الحوار المتمدن - موبايل



نانّا تالا

محمد بن زكري

2017 / 10 / 5
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في حكاية خرافية مشهورة ، هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى الخرافة ، بجبل نفوسا ؛ أن امرأة مؤمنة شديدة التقوى من أولياء الله الصالحين ، من سكان قرية قديمة هناك ، بينما كانت منعزلة للتعبد في خلوتها بالبيت ، حدث أن عاد ابنها من الخارج ، حاملا معه بعض المأكولات اللذيذة النادرة ، فقال لزوجته التي استقبله هاشة باشة : " خذي هذا لكِ و لا تُخبري عنه أو لا تُطلِعي عليه أمي " ، دون أن ينتبه إلى وجود الأم المتعبدة ، التي حزّ في نفسها ما سمعته من قول ابنها ؛ فما كان منها إلا أن انسحبت بهدوء من البيت ، مغادرة إلى وادٍ سحيق بالمنطقة ، شكلت الطبيعة جزءً منه على هيئة خليج داخل الجبل ، و انعزلت هناك تعيش و تتعبد في مغارة بالجبل ، و عندما أحست بالعطش و احتاجت إلى الماء للتطهر ، ظهرت أولى معجزاتها ، حيث إنها بينما كانت تغزل الصوف ، انغرز مغزلها في قاع الوادي ، فانبثقت هناك عين الماء ، التي لا زالت موجودة في المكان ، منذ ذلك الزمن القديم حتى الآن .
تلك المرأة هي أمة الرب الصالحة (نانّا تالا) . و كلمة (نانّا) في اللغة اللوبية (الأمازيغية) بمختلف لهجاتها ، تقابلها في العربية كلمة (الجدة / جدتي) ، كما تفيد معنى السيدة المبجلة ، الوقورة ، ذات المكانة الاجتماعية الرفيعة ، المحترمة . فعندما تقول : نانّا تالا ، فأنت إنما تقول : سيدتي تالا .. الفاضلة ، الطاهرة ، وافرة الاحترام ، عالية المقام ، المقدسة .
فمن تكون نانّا تالا تلك ؟ إنها القديسة المسيحية الشهيرة ، تلميذة بولس الرسول ، شفيعة عديد المدن في مختلف البلاد بالعالم ؛ إنها القديسة (تقلا) ، التي تعادل مكانتُها الروحية - في المسيحية الشرقية - مكانةَ الرسل ، كبولس و برنابا . و قد انتقل اسمها (في النطق) من موطنها في سوريا ، إلى كل بلاد شمال أفريقيا ، بنفس كيفية نطق - أو تصويت - حرف (القاف) في بلاد الشام ، بقلب القاف إلى ألِف (مهموزة أو غير مهموزة) ، فنُطِق اسمها (تالا) بدلا من (تقلا) ، منذ دخول المسيحية شمال أفريقيا - من سيرين (قورينا) إلى طنجا - حوالي منتصف القرن الثالث - حتى الآن .
وفقا للروايات المتداولة في المصادر المسيحية ، وُلدت القديسة تقلا (تالا) في بلدة قونيا - بتركيا الحالية - عام 30 م ، و عندما مر الرسول بولس بقونيا ، في رحلته التبشيرية الأولى عام 45 م ، استمعت تقلا لما كان يلقيه من مواعظ ، فاقتنعت بالدعوة المسيحية ، و تحولت من الوثنية إلى الديانة الجديدة ، التي كانت آنذاك محظورة تحت سلطة الامبراطورية الرومانية ، فهربت من أسرتها التي ظلت محتفظة بوثنيتها ، متنقلة عبر سلاسل جبال القلمون من قونيا إلى بلدة معلولا في سوريا . حيث عاشت هناك في المغارة التي أقيم عليها لاحقا الدير الشهير باسمها (دير القديسة تقلا) . و تقول الأسطورة أن تقلا (تالا) هي التي حفرت عين الماء هناك ، حيث ينسب لماء العين الشفاء من بعض الأمراض ‍!
وبلدة معلولا ، تضم أغلبية سكانية مسيحية سيريانية ، وهي أكبر بلدة في سوريا لا زال أهاليها من المسيحيين والمسلمين محتفظين باللغة الآرامية (السريانية) يتكلمون بها حتى اليوم ، كما تكلم بها السيد المسيح ، و مِثل المسيحيين فإن المسلمين في معلولا ، لا زالوا يحتفظون بنفس القدر من التبجيل للقديسة (تقلا) و الإيمان بها ، كشفيعة لبلدتهم . وتضم بلدة معلولا عددا كبيرا من المعالم الأثرية التي يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل المسيح بعدة قرون .. بل إلى ما قبل الآراميين .
و تروي الأسطورة ، أنه قبل أن تصل تقلا إلى بلدة معلولا ، تدخلت العناية الإلهية مِراراً لإنقاذها - إعجازيا - من حكم الموت و تخليصها من الهلاك ، و من ذلك أنه بينما كان الجند الرومان - و في رواية أخرى مجموعة من الأشرار - يطاردونها للفتك بها ، انصدع لها المرتفع الصخري ، عن الشق الذي نفذت منه إلى المغارة ، و هو الشق الذي لا زال مزارا دينيا يؤمه آلاف المؤمنين من مختلف أنحاء العالم للتبرك .
و بالمقارنة بين الطقوس المتبعة في زيارة دير القديسة (تقلا) ببلدة معلولا في جبال القلمون بسوريا ، و الطقوس المتبعة في زيارة دير (نانّا تالا) في جبل نفوسا بليبيا ، الذي توارث السكان الأمازيغ المسلمون - عن أسلافهم المسيحيين - إضفاء طابع من القداسة عليه ، دون أن يعلموا في الوقت الحاضر ، أنه بالأصل كان ديرا مسيحيا ، تماما كدير (نانّا مارن) و دير تَحْواريِّين (الحواريات) ، و ليس مسجدا إسلاميا .. نجد تطابقا تاما بين الحالتين .
فكما يضم دير القديسة تقلا ، ما يُزعم أنه الضريح الذي دُفنت فيه ؛ و الذي يعتبر مزارا دينيا مسيحيا ؛ فكذلك المعبد العتيق الذي لا زال قائما حتى اليوم ، كمزار ديني إسلامي (باعتباره مسجدا) بجبل نفوسا ، يضم الضريح المنسوب لـ (نانّا تالا) ، و هو الضريح الذي نبشه مؤخرا لصوص الكنوز ، ليجدوا فيه أكداسا من العملات الأثرية ، من مختلف القرون الفائتة ، التي كان الزوار يودعونها كنذور ، من خلال فتحة ضيقة في الضريح ، لا تسمح بدخول اليد ..
و كما في حالة عين الماء ، التي حفرتها القديسة تقلا - أو انبثقت لها - التي يتبرك الزوار بالشرب من مائها ؛ فكذلك عين الماء ، التي فجرها مغزل نانّا تالا ، حيث إن الزوار يتبركون بالشرب من مائها ، وكذلك بغمر أجسادهم فيها ، فيما يبدو بقايا أحفورية من طقس (التعميد) .
و كما يجري في طقوس الحج إلى دير القديسة تقلا ، من قضاء المؤمنين فترة المساء و الليل بالمغارة ، في التضرع ، و من ثم الصلاة فجرا و السجود أمام الإيقونسطاس (الجدار حامل الأيقونات المقدسة) ؛ فكذلك يحرص زوار مقام نانّا تالا (في زيارتهم الجماعية) ، على أداء صلاتيْ المغرب و العشاء بالقرب من بِركة الماء أسفل المعبد ، بما يصاحب الصلاة من تضرع لله (تَشفُّعاً) بنانّا تالا في حرمها ، حيث يبيتون ليلتهم هناك ، و من ثم أداء صلاة الفجر و العودة إلى قراهم ، مصحوبين بتذكارات من المكان و بعبوات من ماء العين يرشونها في بيوتهم للتبرك ؛ الأمر الذي كان شائعا في زيارة مقام نانّا تالا حتى ستينيات القرن الفائت .
و الجدير بالملاحظة في طقوس زيارة نانّا تالا ، و المبيت في حرمها ، داخل أو خارج المزار (الدير) ؛ هو ما ترسّخ في الذاكرة الجمعية للأهالي ، من آثار العقل الخرافي و معتقداته الغيبية البدائية ، عن كرامات نانّا تالا ؛ حيث يُعتبر أن ما يراه الزائر في أحلامه ليلة المبيت في مزار نانّا تالا (و ربما الأمر كذلك في طقوس زيارة دير القديسة تقلا) ، هو من نوع الرؤيا التنبؤئية التي تطل بالرائي على أحداث المستقبل ؛ ما يستدعي إلى الذهن فكرة عالِم الأنثرُبولوجي و الأديان المقارنة جيمس فريزر ، في تناوله للمعتقدات الدينية القديمة (الوثنية) ، لجهة الاعتقاد بأن الآلهة تتجلى للبشر في أحلامهم (كما في مختلف قصص الابن الذبيح) لتتحدث أو توحي إليهم بما تشاء ، و أن المعابد و المزارات المقدسة ، هي الأماكن ذات البُعد الروحاني ، الأكثر احتمالا لتظهر فيها الآلهة للبشر الأتقياء في أحلامهم .
و في هذه المقاربة لإلقاء الضوء على التطابق بين نانّا تالا في جبل نفوسا بليبيا ، و بين القديسة تقلا في جبال القلمون بسوريا ؛ لابد من تصحيح الفكرة الخاطئة التي سادت (مؤخرا) بين المهتمين بالثقافة الأمازيغية في ليبيا و شمال أفريقيا ، من أن كلمة (تالا) ، هي كلمة لوبية (بربرية) تعني في العربية (عين الماء) ، و هي فكرة تكونت من قبيل الاجتهاد بالرأي و الاستنتاج ، و ليس من قبيل العلم بالشيء ، و ذلك إسقاطا على عين الماء ، الموجودة على بعد خطوات من المزار (الدير / الذي صار جامعا) الذي يحتوي على قبر منسوب لجناب المرأة الصالحة أمة الله (نانّا تالا) ، أو القديسة تقلا .
و الحقيقة - فيما نعلم و نرى - هي أن الكلمة التي تعني عين الماء في اللغة اللوبية هي (تانوت) ، التي لا زالت مستعملة بهذه الدلالة (عين الماء) حتى اليوم ، و ليست أبدا كلمة (تالا) ، التي هي صيغة لنطق اسم (تقلا) ، بالصورة اللفظية التي انتقلت بها من الشام إلى شمال أفريقيا ، مع انتشار المسيحية . و مذكر كلمة (تانوت) هو كلمة (أنو) التي تعني النبع المائي . هذا أولا .
أما ثانيا ؛ فإنه لو كانت كلمة (تالا) تعني عين الماء ، فكيف يمكن أن يصح عقليا أو أن يستقيم منطقيا ، إطلاق صفة (نانّا) على ينبوع ماء ؟ و نحن نعلم أن كلمة (نانّا) في اللغة اللوبية ، تعني - حرفيّاً - في اللغة العربية كما أسلفنا القول (الجدة / جدتي) سواء للجدة من جهة الأب أم من جهة الأم ، و تُستعمَل أدبيا لإبداء الاحترام و التكريم للسيدة الوَقور كبيرةِ السن ، كما تنصرف - عُرفيا و اجتماعيا - للدلالة على (السيدة المبجلة صاحبة المكانة الاجتماعية العالية) . و لا زالت هذه الكلمة (نانا) تستعمل عند الأمازيغ بمعنى (الجدة) ، كما أنها لا زالت حتى اليوم ، تستعمل في مدينة طرابلس و لدى العائلات الطرابلسية الأصيلة ، بما يفيد معنى (السيدة النبيلة العريقة / المرأة الحسيبة النسيبة ذات المكانة الاجتماعية العالية) . فكيف يمكن - إذن - أن يُقبَل عقليا أو أن يُفهَم منطقيا ، انصراف اسم (تالا) للدلالة على عين الماء ؟ و هل من العقل أو المنطق في شيء ، أن تقول : جدتي عين الماء ، على منوال قولك : جدتي مريم .. أو أن تقول : سيدتي عين الماء ، على غرار قولك : سيدتي الجميلة ؟!
و من الواضح أن الأمر قد اختلط على القوم ، انطلاقا من عين الماء التي تقع في حرم المزار الديني العتيق ، المعروف في جبل نفوسة باسم (نانّا تالا) ، أو هي بالأحرى (القديسة تقلا) ، خاصة إذا عرفنا أن اسم (تالا) معروف جدا و متداول في بلاد الشام (سوريا و لبنان و فلسطين و الأردن) ، كاسم علم مؤنث .. للنساء ، و من الشام انتقل منذ القدم إلى بلاد الإغريق (مثلما انتقل اسم أدونيس) ، حيث يستعمل اسم (Tala) أيضا كاسم عَلم بمعنى الفتاة البهية الحسناء . هذا .. فضلا عن وجود عدة مدن و أماكن تحمل نفس هذا الاسم ، كمدينة تالا بتونس (خصوصا) ، و مدينة تالا بمصر ، و (خليج) تالا بالأردن . بقلب حرف القاف في اسم (تقلا) إلى ألف .
و فضلا عن المَحجّ الرئيس للقديسة تقلا (تالا) في بلدة معلولا ، الذي يقصده المؤمنون للتبرك ، من المسيحيين و المسلمين بالدول المجاورة ، و من مختلف الطوائف المسيحية بالعالم ؛ توجد عديد الأديرة و الكنائس التي تحمل اسمها بسوريا ، كما في مدن داريا و حلب و اللاذقية ، و أكثر من ذلك ما يوجد منها في لبنان . على أن الاسم انتقل من سوريا إلى مختلف أنحاء العالم بصيغة ((Tecla ، كما في كنيسة آيا تكلا بتركيا ، و كاتدرائية تكلا في أراغون بأسبانيا ، و كذلك في عديد الدول بأوربا و الأمريكتين ، حيث يُنظر إلى القديسة (تقلا) باعتبارها شفيعة لبعض المدن و البلدات ، كما في البلدة التي تحمل اسم القديسة تقلا (santa tekla) بالسلفادور .
و الملاحظ أنه كما في ضريح (نانّا تالا) في المَزار - أو المَحَجّ - المعروف باسمها في جبل نفوسا بليبيا ، فإن كثيرا من الأديرة و الكنائس المقامة باسم القديسة (تقلا / Tekla) في شتى الأماكن ، تحتوي على أضرحة يُزعم أنها تضم رفاتها ! مع وجود ينابيع مائية في تلك الأمكنة التي يغلب على تضاريسها التكوينات الجبلية الوعرة ، كما في مزار القديسة تقلا بجبل القلمون ، و مزار نانّا تالا بجبل نفوسا .







اخر الافلام

.. واشنطن: قواتنا بالعراق تلقت تهديدات من ميليشيات إيران


.. د. اعلية العلاني يوضح لماذا استشرس العداء بين طالبان والقاعد


.. ترامب يستعد لإعلان استراتيجية أمنية جديدة




.. واشنطن: ملتزمون بجنيف وروسيا ليست وسيطا نزيها


.. -ألعاب- تغري جيلا من الأطفال للعب القمار