الحوار المتمدن - موبايل



هنا البصرة الجرح الذي لا يموت، فصل من روايتي (حين يحزن القمر)

عباس علي العلي

2017 / 10 / 7
الادب والفن


هنا البصرة الجرح الذي لا يموت


سميت البصرة باسمها لأنها أبصرت النور على رائحة الماء وصوت الريح وهو يعبت برمالها كلهو القدر بالإنسان، وقيل أنها بصرة الأحلام والأماني فمن يريد الحياة بزينتها فعلية بالأرض المعلقة بين الماء والسماء، وقيل أنها مبصورة من بعيد لبساطة أرضها وإليها تتعانق أبصار الناشدين، معلومات لأول مرة تسمع بها وقد يكون من الغريب أن تعرف من غريب عن سر الأرض التي خرجت من رحمها وأنت لا تعلم، قد يكون هذا الكلام مجرد أستنتاجات ولكن بالفعل أن البصرة محل ومحط الأمال والأبصار العظيمة.... القطار النازل نحو الشعيبة في مرحلته الأخيرة كان مثقلا أيضا بالكثير من الأهات التي تنطلق بين لحظة وأخرى من صدر الحزينة.
من نافذة كبيرة كانت عيون كريم تلاحق مشاهد البعض ممن ينتظر عزيز أو يستقبل قادم برغم قلة الواقفين من غير اصحاب السيارات كان منظر أستير مشدودا إلى تلك الوجوه التي أطلت من النوافذ ليتأكد أن القادم قادم، أسترخت عجلات القطار وتوقف أنينها على السكة مع صوت الصفارة الطويل الذي يعلن نهاية رحلة ليلية طويلة، نزلت الحشود من عرباته وكأنها عملية ولادة حقيقية، فالكل يخرج لينتظر ما هو التالي، هرع أستير إلى بوابة العربة رقم 8 ملوحا بيده ومرحبا كما عرفه من قبل، إنه رجل مصنوع من طينة الوفاء أكثر مما فيه من لحم ودم، أنه البصري الذي لا يمل من كرم ولا ينقطع من محبة نقية، تعانقا وحمل الحقيبتين معا بعد أن أغرق سميرة بكلماته المغمسة بالفرح وبلهجة بصراوية حادة.
نازلْ يا قطار الشوك
نازلْ هايَه ديرتنه
فوك امْنِ المحطَّة فوك
خلهَه اتْصيرْ نَزْلَتْنَه
نازل يا قطار الشوك نازل هايَه ديرتنه
أتعبْنه الطريق ابْعيدْ و ابْعدْ عنَّه عشرتنه
نازلْ وَرْدَ امرّْ علْدارْ
فَدْ مكتوب إلي تذكارْ
أدَوِّرْ عن حبيبي وينْ
كالَوْ شالْ للعشّار
كلْتِلْهمْ دِدَلّوني
جيبو قُرَّة عْيوني
نازلْ يا قطار الشوك نازل هايه ديرتنه
نازل وَرْدَ اكِص تكتين
خاف التيتي يسألني
كِلْت احجز مكان اثنين
عندي الوِلِفْ واعدْني
اشْوَيْ رَيِّضْ على هونَكْ
خافَنْهم يشوفونكْ
كالَوْ بالمحطَّة اعْدايْ
تتشمَّتْ ابْرَجْعتنَه
نازل يا قطار الشوك
نازل هايَه ديرتْنَه
خارج المحطة كان الصباح منفتحا على شعور جديد شعور عودة الطيور المهاجرة بعد رحلة مضنية أستهلكت بقايا القوة والقدرة على التحمل، ما أن تحركت بهم السيارة نحو البصرة المدينة حتى أحست سميرة أنها تتنفس بعمق برغم الرطوبة العالية وشيء من الحرارة التي غزت الأجواء مبكرة، لم ينقطع أستير من الثرثرة في محاولة منه لتلطيف الصمت الذي لا يفهمه من قبل سميرة، وجه لها بعض الكلام وكان كريم هو من يرد، أخيرا فهم أن مزاج السيدة ليس بالقدر المناسب الذي يتيح له التواصل معها ويخبرها أنه كان رفيق كريم في رحلة البحث عنها.
أغواء المدينة الساحرة تسلل إلى روحها وبدأت من جديد تتنفس ضوع البصرة الذي فارقته مجبرة، أخرجت من حقيبتها الدفتر الصغير لتكتب ما تظن أنه شغفها الأول حيث أبصرت روحها في كل مكان هنا،،،
الشمس ما زالت تمنحني الحياة
وما زال الليل يسلب مني أحلامي
أيتها الأم الحنونة أبصر أثار أقدامك
حينما مرت من هنا
هي كما هي... تحمل روح الطين الأول
وتقودني طفلة تشاكس الطريق
تسحرها لغة المكان
تعمدها أماني كبار
كغابة نخل تغفو على أنهار حمدان
أو
كرقصة جانحة تجيدها زمرة الخشابة
في الليالي الساحرة
فيخرس الكلام
دار أبو ثامر فيما يبدو مستعدة تماما للقادم من حضائر الموت ليعلن عن ولادة الحياة من جديد، هو وكل من في الدار يحسبون الساعات وينظرون الطريق كأنما يحمل إليهم اليوم رائحة الجنة الموعودة.... الغبار المرتفع من بين الباسقات ينبئهم باليقين.. وعند جهينة في الطريق ما كانوا ينتظرون.
مشاعر جياشة أختلط فيها الدمع مع الأبتسامة والفرح داخل الحزن الأجساد تحضن بعضها في لحظة توقف الزمن خشوعا لها، أبو سامر بستيناته وقهر السنين وذكريات مرة أعتصرته الدموع فأنزوى لجدار يداري أهاته وذكريات سامر الذي رحل قبل أوانه وترك أبا يشعر بخسارة ثقيلة لا تعوض، أمام قدمها نحر عامر خروفا بسلامة الوصول برغم ممانعتها فشحت بوجهها عن المنظر الدم لتعانق أم ثامر بقوة كأنما تعانق من فقدت في ظلمة السجن ووحشة السجان.
مثل مشاهد السينما كان كريم يراقب الموقف وأستير والسائق أخذتهم الدهشة من هذا الأستقبال الرائع، لم يكن الحاج عبد الحميد بعيدا عن الرجال الثلاثة فقد أصطحب ضيوفه إلى الديوانية مهللا ومرحبا بالجميع، توافد بعد ذلك الأقربون لعلها المناسبة الوحيدة التي جمعت العائلة الكبيرة منذ زمن، نساء ورجال حضر الكثير منهم لتهنئة الحاج ومنهم من لا يعرف ما كان من أمر، المهم في الأمر عند كريم أنه أثبت لكل هؤلاء أن الحياة ليست قرابة ومصلحة فقد يكون الإنسان هو محور كل جميل في حياتنا.
في داخل الدار وعند النسوة الحديث أكثر حزنا وأشد إيلاما على فقدان رزيقة التي لم تقطع من حياتها القصيرة الطويلة تلك الثمار التي تنتظرها الأمهات عادة، فقد قضت من عمرها الكثير في العمل والكدح لتترك خلفها سميرة السيدة التي تفتخر كل عوائل القرية بأنها رمز مشرف ونتاج قل نظيره في عالم مجنون مجبول على تحييد النساء والنظرة لها على أنها مجرد ألة تفريخ وربة بيت لا تكل ولا تمل من العمل حتى تدركها الشيخوخة، فتنظر ورائها جيل يلد جيل أخر وهي لا تدري كيف مرت السنون.
بعد نهار حافل بالمجاملات والأسئلة والمجاملات أستأذن كريم من الحاج أبو سامر عما إذا كان يستطيع أن يكلم سميرة، اللغة الوحيدة بينهما ما يكتب على الورق، نهض الرجل متوجها إلى الدار فيما كتب كريم ما يريد على ورقة أستلها من دفتره الصغير، كان لا بد له من الرجوع إلى كربلاء والعودة لاحقا حين تستريح وتقضي ما جاءت من أجله، كتبت له أنها بحاجة إلى أيام معدودوة لأستخراج جنسية وشهادة جنسية وبعض الأوراق من أبي الخصيب والبصرة وإنها بحاجة للذهاب إلى الطبيب، تذكر في لحظتها أن أبو رزاق أخبره أن كل ما تركته بعد أعتقالها قد نقلها لداره بما فيه ما تريد.
تذكر أن هذا الكلام قد سمعه هو والحاج عبد الحميد عندما ألتقيا عصر ذلك اليوم في البستان، وهو الذي أخبرهما بأن في تلك الليلة المشئومة عندما سمع ما يدور في بيت سميرة خرج ليستفسر عن ما يدور، لقد كان الشاهد الوحيد ربما على تلك اللحظات، حينما دفعه رجل الأمن بقوة محذرا من أنه سيكون الثالث معهن لو تدخل أكثر، وعندما مرت أيام ولم يظهر لهن أثر بادر إلى جمع ما تركن ورائهن وما زال يحتفظ بها على أمل أن يعودا مجددا.
أتفقا على أن تعود بعد أسبوع أو عشرة أيام وسيكون بينهما أتصال بين يوم ويوم عبر البرقيات، كان وقع ما سمعته من كريم أثار في نفسها المزيد من الفخر والفرحة بأن هناك الكثير من البشر ما زالوا على صفات النبلاء، حملته كل المحبة والأمتنان للمدينة وأهلها والناس الذين لم يتخلوا عن إنسانيتهم رغم الظلام، فكل مدينة في الكون تجمع في أحشائها النقيض ونقيضه، ودعته بدمعة عسى أن تكون أخر الدموع التي تذرفها بلا حساب، حمل الجميع أغراضهم وأستقلوا السيارة حيث محطة القطار بأنتظار الطائر الصاعد في رحلة أمان وسلام.







اخر الافلام

.. الرياض تحتضن ليالي السينما السعودية


.. هذا الصباح- عقيل أحمد.. استلهام الموسيقى والشعر العربي بالرس


.. بوكس أوفيس| تعرف على إيرادات السينما الأمريكية لهذا الأسبوع




.. دردش تاغ - ما رأيكم في الأفلام المستقلة؟


.. مهرجان الفيلم العربي بواشنطن يدخل عامه الثاني والعشرين