الحوار المتمدن - موبايل



لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني)(الاسباب الفكرية والسياسية)(2-2)

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 10 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


3 . الحقائق المطلقة : سبق ان ذكر الوردي ان التسلط العربي والاسلامي على اهل البلد الاصليين من العراقيين الاراميين خلال العصرين الاموي والعباسي اضطرهم الى ان يكونوا في صف المعارضة الثقافية والسياسية ضد تلك السلطات البدوية والاعرابية القمعية , ومن الطبيعي ان يكون خطاب المعارضة هو الخطاب المثالي (اليوتوبي) المتعالي عن الواقع والمتماهي مع الحقائق المطلقة , وبما ان تلك المعارضة قد استمرت وامتدت مئات السنيين خلال مرحلة التاريخ الاسلامي , فان نوعا من تنميط العقل حول تلك المثالية قد تبلور خلال تلك القرون المتعاقبة , رغم التمظهرات السياسية المتعددة والاحقاب المختلفة للحكومات العراقية (ويمكن مراجعة مقالنا بهذا الصدد – الموروث الافندي عند الانتلجنسيا العراقية) . واستمرت تلك الظاهرة في صيرورتها عبر التاريخ الطويل وحتى العصر الحديث , ومالتبني المطلق للنزعات الايديولوجية المثالية والثورية في العصر الحديث والتي تخرج حلولها ومطاراحاتها من (الراس) الا دليل على استحكام تلك النزعة ورسوخها في النظام المعرفي والثقافي العراقي . ولاحاجة الى القول بان الدكتور الوردي – وبصفته اصلاحيا واقعيا - قد انتقد هذه الظاهرة بالقول (لقد ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الافلاطونيين الذين لايجيدون الا اعلان الويل والثبور على الانسان لانحرافه عما يتخيلون من مثل عليا دون ان يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل) , وعد التفكير المهيمن على الانتلجنسيا العراقية هو (التفكير الشعري) المتسامي عن الواقع , واكد (ان كل من يدعو الى الحق المطلق انما هو يريد - من حيث يشعر او لايشعر - ان يخدع الناس او يجذبهم لجانبه وجانب جماعته) . ودعا الى نسبية الحقائق في كثير من كتاباته , واعتبر الانسان مصدر الحقيقة وامتدح المدرسة السوفسطائية كثيرا بهذا الصدد , ووصل الحال به ان رد على السيد مرتضى العسكري الذي اتهمه بالسفسطة بالقول (اني افتخر ان اكون سوفسطائيا .... السفسطة خير من الخزعبلات المنطقية التي يتمشدق بها اصحاب المنطق القديم , ومن محاسن السفسطة انها غير منافقة فهى تؤمن بالحقيقة النسبية قولا وفعلا) . الا انه استدرك لاحقا واعتمد منهجية (مانهايم) (في ان الحقيقة نسبية ومطلقة في ان واحد وهى ذاتية وموضوعية ) , (اي نسبية في رؤيتنا الذاتية لها وموضوعية في تحديد الواقع الحقيقي لها) وقال (اما المنطق الحديث فهو انكر وجود الحقيقة المطلقة عمليا ونظريا وهو يرى في كل فكرة جانبا من الصواب في حدود الاطار الخاص بها , والفكرة التي تكون مغلوطة في نظرك قد تكون صحيحة في نظر غيرك) . وبما ان الاغلبية الساحقة من الانتلجنسيا العراقية هم ورثة تلك النزعة المثالية التي انسابت اليهم كانماط عليا من التراث الحضاري الرافديني القديم , فانهم تبنوا الحقائق المطلقة , وتماهوا معها كجواهر (موندات) عليا ثابتة , يمكن الحصول عليها من خلال المقدرات العقلية والنصوص النقلية التي يمتلكونها , فان نوعا من التضاد المعرفي قد حصل بينهم وبين المتبنيات الفكرية للدكتور علي الوردي الذي انتقد تلك الظاهرة واعتبرها احد اهم العوامل التي ساهمت في تراجع التفكير العقلاني في المجتمع العراقي .
4 . النزعة المثالية الكاذبة : ذكر الدكتور الوردي في احدى عبارته الشهيرة (ان الفرد العراقي من اكثر الناس هياما بالمثل العليا والدعوة اليها في خطاباته وكتاباته ومجادلاته , ولكنه في الوقت نفسه من اكثر اكثر الناس انحرافا عن تلك المثل في واقع حياته) . وقد حصل عنده تناقض حول جذور هذه النزعة وتاريخ تكوينها او بلورتها في المجتمع العراقي , ففي احد مؤلفاته قال ان المجتمع ورثها من تراثه الحضاري الرافديني القديم , ولكنه في مكان اخر قال ان تلك النزعة بدات في العصر العباسي خلال مرحلة الجدل والنزاع بين الفرق والمذاهب الاسلامية و(نشوء المناطقة وارباب العلم والفلسفة) , ويبدو ان الراي الاول هو الارجح , ولكن في المجمل شكلت هذه النزعة المثالية احدى سمات العقل العراقي ونظامه المعرفي وركائزه الثقافية , الا ان الوردي يذكر من جانب اخر ان تلك النزعة تتلاشى عند العراقيين امام صخرة الواقع المعاش وتجلياته ورغباته , بل ربما يكون خضوعه لاشتراطات هذا الواقع ورغائبه والاستئثار بالمقدرات وانتهاز الفرص المتاحة اكثر من غيره ممن لاينادي بتلك النزعة , حتى تظن ان هاتين الشخصيتين مختلفتين تماما . وبالطبع ان هذه القاعدة التي ذكرها الوردي عن العراقيين بصورة عامة , قد شكلت نوعا من الصدمة والالم عند الانتلجنسيا العراقية التي تتميز بانها اكثر من غيرها في التبني المطلق للنزعة المثالية والمناداة بها من جانب , والاكثر تملصا منها وتراجعا عنها من جانب اخر . فضلا عن ذلك ان هذه الانتلجنسيا قد وجدت ان ماتتشدق به من مثاليات وكونيات واخلاقيات , انما هى مفاهيم متوارثة في نسقها الثقافي , ليس لها اي دخل في تكوينها او بلورتها , وانها لاتعدو ان تكون بنية لاشعورية وعبارات لاتاثير لها وخطابات لاالتزامات فيها على ارض الواقع , او ربما هى للاستهلاك المحلي والاجتماعي فقط .
5 . التسامي عن الطائفية واشكالاتها : كان من اهم المتبنيات المعرفية التي تميز بها الوردي عن السديم الثقافي العراقي هو الموقف من الطائفية والتهميش والاقصاء الذي طال الاغلبية الشيعية عن الادارة والحكم , وانتقادها كظاهرة متخلفة انسابت الى الدولة العراقية الحديثة التي تاسست عام 1921 من الانماط العثمانية البدائية التي استمرت راسخة في العقل السياسي العراقي , وقال (ان الطائفية اصبحت من اعضل الادواء التي يشكو منها المجتمع العراقي , وربما صح القول انها اتخذت شكل العقدة المكبوتة في شخصية الفرد فيه , ومن طبيعة العقدة انها تزداد استفحالا كلما استمرت كامنة في اعماق النفس وتوالي عليها الجدال المتحيز يوما بعد يوم , ولابد ان نخرج هذه العقدة الى الضوء فندرسها دراسة موضوعية واعية) واعلن صراحة (بان ليس في الاقطار الاسلامية كلها قطر يشبه العراق من حيث استفحال النزاع بين هاتين الطائفتين), بل ان الوردي اعلن انه انه بصدد تاليف كتاب عنوانه (تاريخ الصراع الطائفي في العراق) , الا انه – وكما يبدو – لم يستطع تاليفه او نشره لموانع سياسية على الاغلب او ثقافية , فيما على النقيض من ذلك , وجدنا ان الانتلجنسيا العراقية وبسبب هيمنة التيارات الفكرية والايديولوجية والمنظورات الثورية واليسارية قد تسامت عن الظاهرة الطائفية في البلاد , ولم تتطرق اليها كاشكالية ملحة ومعقدة استعصت عن الحل في مسار الدولة (فالشعوب لاتطرح على نفسها الا المشاكل التي تستطيع حلها) – كما يقول ماركس- وانشغلت بدلا عن ذلك في قضايا الصراع الدولي والحرب الباردة والموقف من الرجعية والاقطاع والامبريالية والصهيونية وغيرها من المتبنيات السائدة انذاك , حتى ازدات العقدة الطائفية – كما تنبا الوردي – استفحالا , وافرزت حالات من الاحتراب والانقسام بعد انقلاب 1963 تصاعدت الى تراكمات هائلة وتجليات ماساوية بعد انقلاب 1968 انعكست في الاحداث القمعية والاقصائية عام 1980 وانتفاضة اذار 1991 , وبلغت ذروتها التراجيدية بعد السقوط النظام البعثي الحاكم عام 2003 حيث انفجرت تلك العقدة بقوة وخلفت الاف الشهداء والجرحى من الاغلبية العربية الشيعية التي طالتها يد الارهاب الطائفي البغيض . والملاحظ في كتابات الوردي حول الطائفية نجد انه اشار الى نمطها الديني وجدلها العقائدي والمذهبي العقيم بين رجال الدين , الا انه لم يشر الى الطائفية السياسية بالاسم الصريح , وانما من خلال التضمين , واشار الى انها تتعلق بالسيطرة والهيمنة على والوظائف بالقول (بدات الطائفية في العراق تاخذ شكلا جديدا , فبعدما كانت الطائفية نزاعا مذهبيا اصبحت الان نزاعا على الوظائف ..... وان الذي ابقى الطائفية في العراق هو حب الوظيفة الحكومية وهذه الوظيفة سوف لاتبقى مطمح الانظار طويلا فلقد غصت باب الوظائف بطلابها واخذ الناس يطلبون الرزق من ابواب اخرى) . وفات الدكتور الوردي انه هناك فرقا شاسعا بين المشاركة في الادارة والحكم وبين الرغبة بالحصول على الوظائف , فالاولى هى (العقدة) التي يجب ان تحل من خلال المشاركة السياسية في القرار والمناصب العليا في الدولة والتعددية الثقافية والديمقراطية فقط , فيما ان الوظائف التقليدية قد تكون متاحة للكثير من الناس من خلال القرابة العائلية والقبلية والحزبية وغيرها . (ويمكن مراجعة مقالنا بهذا الصدد في الحوار المتمدن – المثقفون العراقيون والطائفية) .
6 . الموقف من الديمقراطية : كانت من اهم المواقف السياسية التي ادرجها الوردي في مشروعه التنويري والاصلاحي الليبرالي هو التبني المطلق للديمقراطية , واعتماد نظام الانتخاب كصيغة دستورية احادية لتسلم السلطة واضفاء الشرعية عليها, واعتبارها وصفة جاهزة او فريدة لانهاء الصراع على الحكم الذي اخذ من البشرية الاف السنوات من القتل والدمار والحروب . والديمقراطية التي نادى بها الوردي لم تكن هى الرائجة في الخمسينات والستينات في العالم العربي ، والتي تعتمد النسخة الاشتراكية الثورية ، او ما تسمى بالديمقراطية الشعبية والموجهة ، وانما الديمقراطية الليبرالية - بحسب النمط الغربي - الذي يعتمد صناديق الانتخاب كمنهج وظيفي واحادي في سبيل انهاء الصراع على السلطة . كما ان تناوله لموضوعة الديمقراطية ، لم يكن كأفكار مجردة او يوتوبية او مفاهيم سياسية مستهلكة، بسبب الية التكرار التي تطرحها الاحزاب الشمولية في العالم العربي والدول الاستبدادية ، وانما دعوة واقعية هدفها تنمية المجتمع المدني ، والسمو به الى افق التحضر والنضج السياسي والمسؤولية ، وايقونة ثقافية مقدسة لها سمة الحتمية في سلم التطور البشري . تبلور من خلال استعراضه لتمرحل التاريخ الانساني ، وكيف ان الديمقراطية ستكون النتيجة المؤكدة في ختام هذا التطور من خلال التقسيم الاتي :
1. المرحلة القبلية التي سبقت ظهور الدولة .
2. مرحلة ظهور الدولة في صورتها الاستبدادية القديمة .
3. مرحلة ظهور النظم الديمقراطية الحديثة , (وبحسب هذا التطور او النتيجة فان الوردي يكون قد سبق الكاتب الامريكي – الياباني الاصل – فوكوياما حول اطروحته بحتمية انتصار الليبرالية والديمقراطية التي طرحها في كتابه – نهاية التاريخ والانسان الاخير – عام 1992 ).
ومن جانب اخر اعترف الوردي ان نظام الانتخاب الذي استندت عليه الديمقراطية الحديثة لم يسلم من بعض العيوب ، لاسيما في قضية التمثيل الواسع للمجتمع، لانه سيكون مقتصرا على الافراد المشاركين في الاقتراع فقط ، الا انه افضل تمثيلا لرأي الامة ، وابعد الانظمة عن خطر الاستبداد والثورات والانتفاضات ، وما يرافقها ذلك عادة من الفوضى والاضطراب والاقتتال الداخلي (لان الانتخاب المباشر في الاصل هو ثورة مقنعة استعمل فيها اوراق التصويت بدلا من الرصاص... ويسمح للمجددين من ابناء الامة ان يحققوا رغبتهم بالتغيير عن طريق التصويت الهادئ) .
واما في مسار الاشكالية العراقية المعقدة والانقسام السياسي والاجتماعي السائد في البلد , فقد طرح الدكتور الوردي (الديمقراطية) كحل احادي لتلك الاشكالية , وذكر ذلك صراحة بالقول (ان الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي اكثر مما في اي شعب عربي اخر – باستثناء لبنان – وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق اجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه , حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم بحسب نسبتها العددية) . وبالطبع ان هذه الكلام او الراي الذي طرحه الوردي لم ترغب به الانتلجنسيا العراقية , ليس في ذلك الزمن من عقد الخمسينات والستينات الذي تميز بهيمنة الخطابات الثورية والراديكالية والتوجهات الايديولوجية الانقلابية فحسب , بل حتى مابعد عام 2003 وقيام النظام الديمقراطي الحقيقي – ولاول مرة - في العراق . حيث شهدنا ومنذ الاسابيع الاول رفضا وتحرجا وارتباكا عند الانتلجنسيا العراقية حول هذه الاطروحة , بدعوى عدم نضوج المجتمع العراقي لتبني الديمقراطية اولا , والسلبيات والاقتتال والاحتراب والفساد الذي صاحب العملية السياسية في البلد ثانيا . وبالطبع ان كلا التوجهين يشكلان نوعا من الحجج والذرائع التي وضعتها - او اعلنتها - تلك الانتلجنسيا الرثة لرفضها موضوعة الديمقراطية من الاساس , والسبب هو ان مفاهيم الليبرالية وقيمها التنويرية هى بالاصل مغتربة عن النظام المعرفي والثقافي لها . فالقيم الثورية والتوجهات الايديولوجية المهيمنة ظاهريا على الانتلجنسيا العراقية - او الاغلبية منها - لاتعترف بالديمقراطية كنظام سياسي او طريقة بالحكم , لانها تنادي اصلا بالثورة والانقلاب والانتقام من البرجوازية والرجعية والليبرالية , فيما تتجلى القيم البدوية والريفية الجوانية والبنية للاشعورية عند الانتلجنسيا في تمظهرات عدة تقف جميعها بالضد من الديمقراطية ايضا , لانها قائمة على التغالب والرمزيات السياسية والقائد الضرورة والشيخ النهاب الوهاب وغيرها.
7 . الموقف من الايديولوجيات الوافدة : كانت احدى اهم التمظهرات في المشروع الليبرالي – البرغماتي للدكتور الوردي هو الانتقاد الشامل للايديولوجيات القومية والماركسية النضالية – حسب وصف محمد اركون - . فقد وجه لها نقدا اتخذ مسارين : الاول ، نقد اصل الاطروحة الايديولوجية الثورية والمتبنيات الرئيسة التي ارتكزت عليها ، منطلقا من الاسس الليبرالية والبرغماتية التي تعد هذه المفاهيم والانماط من القيم الاحادية والشمولية التي لا تتلاءم وطبيعة الانسان والمجتمع الحديث الذي يسير وفق تاكيد الحقوق الطبيعية والبديهية كالحرية وحق التملك والاعتقاد والتسامح . وقد استحكم الجانب الانتقادي للنظرية الماركسية على الجانب الاكبر من كتابات الوردي ، بالقياس الى النمط القومي الذي كانت الحكومات العراقية بعد انقلاب عام 1963 تشكل المرتكز الدلالي الاساسي فيه . والنقد الثاني اتخذ صورة الاغتراب الذي كانت تشكله تلك الايديولوجيات على النظام المعرفي والثقافي للانتلجنسيا العراقية , فقد اعتبر الوردي تلك التوجهات نوعا من (التشكيل الكاذب) او (الوعي الزائف) على طبيعة المجتمع العراقي وقيمه الحقيقية وبنيته الاصلية (وان المبادىء الحديثة جاءت الى العراق طارئة اذ هى لم تنبعث من طبيعة ثقافته الاجتماعية الاصيلة فهى قد اتخذت شكل محفوظات واناشيد وهتافات وشعارات ومااشبه . والفرد يتعلمها في المدارس او يقراها في الصحف والكتب او يسمعها في الاذاعات او تلقى عليه في المظاهرات والحفلات وهى اذن تبقى فعالة في مجال الكلام والجدل والانتقاد فقط ومن الصعب ان تتغلغل بتاثيرها في اعماق النفوس )(وان احدهم قد يتمشدق بارقى ماجاءت به الحضارة من مبادىء ومفاهيم ولكن ذلك ليس سوى طلاء سطحي حيث تكمن تحته الشخصية الزقاقية فلاتكاد تمس بعض الاوتار الحساسة منها حتى ينتفض صاحبها سبعا ضاريا كانه من اشقياء ذلك الزمان) . واما الانتلجنسيا العراقية التي كانت متماهية مع تلك الايديولوجيات الرفاقية والثورية فانها اتخذت موقف الضد من مشروع الدكتور الوردي الذي كان يرتكز على اسس تنويرية وليبرالية تختلف عن طبيعة تلك التوجهات , لذا كان من الطبيعي لها ان يكون لها موقف التضاد والتناقض مع ذلك المشروع من جانب والانتقاد الذي وجه الى تلك الايديولوجيات من جانب اخر .
8 . الموقف من الطبقة الوسطى البرجوازية : دعا الدكتور الوردي صراحة الى دعم تشكيل الطبقة الوسطى وبلورتها في المجتمع العراقي وتعزيزها وحمايتها . وجاءت اراء الوردي هذه في زمن اصبح الهجوم على الملكية الخاصة – او القطاع الخاص - بدعوى الاشتراكية والتأميم من قبل الايديولوجيات الثورية والشعبوية نسقا رائجاً في العراق والشرق الاوسط ، وهذه المفاهيم الاشتراكية قد ساهمت بصورة او بأخرى في تمدد الدولة على المجتمع , ومن ثم تلاشي الطبقة الوسطى التي تشكل خميرة الديمقراطية والعقلانية والتنوير . فقد أكد ( ان الغنى المفرط والفقر المدقع مرضان اجتماعيان ولا يمكن لامة ان تتقدم في مضمار الحياة الجديدة وفيها هذان المرضان الخطيران ، وهو ما يجعل من الضروري على السلطة ان تعمل باتجاه بناء طبقة وسطى واسعة ، لانها قوام الامة الراقية ) وقدم نصيحة مجانية للدولة العراقية بهذا الصدد وهى (اذا مااراد القائمون على شؤون البلد له التقدم والاستقرار وتعزيز روح الانتماء الى الوطن وترسيخ القيم الحضارية عند الفرد فعليهم ضمان الملكية الخاصة فضمان الملكية الخاصة كفيل بان يجعل الفرد والمجتمع يغير كثيرا من القيم والسلوك غير الحضاري) . ويبدو ان هذه الدعوة كانت من السلوكيات التي شكلت تراجعا وانحسارا في تبني الانتلجنسيا العراقية لمشروع الدكتور الوردي التنويري , فالنخبة المثقفة والمتعلمة التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية , والتي كما قلنا سابقا انها وفدت من الريف - او المدن المتريفة الفقيرة - كانت تنظر للطبقة الوسطى والبرجوازية نظرة الحقد والكراهية , ليس بسبب تبنيها للايديولوجيات الثورية واليسارية التي تتعتبرهذه الطبقة عنوانا للرجعية والطفيلية والعمالة والتبعية للغرب فحسب , بل لان واقع الثراء والاستقرار الذي تعيشه تلك الطبقة جعل تلك الانتلجنسيا تنظر اليها نظرة الحسد والحقد والرغبة المبيتة بالاستحواذ على املاكها ومقدراتها , او على الاقل احلال نفسها مكانها , ونجد هذا ظاهرا بافراط في عقد السبعينات , فما ان تصدى اغلبية المثقفيين للمسؤولية في دوائر الدولة والحكومة ابان مرحلة (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) التي ضمت الشيوعيين والبعثيين ومابعدها , حتى اصبحوا يتصرفون كبرجوازيين اصلاء وتركوا الشعارات الاشتراكية والمساواتية وراء ظهورهم ولسان حالهم يقول :
دعيني الى الغنى اسعى ....... فاني رايت الناس شرهم الفقير!!







اخر الافلام

.. واشنطن: قواتنا بالعراق تلقت تهديدات من ميليشيات إيران


.. د. اعلية العلاني يوضح لماذا استشرس العداء بين طالبان والقاعد


.. ترامب يستعد لإعلان استراتيجية أمنية جديدة




.. واشنطن: ملتزمون بجنيف وروسيا ليست وسيطا نزيها


.. -ألعاب- تغري جيلا من الأطفال للعب القمار