الحوار المتمدن - موبايل



رواية-في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا-للأديبة ياسمين صالح توصيف دقيق للأحداث الإرهابية التي عصفت مؤقتا بالجزائر

أسعد العزوني

2017 / 10 / 6
الادب والفن





صدر حديثا عن درا فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان ،رواية بعنوان:"في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا "..تغريبة لخضر زرياب"،للأديبة الجزائرية ياسمين صالح،وهي رواية تتعرض من جملة ما تعرضت إليه للمشهد الإرهابي المؤقت الذي ضرب الجزائر في السنوات الماضية ،وكتبت بأسلوب السهل الممتنع الذي يدل على تمكن الكاتبة ،وبلغة راقصة تريح القاريء وتشده إلى النهاية.
وضعت الكاتبة إصبعها على الجرح في بداية نسجها الروائي المتين بوصفها حياة الفقراء والمهمشين ،وتحكم القدر في حياتهم ،لعدم قدرتهم على الوصول لأصحاب القرار والمتنفذين لحل مشاكلهم ،وكأنها أشّرت منذ البداية على أسباب الإرهاب والتطرف وأهمها التهميش والإقصاء والظلم والحرمان،وبدأت الرواية بأب فقير معدم يعمل حمالا في الميناء لإعالة أسرته حد الكفاف ،ومن ثم يتمكن بالواسطة من تشغيل إبنه معه في الميناء ، وتسوق الأقداء ذلك الإبن ليصبح متنفذا يرتدي البدلة الرسمية ويصبح صانع قرار وأي قرار.
أبدعت الكاتبة في السرد المزين بأسلوب السهل الممتنع وباللغة الراقصة التي أضفت متعة كبيرة للقاريء، كي يستمر بقراءة الرواية بإستمتاع وإن كان مؤلما بعض الشيء، بسبب مفاصل الرواية وتحولات بطلها لخضر زرياب على وجه الخصوص، فهو المعدم الذي كان يفكر بالهجرة وعمل في الميناء بالواسطة ، وقد تحول من معدم مهمش إلى صاحب قرار يعتد به ،بعد أن مارس القتل والإرهاب بتوجيه من سادته الذين وظفوه في هذا المجال وصنعوا منه قاتلا.
نجحت الكاتبة في خلق تشاركية من نوع خاص بينها وبين القاريء ،للسير في الرواية وفق الخطوات التي رسمتها للخضر ومتابعة التحولات التي طرأت على حياته ،وإنتقل بسببها من صفوف المعدمين المهمشين إلى مراتب الجنرالات وصناع القرار الذين يحسب لهم ألف حساب،وقد أجاد الدور بإمتياز بغض النظر عن خسائره المعنوية الحياتية التي دفع ثمنها بعد أن ترقى إلى جنرال.
هناك خصوصية نادرة غلّفت عمل الكاتبة ياسمين صالح التي إنطلقت من جرأة غير عادية ،أكسبتها ثقة بنفسها وجمالا في نصها وكسبت بذلك القاريء أينما كان إلى صفها منذ البداية ،فهي التي إختارت الكتابة عن المهمشين والمتنفذين على حد سواء .
تغوص الكاتبة في التفاصيل عند قولها أن من يلبس البدلة الزرقاء يرهب ويرعب الآخرين حتى جيرانه ،وأن هذه البدلة تكسب من يلبسها فخارا كبيرا وقيمة كبرى ،لكنها تنزع عنه كل هذه الأشياء بمجرد إنتهاء مهامه الرسمية، إما بالمعاش أو الطرد ،إذ يكون المسؤول مهابا وهو على رأس عمله ،لكنه يتحول إلى نكرة بعد إنقطاعه عن العمل ،وهذا ملموس في الوطن العربي.
إلتقطت الكاتبة ياسمين صالح تفاصيل التفاصيل حول ما يجري في الدوائر العسكرية والأمنية تحديدا،وهي التي تطارد المواطنين المعارضين لحكم العسكر والباحثين عن حياة أفضل في دولة مدنية تكرس حقوق الإنسان والمواطنة الحقة،كما تقوم هذه الدوائر بتوظيف المخبرين لجمع المعلومات الموثقة والصور عن هؤلاء المعارضين لإبتزازهم والضغط عليهم ،وتحيك لهم الدسائس والمؤامرات لتصفيتهم وإبعادهم عن مواقعهم .
كما نجحت الكاتبة في رسم صورة المجتمع الواقع تحت حكم العسكر الذين يسيطرون على كافة مقدرات الوطن ،فيما يعيش المواطنون حياة ملؤها البؤس كما هوحال البطل لخضر الذي كان معدما وفاقدا للطموح ،ليس عجزا منه بطبيعة الحال بل لأنه رآى بعينين ثاقبتين أن لا مجال له الزحام ،وهكذا كان وضع بقية شباب المدينة الذي يدخلون في طابور الفقراء والتعاسة بالوراثة .
ونجد في ثنايا الرواية تفاصيل التفاصيل أيضا عن حياة الفقراء والمهمشين الذين يعجزون عن شراء قلم أو دفتر لأبنائهم في المدرسة ،أو حبة دواء لمريض في الأسرة أو حتى رضعة حليب لرضيع بسبب الفقر والحرمان ،اللذين يفقدان الآباء متعة إحتضان آبائهم ليس نفورا منهم بل لعودتهم من العمل إن كانوا يعملون منهكين ومهمومين.
كان قلم الكاتبة ياسمين صالح مثل كاميرا المصور الحساسة ،تلتقط أصغر التفاصيل خاصة وهي تسلط الأضواء على العديد من الظواهر الإجتماعية مثل دور زوجة الأب المشهورة في مجتمعاتنا باللؤم والظلم والتي تدخل الأسرة في ظروف معقدة ،متسلحة بأسنان سمك القرش وتفتك بالجميع بمن فيهم زوجها.
سجلت كاميرا الكاتبة الإبداعية بقلمها الرشيق نجاحا باهرا عندما تحدثت عن البنى التحتية المتهالكة لبعض الدول الغنية ،كأن لا يتوفر سرير في المستوصف لحالات الطواريء،وأن يقضي الشباب يومهم متسكعين في الشوارع بدون عمل ،بينما نجد العسكر وأبناءهم يستحوذون على كافة مقدرات البلاد.
أجادت الكاتبة فن التنقل من باحة إلى باحة مع تمسكها بحق الإجادة في التعبير والإتقان في رسم الصورة،فقد إنطلقت من أروقة العسكر والأمن مبتدئة بشخص لخضر ،ثم أنتقلت بحذق إلى الميناء،وبعد ذلك إلى مخازن المتنفذين ومكاتب الجامعة وساحات التصفية وإنتهت إلى ذات الدوائر الأمنية بذات شخص لخضر الذي تحول إلى جنرال ،مع إحتفاظها بخط الفقر ومعاناة الفقراء والمرضى،وتفضيل العمال المرضى بأن يمرضوا في عملهم حتى لا يتم الإستغناء عنهم.
عالجت الكاتبة وبمهارة فائقة مشاكل الشباب وإحباطاتهم وتفكيرهم الدائم بالهجرة جراء الحرمان الذي يلفهم ،في حين أن أبناء المتنفذين يعيشون حياة البذخ بلا حدود، ويستوردون كل ما يحتاجونه من الخارج،كما رأى لخضر ذلك بأم عينه في الميناء،حيث يستنفر رئيس الميناء لتخليض البضائع المستوردة للمتنفذين بنفسه ،وإدراكه أن الموظفين لا يعملون عند الدولة بل عند الأغنياء والمتنفذين.
لم تغفل الكاتبة عن طبيعة الفقراء وطيبة قلوبهم التي تنبض بسرعة في حال عثرت على من ترتاح إليه ،فها هو لخضر التعس يشعر بدقات قلبه وهي تنبض سريعا بعد تخيل أن إحداهن نظرت إليه ،بغير الطريقة التي ينظر بها الأغنياء والمتنفذون في الميناء،وأبدعت الكاتبة عندما نقلت لخضر من شعور البائس المحروم حتى من حب وعطف والديه ،إلى شعور المعشوق بعد تعرفه إلى نجاة إبنة صاحب الدكان،ولم تخف جرحه من عدم تمكنه من دعوتها إلى مطعم أو قاعة شاي كم يفعل الشباب العاشقون.
إمتازت أفكار الكاتبة بروعة الحوار وإختيار أماكنه المناسبة وقصره على الفكرة المطلوبة ،وتعبيره عن الواقع وإتسامه بعدم المبالغة وإيصال الرسالة بطريقة معبرة،ورغم براعتها في التنقل المتقن بين الأمكنة والأحداث كالنحلة أو الفراشة ،فقد اتقنت فن الإمساك بتلابيب فكرتها ،وهي سيطرة العسكر على مقاليد الأمور ،فها هي ورغم إنشغالها بمعاناة لخضر بعد إنسحاب نجاة من حياته لفقره ،تعود بنا إلى نفوذ العسكر عندما تتحدث عن زيارة ضابط كبير في الجيش للميناء ،ليس لتفقد العمل فيه بل لإستلام بضاعة جاءت بإسمه.
كانت الكاتبة ماهرة في معالجة المواقف من خلال الإشتقاقات اللفظية التي تقودها لفتح قضايا وملفات كبيرة،فقد فتحت ملف الأمل كطاقة رجاء للمعدمين عندما قالت ان لخضر وضع النقود التي حصل عليها من تفريغ شاحنة للعسكر ،في جيب سترته البالية وان الحياة قد تصالحت معه للمرة الأولى ،وبالتالي أصبح الأمل قريبا وشهيا.
صحيح أن الكاتبة ركزت على مشاكل المواطنين ،لكنها في الوقت نفسه لم تبخل بوضع الحلول ،إذ انها تحدثت عن تحمس مدير الميناء سي منصور إبن الشهيد للدفاع عن حقوق العمال وعن كرامتهم ،وضرورة تأسيس نقابة لهم تحميهم وتضمن إنسانيتهم ،وعلى ما يبدو ان الكاتبة كانت تتحدث عن الخطوط العريضة لمشاكل البلد ومعاناة المواطنين من خلال كشف المستور في ثنايا روايتها ،وأرادت القول ان الظلم متعدد الوجوه وأن الحرمان يقود إلى الظلم كما هو حال والد لخضر الذي إستولى على راتب إبنه وسرق الإكرامية التي حصل عليها من تفريغ شاحنة للعسكر ،وكان ينوي شراء حذاء وقميص جديدين له،الأمر الذي جعله يتمرد عليه ويغادر البيت إلى غير رجعة.
وما لم يقله أحد قالته الكاتبة في روايتها ان المظلومين لا يرحمون بعضهم ،فسي نوح صاحب الدكان ووالد نجاة غضب من إبنته ليس لأنها خرجت مع شاب وهو لخضر ،بل لأن لخضر من المهمشين المعدمين،وقد قال بعد تقدم ضابط لخطبتها أن العريس الذي يرتدي بدلة الشرطة يشرف من يصاهره.
أمسكت الكاتبة ببراعة بخيط معاناة لخضر خاصة عندما دخل حياته عنوة ضابط الشرطة وأخذ حبيبته منه ،ما جعله يعاود التفكير بالهجرة ،ومع ذلك حافظت على خيط الأمل باقيا في نسج الأحداث عندما تحدثت عن مغادرة رئيس العمال في الميناء إلى مكان آخر، وقوله للخضر أن قضيته ليست في الأمكنة بل في ضرورة التغيير في فكر الرجال،بمعنى انه يرغب في إحداث ثورة في نفوس وعقول العمال ،ضد الكبار المتنفذين الذين يحولونهم إلى كائنات مجهرية تعاني من الأميبيا.
كما أنها أظهرت أن خيط الضوء الخافت لا بد وان يتخلل العتمة في لحظة ما ،عندما تحدثت عن دعم رئيس العمال في الميناء للخضر من خلال تحاوره معه وتقديم النصح له ،ولأن لخضر تمسك بالأمل فقد تمكن لاحقا من شراء ما يريد وأن يسمع كلمة "سيدي"من أصحاب المحلات ،وقد هزته من الأعماق وأدرك ان النقود تصنع السيادة للمرء.
لا حدود لبراعة الكاتبة في روايتها التي سبرت غور المجتمع ومشاكله ومن ضمنها الفساد ، من خلال قضية الحليب الفاسد الذي أودى بحياة عدد من الرضع ،وحظيت بتجاهل ملحوظ من قبل وسائل الإعلام والرأي العام ،لأن أبطالها متنفذون من أصحاب البدلات الرسمية،كما أظهرت نقاء وصفاء لخضر الذي بدأ يفكر بماهية البضاعة التي يحرسها في المخزن بعد مغادرة العمل في الميناء ،وقد تمرد على الشرطي الذي أهانه كرمة لإبن أحد المتنفذين ،وحذره بنبرة حادة من تكرار إهانته لأنه يعمل في مكتب سي فاروق شقيق الكولونيل فيصل .
لكن الكاتبة بعد ذلك كشفت وبمهارة عالية التحول الملحوظ في طريقة تفكير لخضر للحصول على ما هو أبعد من المال والحب واللباس والخبز ..لقد أصبح يفكر في السلطة التي تجلب كل هذه الأشياء.
لم يكن التحول الذي غزا فكر لخضر محض خيال أو طيفا مر بذاكرته لمرة واحدة وإختفى ، بل جاء بعد صراعات داخلية ولدتها معاناة كبيرة مر بها ،وإكتشف بنفسه أن جوع الشعب سببه تخمة الأغنياء ،الذين يبعثون أبناءهم للخارج لتغيير الجو بينما يتضور أبناء الشعب جوعا رغم أن الآلاف منهم يحملون الشهادات الجامعية العليا المتخصصة.
لقد أسهمت حادثة الشرطي وإبن الذوات في هذا التحول الذي غاص فيه لخضر، وتراجع بعده عن فكرة الهجرة التي تعبر عن العجز والجبن في مواجهة الأحداث ويبدو أنه أراد المواجهة ،بعد أن قرر طرد شبح الخوف من داخله وزرع بدلا منه ماردا يحقق له كافة طلباته واهمها السلطة التي تجعله سيدا على الآخرين،وقاده التحدي إلى فتح أحد الصناديق في المخزن ليجد أنها صناديق سلاح "مسدسات".
كانت تلك مغامرة غير مضمونة النتائج وربما أفضت به عند إنكشاف امره إلى الموت شنقا كالخونة والجواسيس، لكن الأمر قاده رغم التطورات إلى أن يصبح صاحب نفوذ ولكن على حساب كرامته ومبادئه التي كان يؤمن بها عندما كان مهمشا ومعدما،وقد تذكر ما سمعه ذات يوم في الميناء أن الأسلحة يتم تهريبها إلى مناطق الصراع والحروب بما في ذلك داخل البلد،وقد نجا بأعجوبة من الموت ومن العقاب.
ادرك لخضر ان اللعب مع الكبار له ثمن ،لكن رغبته في العيش تغلبت على مخاوفه خاصة وإنه وجد نفسه قد تحول من حارس إلى بطل فيلم من تأليفه وإخراجه، وهم يحققون معه عن حادثة المخزن التي راح ضحيتها عدد من الحراس وإنكشف أمر الصناديق،وقد نجحت الكاتبة في إستنفار مخاوف المتنفذين من إفتضاحهم وهذا ما جعلهم يفتحون تحقيقا سريعا مع لخضر، وهو على سرير الشفاء فور سماعهم ان بإمكانه الكلام.
ولأن رغبته في الحياة قد إستيقظت مجددا ،فقد أجاب على أسئلتهم بحبكة مدروسة، وورط العديد من الحراس بناء على قصص سمعها منهم واهمها وجود أحقاد وضغائن بين سي عنتر والكولونيل فيصل ،بعد رفض عنتر تزويج أخته للكولونيل فيصل ،لكنه زوجها لشخص أقل منه مكانة ، وقد خدمه الحظ لأن الحراس إعترفوا تحت التعذيب بإشتراكهم في المؤامرة التي حاكها سي عنتر.
بعد عودته للعمل وجد لخضر أن سي فاروق شقيق الكولونيل فيصل يريد توظيفه جاسوسا على الحراس بعد نقله لمخزن آخر ،لكن سي فاروق كان يهدف إلى إعادة إكتشاف لخضر من جديد ومعرفة حقيقة شخصيته والوقوف على تكوينه النفسي،وقد أصدر أمرا بمراقبته وتقصي أخباره ،وقد خاب أمله عندما وردته التقارير المخيبة للآمال وأكدت على أن لخضر لا طموح له وانه إنطوائي لا يعادي أحدا.
أدارت الكاتبة بنجاح سير اللعبة بين الطرفين وقد حولت لخضر إلى مخبر حقيقي يتجسس على زملائه الحراس وينقل أسرارهم واخبارهم واحاديثهم للكبار الذين كانوا يرتاحون لذلك ،لأنهم كانوا معنيين بإستقرار البلد لضمان إستمرار مصالحهم وحمايتها ،ولهذا حولوه إلى موظف من نوع خاص.
وببراعة منقطعة النظير رسمت الكاتبة فتحة من الأمل في جدار لخضر البائس واليائس بحصوله على المال والسلطة ،خاصة بعد ان فرزوا له ضابطا لتدريبه على مهامه الجديدة ،وقد أزعجه العمل مع ضابط شاب عصبي كثير التأفف والأوامر ودائم السخرية منه ومن المخبرين الآخرين .
وبمهارة ملحوظة أعادت الكاتبة لخضر إلى دوامة جديدة ، بعد أن ذاق طعم السلطة عندما إصطدم مع الضابط الشاب الذي توعده بحساب عسير لسوء تقاريره ،وشعور لخضر أنه سيبقى كومبارس في مسرحية هزلية ومملة ،في حين ان الضابط جعفر ينال الترقيات .
صورت الكاتبة عمل المخبرين بدقة متناهية ،وكيف أن الضباط في المراتب الكبرى يوقعون على تقارير من هم أدنى منهم مرتبة وينسبونها لأنفسهم كما يحدث مع المخبر لخضر ،وينالون عليها الترقيات والإمتيازات،وهذا ما جعل لخضر يفكر بقتل الضابط جعفر،لكن إختياره من قبل الكبار للقيام بمهمة خطيرة صرفه عن التفكير بالقتل، رغم أن الضابط جعفر إعترض على هذا الإختيار ،لكنهم لم يسمعوه وأجبروه على إلتزام الصمت.
كانت المهمة الجديدة المناطة بلخضر هي دخول الجامعة والعمل مساعد سكرتير في مكتب مدير الجامعة ،وهيأت له هذه الوظيفة الجديدة حياة مميزة وطعاما لذيذا ونظرة مترفعة من قبل الجميع ،ما أهله لإستئجار شقة جديدة في حي هاديء ،وكان المطلوب منه التجسس على الجامعة مسؤولين وطلابا وزوارا والتركيز على مدير الجامعة ،بهدف إزالته عن منصبه رغم انه إبن شهيد.
أجادت الكاتبة في تصوير الفساد الذي يرتكبه الكبار الذين زوروا شهادة خبرة للخضر تفيد أنه عمل خمس سنوات مساعد سكرتير في معهد العلوم الوطنية ،مع ان مستوى تعليمه لا يتعدى المرحلة المتوسطة،وزادت من إبداعها في توصيف الأوضاع في البلد من خلال سردها الممتع المتشابك ،الذي كانت تتدخل فيه بحذاقة المحترف للإغناء ،وإضافة الدسم عليه أو لتلوين الصورة المجتمعية القاتمة التي تتحدث عنها.
إمتازت الكاتبة بالحنكة وهي تمارس السرد التوصيفي لبعض الأشخاص ،ومن ثم تكتب رسائلها بالخط الأحمر للفت انظار القاريء إليها ،خاصة عند حديثها عن السكرتير جمال الذي كان يستغل لخضر ويكلفه بمهام فوق طاقته فيما هو يبقة جالسا في مكتبه يتحدث بالهاتف مع حبيبته.
كانت الكاتبة تمنح القاريء بعض الراحة لتبعد عنه الملل والرتابة عندما يتعلق الأمر بمشهد قادم مختلف ،ومن ثم تعود لفكرتها التي تريد قولها ،وظهر ذلك جليا عندما أصبح لخضر يمكث طويلا في مكتبه يعمل ،بينما جمال يغادر للقاء محبوبته،ما مكن لخضر من إدخار شخصين موفدين من الكبار لزرع مايكروفونات التسجيل في زوايا مكتب مدير الجامعة ،وأكسبه ذلك ثقة الكبار من جديد بسبب تفانيه في العمل وعدم تذمره ،ودقة تقاريره التي بدأ يكتبها عن الجامعة ومديرها ،وعن الإضراب المقبل ومكان إجتماع الطلبة.
دخلت الكاتبة في هذه المرحلة في باحة الإسلام السياسي ،وكيف ان أتباعه إستغلوا نقاء الدين وحولوه إلى مصدر عنف وتطرف وإرهاب، من خلال إجبار الطلبة بالتهديد المباشر على المشاركة في الإضرابات،الأمر الذي أحرج مدير الجامعة الذي كان يثق بهم ويحاورهم ويستمع إليهم لإيمانه بقدرات الشباب المتدينين،لكنهم تمردوا عليه ورفضوا أوامره مغلفين نواياهم بعبارة "لا إله إلا الله"،الأمر الذي إضطر المدير للعمل بإقتراح لخضر القاضي بإبلاغ الأمن ،لكن مدير الجامعة إشترط عدم إصابة أي طالب في الجامعة وان ينتصر العقل.
تشتمل رواية الكاتبة على عدة روايات إبداعية متشابكة وتستحق تحويلها إلى عمل درامي كبير، لتوثيق المرحلة وكشف أتباع الإسلام السياسي وما أحدثوه من دمار في مجتمعتنا،ولم تغفل الكاتبة عن السيناريو المتبع في كافة العواصم العربية ،وهو زرع مخبرين في صفوف المتظاهرين او المضربين لتأجيج الصراع وإجباتر الشرطة على التدخل ،ويشتمل عملهم على إطلاق الشعارات الرنانة ، وأحيانا تصل الأمور بهم إلى إطلاق النار على الشرطة كما جرى في الجامعة ،ومع ذلك لا يقوم أحد بإعتقالهم.
نجحت خطة الكبار وجرى الإيقاع بمدير الجامعة الذي إقتيد إلى مركز أمن وسط المدينة ،وبعد ساعة إقتادوه إلى مركز آخر للتحقيق معه،وسط قلقه على الطلبة المعتقلين،خاصة بعد أن رفض ضباط الأمن السماح له بالإتصال للإطمئنان عليهم،ونبهت الكاتبة إلى ان الكبار لا يحمون الصغار الذين يعملون عندهم في حال إرتكبوا خطأ ما ،كما جرى مع الضابط كريم الذي عجز عن أخيه المتهم بالإختلاس،وتكشف ان عقاب شقيق الضابط كريم إنما كان عقابا لأخيه لتأديبه.
لم تغفل الكاتبة أن دوائر الأمن تستغل الإعلام للترويج وتزوير الأحداث والأخبار، ناهيك عن قيامها بتشكيل جماعات مسلحة خارج إطار القوات الأمنية لتنفيذ عمليات وتصفية المعارضين،وبدت الكاتبة انها ملمة بكافة خيوط اللعبة وهي تصور الأحداث كما هي خاصة عندما تحدثت عن مدير الجامعة المعين الذي جيء به لأنه على خلاف مع المدير السابق.
نقلت الكاتبة لخضر من وهم السلطة والمال إلى خطر تبعاتهما على من هم مثله من المهمشين المعدمين، الذين لم يلدوا في القصور وفي أفواههم معالق من ذهب،وساعدها في ذلك تمتعها بوعي سياسي متميز ،ناهيك عن قدرتها على مسك خيوط اللعبة الروائية بمهارة تميزت بنقل شخوصها من ساحة لأخرى دون ان تحدث خللا في بنيتها النصية أو تقوم بإرباك السرد.
كانت الكاتبة تتابع تفاصيل التفاصيل ،فبعد أن تميز لخضر في نقل أخبار الجامعة ومديرها ،طلبوا منه التجسس على منزل مدير الجامعة لضرب عصفوين بحجر واحد وهي محاصرة مدير الجامعة والإيقاع بقريبه الصحفي الباهي المزعج لهم ،وإنتهت الأمور بان طلب لخضر يد إبنة مدير الجامعة العرجاء دون أن يخبر الكبار الذين تضايقوا من فعلته في البداية لكنهم إستحسنوا ما أقدم عليه لا حقا .
وضعت الكاتبة لخضر في صراع داخلي بعد ان وافق مدير الجامعة على تزويجه إبنته،وكان حجر الرحى الذي يطحن لخضر هو أن مدير الجامعة كان صادقا في نواياه بينما كان هو غير ذلك ،لأنه دخل مكتبه وبيته للتجسس عليه ليس إلا،وقد أدى لخضر مهتمه في بيت مدير الجامعة بإمتياز وأوقع بالصحفي الباهي المستهدف ،ومع ذلك كان عانى من صراع داخلي عنيف، بعد أن كشفت له الباهي العديد من الأمور منها أن ما يجري هو عبارة عن صراع أجنحة ،مستدلا بذلك بذلك على أن إبن شخص نافذ قتل في الجامعة إبن شرطي في الداخلية ،وان الإسلاميين واليساريين لا يعون انهم مجرد أدوات في يد النظام الذي يحرك الخيوط.
تواصل الكاتبة الإمساك بملف لخضر الذي تحول بفضل دقة تقاريره ونجاحه بالمهام التي أوكلت له إلى ضابط بعد ان كان مخبرا صغيرا مهمشا ،ونال ثقة الكبار رغم إستمرار معارضة مسؤوليه المباشرين لترقيته ، وقد حذره بعضهم من الإخلاص في العمل لأنه قد يقتله ،ورغم ترقيته إلا انه بقي يعيش في دوامة لا تنتهي لأنه أيقن ان عليه مصارعة طواحين الهواء طوال عمره.
لم تترك الكاتبة شاردة او واردة إلا وإقتنصتها لتوثيق الحرب الأهلية ورصد كل مجريات الأمور فيها وتسليط الأضواء على الصغار المرتزقة الذين كانت تناط بهم العمليات القذرة من تصفية وحرق وإغتيالات للمعارضين أمثال الضابط جعفر وتوجيه التهم للإسلاميين ،وقد تم قتل الصحفي الباهي وكتبوا على جبهته بالدم بعد فصل رأسه عن جسده عبارة "الله اكبر"، كما انها لم تترك مجالا للخضر كي يشعر بالسعادة في حياته عندما حرمته من زوجته التي ماتت أثناء الولادة ،ما جعله يشعر بالإحباط يوما بعد يوم بسبب عمله وحياته وتجبر الضابط جعفر به، بعد أن إزدادت شهوته للقتل تنفيذا لأوامر الكبار وإسناد التهمة كما هي العادة للإسلاميين ،والغريب في الأمر أنه بعد تكليفه بمهمة فاشلة لقي حتفه في المكان ،تنفس لخضر الصعداء لأنه تخلص من الضابط جعفر.
إنتشلت الكاتبة لخضر من قعر الإحباط إلى قمة الأمل المشوب بالتوتر بعد نجاحه بتنفيذ ما فشل فيه جعفر،وقد غمرته السعادة وأصبح شخصا مهما في غضون سنة ،لكنه نسي أو تناسى إبنه في هذه الفترة المجنونة وإكتفى بالسؤال عنه إلى ان إختفى من حياته كليا.
أصبح لخضر قاتلا بإمتياز وكان حذرا لا يثق بأحد،ولم يرفض أي تكليف يسند إليه حتى انه وافق على تصفية نقابي صاعد ذبحا بالسكين ،وقاده جنونه إلى إغتيال رئيسه السابق في الميناء سي منصور ليترقى بعدها ويصبح ضابط مركز،وقد إكتشف لاحقا أن هناك من الضباط الصغار من يرفضون الظلم وينادون بعقاب المجرمين .
واكبت الكاتبة تدرج لخضر في المناصب تكريما له على جرائمه وإنعدام الرحمة بين خافقيه ،وقد حقق ما كان يحلم به من جاه وسلطة ومال ،ووصل به الأمر إلى رتبة جنرال،وعاينت الكاتبة لخضر في تلك المرحلة التي إرتدى فيها بدلته الرسمية الجديدة المهابة ،وكيف كان يشعر بالخوف وهو يرتديها رغم انه كان يثير الرعب في عيون من ينظرون إليه .
إستمر الجنرال لخضر في نفاقه حتى وهو جنرال ،كما أوضحت الكاتبة في كلمته للضباط الذين كانوا يعملون معه ،وقد حثهم على حب الوطن والتضحية من أجله ،وانه لن يسمح للمتطرفين ان يتلاعبوا بمصير البلد ،كما أن على الضباط ألا يخدموا البلد من اجل الراتب بل من أجل الإنتصار على الظلاميين،وقد أعجبوا به وأصبح مثلهم الأعلى ،ومع ذلك كانت خلواته مع نفسه ترهقه كثيرا لأنه يعلم أنه مرائي ومنافق .
وضعت الكاتبة الجنرال لخضر في محنة كبيره ،عندما إكتشف أن إبنه المنسي أصبح احد الضباط الذين يعملون تحت إمرته ،ومع ذلك لم يستطع مكاشفته بالحقيقة أو يتحدث معه أمام الجميع وجها لوجه،ومارست الكاتبة أسلوب الصدمة عليه عندما إستدعى إبنه بعد إجتماع وأخبره ان أباه متوف ،وبدا هذا الرد للجنرال لخضر كرصاصة مدوية ،وإكتفى بمراقبة إبنه في ساحة التدريب وفي صالة المطعم دون ان يجرؤ على إخباره انه إبنه.
إستمرت الكاتبة في تعريض الجنرال لخضر للصدمات المتتالية ،وكان أبرزها عندما طلب تقريرا إستخباريا عن إبنه، ووجد فيه انه يحب فتاة قتل الإرهابية أباها الضابط ،وان أمها من عامة الشعب ليتبين له بعد ذلك ،أن امها هي حبيبته نجاة إبنة سي نوح صاحب الدكان ،وان أباها هو غريمه الضابط الذي أخذها منه،وقد بيت امرا.
يبدو ان الكاتبة أرادت معاقبة الجنرال لخضر على كافة جرائمه بأن جعلت أيامه الأخير تعج بالألم والمفالجآت غير الساره ،رغم أن الكبار كانوا يتواصلون معه بعد إحالتهم للتقاعد حفاظا على مصالحهم ولحاجتهم لخدماته ،وكانت الصدمة الكبرى عندما تعرض إبنه للقتل ،وإجتماعه مع حبيبته السابقة وخطيبة إبنه في غرفة واحدة دون ان يخبرهما انه والد الضابط حسين .
تألم الجنرال لخضر كثيرا لأنه عجز عن الكشف عن هويته في البداية لكنه وبعد حوار مؤلم مع نجاة قرر البوح بالسر .







اخر الافلام

.. ...-جريدي- أول فيلم باللغة النوبية يظهر جمال النيل وطبيع


.. بتحلى الحياة – مسلسل الحب الحقيقي – الممثل جوليان فرحات


.. بتحلى الحياة – الفنانة جاهدة وهبة




.. ريشة فنان روسي تروي زيارته لأرض سوريا


.. الفيلم اللبناني قضية رقم 23 يقترب من جائزة أوسكار