هذه الصلة التي تمتعه بسحر الحياة، وجمال الطبيعة، عادت إلى مكان غير ‏هذا الذي تبني مهاده حين أرادت أن ‏تستفيد من خيراته، وبركاته.‏
لكنها، ويا للحسرة، لم تكن إيجابية في طريقة البناء لهذه الخاصية التي تمنحها السرور، والظهور، ولا في وسيلتها التي جهزتها ‏لكسب حظوظ الدنيا الفانية، ونيل فتنها الباهرة، لأنها ‏أخفت في جانبها العاطفي ذلك الخيط الذي يسوقها بحركته إلى ‏الزوال، وهو ليس في جزئيته الخارج عن حدود سيطرته، إلا هذا الكيان المتحارب بين أعماق تجاربنا البشرية، والهوية التي ‏تختزن كل ‏خصائصنا الإنسية، وعناصرنا الملكوتية. وإذا لم تطق أن تهذب ذا لذاك، ولا أن تحُد لكل واحد منهما مدارا في ‏مساحة الكشف عن علة ‏الوجود، وسبب شرودنا المتهور بين فوضوية القصود، فإنها ستنتفخ أوداجها بانتسابها إلى عالم ‏السماء الذي يعرِّفها بحد متعال عن سببية رمزيتها فوق هذا الكوكب الصغير، ولكنها في باطنها المنتحب بمعرة ‏الانبطاح لبريق ‏المدينة التي يتأسس عليها حطام أحلامها المخذولة، والمصطرخِ بهوج الاحتياج إلى حاجاتها المحترقة بين نيران الهزائم المقلقة، ‏‏تحكي عن اهتياج مكبوتها الذي لم تطق أن تجد له ملاذا في إمكانات واقعها المحطم، أو ربما وجدت بعضا منه بقهر، وجبر، ‏ولكنها تستعير آليات الدفاع للتعبير عن عدم انغماسها في عكِر مائه الذي تخوضه بحميَّة مقارعتها لظواهره المتعبة، والمتشظية. ‏فهل يعني استغناءها بهذا الحطام التي تتستر المجتمعات وراء أنقاضه، أو استقواءها بهذا اللغة اليائسة، أنها تعيش ‏في حرز آمن ‏من غلمة شهواتها، وغمرة نزواتها.؟ أم يعني هذا الظرف الذي يحتضن اختناقها، واحتقانها، أنها انهمكت في صيانة حقيقتها ‏التي تلبس رداءها عند فقدان الرقيب الذي ‏تحذر عقابه، وتدفع غرابته، وإن كانت لا تتودد بنياتها القويمة إلى عطفه، ‏وحدبه.؟ ‏
قد يجرني هذا إلى احتقار كثير من الأرقام التي تحرص على أن تكاثر بنسبة المتدينين في مجتمعاتنا الإسلامية، وتغالي في تضخيم ‏هذا الأنا ‏المتجاوز لما تقتضيه آليات علم الإحصاء القائم على دراسة كل الجوانب المشكلة لظاهرة التدين، وتصديقات ‏قضاياها العميقة، لأنها لن تكون ‏حقيقية في التصور، ولا في الإدراك الموجب للمعرفة، إلا إذا كانت النسب التي ‏يتحدثون عن كثرتها، هي الأقل عددا مما هو مكتسب لغيرها من الظواهر المبددة لمقتضيات الالتزام بالتطبيقات الشكلية ‏للدين. وما ‏دمنا نشهد أنماطا عديدة من التدين، تتآلف بين اختيارات غير محددة النيات، والنتائج، وهي فاقدة لمحتواها ‏الأخلاقي، ومعناها الإنساني، ‏فأي فائدة ترجى من واقع تتأسس مظاهره المشخِّصة لنسقه الفكري على أعراض المكر، وألوان ‏الخداع.؟ شيء يدمي القلب، ويضني الأرب، ونحن لا نشهد إلا ‏فئة قليلة، هي التي استطاعت أن تخلع البرقع عما يختمر في ‏وجدانها من إشراقات تبرزها قسوة اعتراضاتها المتصلبة، لكي تعلن عن حقيقتها المتجذرة في عمقها بصدق اللسان، وتنطق ‏بطبيعتها التي تكافح من ‏أجلها بواضح البيان، وهي لا تتحرج من لغتها التي تخبر عن جونها المستوعب لجوهرها العقلي، وكنهها ‏الفكري، وتحدث عن مظهرها الذي تزاوج نص عمقه بفص خارجه ‏المتلهف برغبة الاكتشاف، والإنجاز، فكان جنوحها عن ‏السرب تمردا على النسق الذي تنطوي في صدره أوساخ الحيل، ‏والانتحال، والتصنع. فهل هؤلاء الذي أبدوا رأي ما يفور ‏في محيطهم من أمواج السؤال، هم الذين غيروا مجرى التاريخ الذي لم يصنعنا كُمَّلا في طباعنا، وعاداتنا.؟ أم هم ‏الذين حرفوا ‏مسار القصد الذي نُرَكب مغرياته بحدة المراس، ثم نجني على من خالفنا فيه بالرأي، والموقف.؟ أم هم الذين زيفوا ‏العمل، وغيروا وجهته، وصيروه أمنية هاربة بين سواد الأوهام ‏المظلمة.؟
‏ لو قيل بهذا، فإن ما نفصح عنه من أغاليط، ‏وما ندونه من أراجيف، ليس إلا تكذيبا ‏لما هو كائن، وتزيينا لما هو مراد أن يكون، ‏وهو عند الاقتضاء غير ‏موجود في سبيله، ‏ولا مشهود في ربيعه، لأن ما نلمسه من وضر ‏في الرغبات، لا يحتاج في الإعراب عنه إلى ‏حشو، ولغط، وصراخ، وضجيج، إذ هو صريح ‏شكوى ‏الإنسان، وأنينه بين الآمال السارحة، ‏وحنينه إلى زمن تسوده أوضاع الحب، ‏والوئام. وهب أننا فاخرنا بتعداد ‏المتدينين، وكثرة المعابد، ووفرة المنابر، ‏‏والقنوات، والمحاضرات، والدروس، ‏ومواقع التواصل الاجتماعي، فهل يطيق ‏قائل أن يقول: إن ما نقوم به من جهد ‏جسيم، قد أنقذ الإنسان ‏مما دهمه من أمراض ‏تنخر جسمه، وتنهك قواه، وتنسف كل قائم ‏فيه بالتواطؤ، والائتلاف، وتدفن كل قيمه ‏التي ورثتها عن الدين، والتاريخ، والثقافة، ‏‏والأعراف، والعادات، والتقاليد. لو ‏ادعى هذا كذاب مبير، وأقام الحجة عليه ‏بجدل التبكيت، ومحض البهتان، فقد أتى ‏بالمين، وجاءنا بما يخالف المحصل عليه من ‏حالنا، ‏وشأننا، وأنى له أن يثبت صيغة ما ‏يقول في واقع فقد نواميسه، ونكس معاييره، ‏وصار متوحشا بالمادة الصماء.؟
‏ ربما لم يكن هذا مرئيا إلا لمن فصل بين ‏النسخ التي كتبت الدين، وعرضت معجم ‏تشريعاته وأخلاقه بين الشعوب، والأمم، ‏لكي تكسب ‏الحشد الذي يمنحها عز المناعة، ‏والحماية، ويمتعها بقوة الصولة، والجولة، لأن ‏الذين رأوا الدين استسلاما، أيقنوا بأن ‏في جماع معانيه تكمن الإرادة المضمرة في ‏أعماقهم العاقلة، وأغوارهم ‏الواعية، ‏والذين رأوه خضوعا، وحسبوه خنوعا، لم ‏يلمسوا فيه إلا زفير الإنسان المستعبد، ‏ونفَسه المستضعف، إذ لن ينشأ الدين في ‏حقيقة سمونا النفسي، وعلونا العقلي، ‏ما لم ‏ينفخ فينا شدة توقد جمرة الإتقان للفعل، ‏والإمعان في الأثر، وحدة توهج الأمل في ‏صناعة الغد الإنساني النظيف الأكناف، ‏والأخياف. لكن إذا كان الدين تخويفا، ‏وغدا مع الافتيات عليه أداة للتدجين، ‏وآلة للتهجين، ‏فإنه لن يصنع بترهيبه إلا مجتمع ‏العبيد المفوضين لموارد الغلبة، ومواقع ‏الانكسار. ومهما كان شعار التوحيد ناطقا ‏باسم الإله الذي ينفي عن غيره الإيجاد، ‏والخلق، ‏والتكوين، والتصريف، لأن حقيقة ‏العبودية الصادقة، لا تنصرف إلا لمن نعبده ‏لأحديته، وصمديته، لكي نكون في رحابه ‏أحرارا، وأبرارا. وإذا أحدثت هذه ‏الاستكانة في هممنا صغارا، وأوجدت في ‏هاماتنا شنارا، ‏ونحن لا نحس فيها بأننا نتحمل ‏مسؤولية المكسب، والمسلك، فتلك هي ‏النسخة المحرفة للأديان، واللعبة القذرة التي ‏مارسها الأوصياء، ‏والوسطاء، وهم يرتجون ‏إسكات صوت الإنسان، وحس ذوقه في رسم ‏صورة العنان، لئلا يتآلف مع نقاء ‏الطبيعة، وصفاء الكون، فيكون صوته نغما في ‏ألحان الوجود القائم بأمره ‏الأزلي. ‏
هذه الحقيقة حين أكتبها، أو حين أعالجها، ‏أحس بأنني أعيش هذا الواقع بشهادة ‏التاريخ، فهو مني، وأنا منه، وليس بيني وبينه ‏نفور، ولا جسور، لأنني ولدت في أسرة ‏‏محافظة، وتربيت بين أحضان مهادنة، ‏وتيفعت بين أوضاع مداهنة، وتجرعت عسرا ‏في تدبير مورد رزق ارتبط همه بنشر رسالة ‏الدين. وكم كان هذا معذبا لجوانحي، ‏ومدنفا لجوارحي، لأن ما غرسته بعض ‏التحولات التي عشنا كمدها في زمن من ‏الأزمنة، قد تأبى أن يستسلم لطلب يحضني ‏علي أن أكون فيه دنيئا، ورديئا. إذ لولا ‏‏ذلك، لما انفصل هذا الرباط الوثيق، ولما ‏انجرف الهم إلى أفياء هذا البساط الرقيق؛ ‏وهو هذا الحرف بعلله، وزلله، ولما كنت ‏فقيرا في مورد اغتنى به غيري، ‏واكتنز فيه ‏سابغ إزار الشهرة، والحظوة، والوجاهة، ‏والريادة، وهي ليست إلا جبنا يلبسه فاقد ‏ذاته، وغادر عقله، ولما هممت بهَمِّ المودع ‏‏لسبيل فارقني روحه، وغادرني نسيمه. ‏
لكن هل يحق لي أن أتألم، وأنا لست إلا ‏جزءا بسيطا في عملية تدور رحاها لسحقي، ‏ومحقي.؟ أجل، ربما مما يؤلمني اليوم، هو ‏ما ‏سمعته من خبر حافظ لكتاب الله، وحامل ‏لشهادته الجامعية، وهو يريد أن يؤم الناس ‏في الصلاة، فقام أحد هؤلاء المكلفين ‏بالمسجد، ‏وأخذ المصحف، وطالبه بأن ‏يقرأ عليه بعضا من القرآن، ليختبر حفظه، ‏ويستوثق من إجادة قراءته. فأي رداءة ‏ألمت بنا.؟ وأي خسة نالتنا.؟ ‏قد يبس الدم ‏في عروقي، وأصابني الخبل في عقلي، وأنا لا ‏أدري كيف يمكن لأمي أن يختبر حفظ ‏القرآن في صدر حامله، وهو غير مكلف ‏إلا في ‏حدود جهله بقواعد الدين، ونظم ‏أوضاعه، وضوابط أغراضه.؟ ألا يكفي هذا ‏الحافظ أنه يحمل دليله، وشهادته، وهو قادر ‏في قصارى الجهد على أن يقوم ‏بدوره المهيأ ‏له ابتداء، وانتهاء.؟ وأي دور له في مهيع ‏يحرسه الجهلة، وهو لا يرتوي إلا ببلالة تزق ‏في حلقه، وعلالة تعصر في فمه، لكي تقي جرمه ‏الزوال، والحوال.؟ قد يربكني هذا الواقع ‏الذي تحول إلى غدة سرطانية في أحشائنا، ‏لأنني لا أتوقع في ضآلته إلا ما هو أسوأ، ‏وأنكأ، ولا أخاله يخفي ‏في جرابه إلا ما هو ‏أدهى، وأنكى، لكن لو طبل أحد، ورقص، ‏وغنى، وقال بأننا سعداء في الطلب، ‏والجلب، فما أفلح في كلامه، لأنه لم يوقد في ‏منتهى عزه، ‏ إلا فتيل شمعة تضيء آجام ‏خدعته المبيتة. كلا، بل سيعاقبه التاريخ على ‏ما يحكي، وهو حري بأن لا يحيد عن الحقيقة ‏فيما يروي، لكي يسترزق فتات ‏رزقه على ‏موائد المذلة، والمهانة. ‏وأنى له أن يظفر في ‏سوح الخزي على شعاره، ودثاره، وهو ما ‏تستر إلا بما تعريه شدة الرياح العاصفة ‏بسؤال الإنسان عن أسباب ألمه، ووجعه.؟
في كثير من الأوضاع التي نعاني من صلادة ‏مشاعرها الغامضة، وغرابة قوانين سوق ‏نخاستها البغيضة، لا نرى مخرجا لما يتراكم فينا ‏من تجارب ‏سيئة، وآثارٍ تحفر في أحشائنا ‏عصبية تحشرنا بعنف إلى شح المزاود، ‏وتسوقنا بغضب إلى آسن الموارد، ونحن لا ‏نملك في رميم الذات طاقة ‏نافذة في الفعل ‏المقتصد، ولا قدرة على اجتياز هذه المرحلة ‏التي تخيفنا عوائقها، وتديننا عواقبها، لأننا ‏إذا تصالحنا مع ما يسري في ذواتنا من ‏‏عداء، أو من بكاء، ورضينا بالهزيمة التي ‏مازجت عقيدتنا، وخالطت سلوكنا، ‏وحاورت عوالمنا المفكرة، والمدبرة، ولو لم ‏تكن رغبتنا حادة في أن نتهم آباءنا، أو ‏نقذف ‏أجدادنا، لأنهم ما غطسونا في لجة ‏هذا الدرب العصي، إلا لأنهم كانوا ‏يفكرون بعقل زمنهم الشقي، لا بعقلنا الذي ‏يموت فينا وهجه، ويكبر فينا ‏هوجه، وغاب ‏عنهم أن الأبناء يولدون لزمن آخر، ويسيرون ‏إلى مجهول غائر، ويرتحلون إلى منظومات ‏ملتبسة العلامات، والرموز، والإشارات، ‏فإننا ‏سننتج كل ما نبدعه في قاع أغوارنا من ‏لغات، وتفكير، وانفعالات، وسلوك، ‏وقيم، ولو كانت حقيقته مجافية لما هو ‏مرغوب في واقعنا المعقد تركيبه، والمزيف ‏توضيبه، ‏لأننا سنوفر كثيرا من وقتنا الذي ‏نضيعه في تأمل أسباب أزمتنا، وعلل ‏تخلفنا، وسننجز كثيرا من الأعمال التي يلفها ‏المنع بغطائه، ويغلها ‏الحظر في وعائه، وإذ ‏ذاك، ستكون صورة ظاهرة على معانينا ‏البشرية، لا خدعة نوري بها عن شطحات ‏العقول، وسقطات القلوب، إذ ‏هي التي ‏ستعبر عن صريح توقنا إلى المعنى الخالد في ‏الكون، لأنها لا محالة، ستلبس ألواننا، ‏وظلالنا، وأبعادنا، وحقيقتنا التي تنفجر ‏من ‏خيارنا المنطقي لمناطق تماسنا مع الواقع، ‏وطبيعتَنا التي لا نملك سواها في الإفصاح عن ‏فهومنا، وقصودنا، بل هي سيرتنا بين أمداء ‏حياة ‏تشرئب فيها أعناقنا إلى لحظة يفتك بنا ‏سيف المنية، لكي يهزم كل حركة نداعب ‏بها الزمان، ونغازل فيها المكان. ‏
لكن، ما الذي يخشاه الرهبان من وعي، قد ‏فقد حماسه، حين أخفوا حقيقة معاناة المجتمع ‏المختبئ وراء فراغه الروحي، وطمسوا ما فيه ‏من ‏معالم العشق لله، وللحرية، وللخير، ‏وللحب، والجمال.؟ هل خشوا أن يعترفوا ‏بإخفاقهم في معالجة ظواهر التوهان عن ‏اللحظة الإلهية، وظنوا أن ما ‏ينفثونه من ‏أصلال الخرافات، والهرطقات، هو صوت ‏الله الذي يجب أن تسمعه المجتمعات الهائمة ‏بين كوكب واجم الآفاق.؟ ألم يدركوا أن ‏نزيف خبيئتهم ‏العفنة، قد ظهر وسخها في ‏هممهم التي قادتهم إلى الثراء الفاحش، والغنى ‏الطاغي، وساقت هذه الدروب إلى ما ‏نزف فيها من حقد، وكراهية، ‏وتحريف، ‏وتزييف.؟ ربما قد يغدو كلامي مع اتساع ‏الهوة بيني وبين هذا التاريخ محرجا لهذه ‏القامات الفارعة، وهي لا تقتات إلا من ‏رجيع هذه القوالب ‏التي تصور مجتمعاتنا ‏ناعمة بما يجسده وجودها بين أوضاعها ‏المثالية، وتزين كثيرا من سوء المغبة التي ‏صنعتها الطابوهات المقدسة في عقول حجبها ‏الجهل عن التفكير، ‏والتنوير، وهي في جهدها ‏المأفون، لا تصنع إلا مدينة ذاهلة، يسكنها ‏الخوف، ويعتريها الألم، ويحبطها العطش. ‏
ألا يجوز لنا أن نتساءل عن هذا الواقع ‏الذي نعايشه بكمد، وكبد، ونحن نرى ظواهر ‏العنف والإرهاب تغزو بلداننا المتوسلة ‏إلى ‏الحقيقة بما تكشفه من هموم تبث فيها ‏سموم الأوهام، والأباطيل.؟ من الذي ‏زور التاريخ حتى صار مرادفا للشدة، ‏والضراوة، وحرف حقيقة الدين حتى قبل ‏‏الانتكاسة عن روح الإنسان، والحضارة، ‏ورضي بأن يكون وسيلة لكل مدنف يبحث ‏عن الاستقواء، والاغتناء.؟ من الذي دبر ‏مكيدة ‏اختلال مكاييل هذه المجتمعات عن ‏حقيقة الأذواق، والأخلاق، وهي لا تلهث ‏إلا وراء سراب المادة الهوجاء، ولا تهرول ‏إلا في شعاب فناء عزتها، ‏وخواء كرامتها.؟ ‏هل هؤلاء الذين صرحوا بحقيقة أعماقهم ‏المتضيقة برحلة التيه بين صحراء الجهالات، ‏والضلالات، هم سبب ما يقع في ‏السلوك ‏الاجتماعي من عيوب انفصام الروابط بين ‏الجسد، والعقل، والروح.؟ أم هؤلاء الذين ‏أضمروا الإلحاد في الدين، ولو جادلوا بحجته ‏البالغة، وهم في رقاعة المقصد يلبسون جبته، ‏ويقطعون ‏صلته، ويهدمون إحساسه، ويميتون ‏نواميسه، ويهيلون التراب على وقاره، ‏وعفته، وحشمته، وسماحته.؟
‏ أسئلة تترى، وهي تفتش عن أسباب ‏الاستكانة التي تلجلجت في حياة مليئة ‏برغبات فاقدة لتوازنها الداخلي، وسلامها ‏الخارجي، وكأنها تريد أن تنتشل هذا السؤال ‏من وحل الحيرة، والشقوة، لكن ما ‏يرى على ‏لوحة الحقيقة التي تحتمل أخطاءنا، وأمراضنا، ‏وتصدح بحاجاتنا إلى الصلاح، والإصلاح، لن ‏نغيبها عن جلجلة صوتها بما نهجر ضرره ‏المستفز لهدوء النفوس، ‏والعقول، ‏والقلوب، بل سيقول صادق منا في لحظة ‏الإخلاص لضمير العبارة: ماذا قدمنا من ‏آمال لهذه الأمة التي ننتمي إليها.؟ وما هو ‏دورنا في ‏صياغة تاريخ جديد لها.؟ وما هي ‏وظيفتنا الوجودية والكونية في رسالة السلم، ‏والسلام.؟ أجل، إذا امتلكنا الجرأة على ‏الإجابة، واستطعنا ‏أن نتجاوز مناطق ‏الإخفاق، ومكامن الهزيمة، سنكون بناة ‏للإنسان النبيل في فكره الأخلاقي، والسليم ‏في واجبه الاجتماعي، وحماة ‏لزمنه المستقبلي، ‏ولكونه الإنساني، وإن لم نمتلك هذه الفكرة ‏المقدسة لإمكانات الحرية، والتأمل، ‏والتطلع، ولم يعصرنا ألمها في عالمنا الواقعي، ‏‏ولم تفدنا برؤية نستقوي بها على بؤس ‏الأخيلة والأحلام والأوهام الفاسدة، ولم ‏نخط فيها بخطوات تدبر تجاربنا بهمة في العقل، ‏ونشاط في الدماغ، ‏وعنفوان في الفكر، ‏وحدة في النظر، فلنقطع الحبل عن جوهر ‏الحقيقة التي ضاعت منها غائيتها، وتوجيهاتها ‏المحددة لأدوات التنفيذ، وآليات المحاسبة، ‏وأدوات المراقبة، ‏وأجهزة المشاهدة، ولنلج ‏عالما آخر غير الذي نحن جاثمون على حصيره ‏المبلل بالخطيئة، والوقيعة، لكي تبرأ ذمتنا في ‏كتاب التاريخ والحضارة الإنسانية.‏







اخر الافلام

.. بومبيو: علاقتنا بالمملكة السعودية قوية


.. الجيش الوطني اليمني يسقط طائرة حوثية مسيرة


.. إحالة متهمين بإختلاس مليار دولار للجنايات




.. تقلبات مناخية تضرب شمال وجنوب المتوسط


.. ابتكار نوع جديد من الشوكولاتة الحمراء