الحوار المتمدن - موبايل



المهدوية و التصوف و الشرف في مغرب العصر الوسيط

زهير شمشوب

2017 / 10 / 8
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


المهدوية و التصوف و الشرف في مغرب العصر الوسيط
إشكاليات الكتابة:
تثير مسألة الكتابة عند صوفية المغرب إشكالية التدوين في الثقافة الإسلامية بشكل عام، فثبوت الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، بالنهي عن كتابة غير القرآن في زمن الوحي، بما في ذلك الحديث الشريف، ترك مسافة بين الحديث و تاريخ تدوينه استلزمت إحداث علم فريد اختص بتمحيص رواة الحديث عرف بالجرح و التعديل، و إذا كان السبب هنا مرتبطا بدرء أسباب التخليط، فإن تأخر التدوين في التراث الطرقي المغربي لا تزال أسبابه غير معلومة، إلا أنها قد تكون لارتباط العلاقات داخل المجال الطرقي بنتائج الصحبة و ملازمة الشيخ، فيكون الأخذ بالاتصال المباشر عبر التلقين الشفوي و استرجاع سنة الشيخ، لكن هذا لم ينف بروز كتابات حول فكر الشيخ و طريقته في التربية مؤلفة على يد الشيخ نفسه، أما الكتابات الناقلة لبيوغرافيات الشيوخ فهي في أغلبها من إنتاج مريدين متأخرين عن تاريخ الصلحاء، تذكر مزاياهم و مناقبهم و تنشر كراماتهم، و على هذا المنوال استمرت معظم التآليف في كتب المناقب، أما الصلحاء فكانوا لا يهتمون للكرامات و لا لتأثيرها في الناس فكانوا غالبا ما يتورعون عنها أو يتجاوزون الخوض فيها بل و يحملون على من يقول بها .
في هذا السياق نشير إلى موقف السلطة الرسمية من هذه الكتابات و مستوى تدخلها في إخراجها للوجود، في ظل انقسام المجال الطرقي بين مؤيد و معارض للسلطة المركزية.
يتعزز هذا الطرح إذا علمنا أن أحد أقدم الكتابات في الموضوع، و هو التشوف للتادلي (ت627هـ) ترك مجالا في تأليفه للتأويلات الجانبية بفعل "الإغفال الممنهج" لبعض الشخصيات السياسية و الأحداث المتعلقة بالصدام بين الصلحاء و سلاطين الموحدين. يضاف إلى ذلك أن بعضها قد أهدي للسلاطين كما هو الحال بالنسبة لكتاب السلسل العذب الذي أهدي لأبي فارس عبد العزيز المريني(799هـ)، أما الامتناع عن الكتابة في الموضوع فهو قد يكون راجعا إلى موقع هؤلاء الشيوخ عند المؤلفين، و ما قد يجره بالتالي أي تفريط يؤدي إلى عدم الإحاطة بمجمل أخبار الشيخ و أحواله.
محطة الإحياء:
يصعب الحديث عن الظاهرة الطرقية في المغرب مجردة عن الواقع السياسي و الاجتماعي لمغرب القرن الخامس عشر، ذلك أنها خضعت لصيرورة التحول في علاقة السلطة بالفعاليات الدينية في المغرب منذ المراحل الجنينية للتصوف المغربي مع دولة المرابطين. لكن إحراق كتاب الإحياء للغزالي على عهد علي بن يوسف بن تاشفين (ت537) اعتبر انقلابا عن التوجه الصوفي، كما قبله مالكية المرابطين في البداية، لما اعتبرت أفكاره مغرقة في تغليب جانب الروح عن المادة، الأمر الذي رأى فيه الفقهاء مخالفة صريحة لمبدأ التوسط الإسلامي، ترقى إلى درجة تهديد عقيدة مغاربة المرحلة. فهل كان حدث الإحراق رفضا للتصوف أم لنوع جديد من التصوف لم يحن وقته بعد؟
يبدو أن إحراق كتاب الإحياء كان له ما بعده، إذ أن حصر أسباب الإحراق في بنية الإدارة المرابطية و ما اصطلح على نعته بالكهنوتية و البيروقراطية، قد لا يخلو من اختزال و ذلك لسببين، يبدوان وجيهين؛ أولهما أن القرار لم يكن محط إجماع الفقهاء و ثانيهما متعلق بموقف الدولة من الإبداع الفكري بشكل عام، فإذا استطلعنا وضعية الإنتاج الفكري على عهد المرابطين، يتبين أن هذه الدولة قد استوعبت أشكال الإنتاج الفكري على اختلافها بما فيه الفلسفي. كما أن الإحراق لم يكن سوى شعارا لتوجه لم يستطع الصمود طويلا أمام الإصرار على المذهب المالكي، مع التطلع إلى ممارسة صوفية انتهى الأمر إلى سيادتها عبر أرجاء البلاد. و قد عضد هذا التوجه صمود صوفية المغرب في وجه الهجمة الرسمية على الإحياء؛ مثال ذلك الشيخ أبو الفضل بن النحوي (ت513) الذي أفتى بحنث المكره على القسم بعدم امتلاكه للإحياء زمن جمعه و إحراقه.
إن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن إحراق كتاب الإحياء سنة 507هـ/1113م و نهج القسوة في حق رجاله، لم ينه مسار تيار طرقي كان سريع الانتشار في البادية المغربية و لو إلى حين، برزت ملامحه على عهد دولة الموحدين، لكن يبدو أن هذا الانتشار كان يتم في ظل تشنج مستمر مع السلطة المركزية إذ سرعان ما تخلى الموحدون عن موقف القصاص للإحياء، فكان التضييق على رموز الطرقية بالإشخاص أو النفي في محاولة لمخزنة الممارسة و إن كانت في إطار غير مؤسساتي، كما أن تحول العقيدة الرسمية للدولة الموحدية و تراجع سلاطينها على مبادئها المؤسسة، و في ظل الضعف السياسي و الاقتصادي، أصبح المتصوفة خطرا قد يهدد استقرار الدولة، سواء عبر تولي اختصاصات الأخيرة أو استئثار شيوخها بالولاء المخصوص بالسلاطين، فكان توجيه المجهود نحو درء خطرهم إما ترغيبا أو ترهيبا.
محاولة مخزنة التصوف:
إذا كان الموحدون قد اتخذوا المهدوية شعارا للإصلاح فأقاموا دولة انتشرت في مجال واسع من شمال إفريقيا و الأندلس، فإن تخلى أواخر سلاطينهم عن المبادئ المؤسسة للدولة ساهم في فقد مقوم الاستمرار، في ظل الهزائم العسكرية القاسية أمام النصارى، و استمرار مظاهر التضييق على المسلمين. في هذا الخضم كانت الأسس المرجعية للتصوف المغربي قد اتخذت شكلها الخاص عبر مرور كبار رموز التصوف المغربي في مرحلة القرن السادس الهجري أبو الحسن بن حرزهم (ت 559هـ) و أبو شعيب السارية(ت 561هـ) و أبو يعزى (ت 572هـ) ثم أبو مدين (ت 594هـ) و إذا كان زمن هؤلاء الشيوخ لم يعرف ظهور الطوائف الصوفية في شكلها المنظم، فإن هذا لا يعني ضعف الممارسة الطرقية في أوساط الناس أو إعراضهم عنها.
أقام المرينيون دولتهم على أنقاض الدولة الموحدية فتصدوا إلى الشأن العام دون تعيين أو خلفية إصلاحية و إنما بما توفر لهم من شروط التحكم و التغلب، لكن بنية المجتمع فرضت ضرورة التعامل مع جميع مكوناته خاصة تلك التي تحظى بالاحترام و التبجيل في أوساط الناس، فكانت ضرورة التقرب من الصلحاء و الإحسان للشرفاء و تقريبهم، و لم لا إضفاء صفات الصلاح على السلاطين المؤسسين للدولة للانخراط في سيرورة التطور الديني، و إنشاء زوايا "رسمية" بإرادة السلاطين كتلك التي أنشأها السلطان أبو عنان المريني سنة 1356م و عرفت باسم زاوية النساك، بنفس الشكل الذي تم فيه إبراز رسوخ قدمهم في الشأن السياسي بالتركيز على دورهم في الجهاد أيام دولة الموحدين؛ خاصة مساهمتهم في صنع انتصار الآراك.
أولى سلاطين المرينيين إذاً، عناية خاصة بالشرفاء فأكرموهم في السر و العلانية فزاد ذلك من حظوة الشرفاء و ظهورهم في أوساط الناس عامتهم و خاصتهم، لكن يبدو أن هذه العناية لم تفلح في كسب ولاء هؤلاء بحيث يكونوا سندا حقيقيا للدولة و سلاطينها، فبمجرد ظهور علامات الإنحلال كان أول المتصديين لإنهاء شأفة الدولة هم الأشراف على يد أبي عبد الله الحفيد الجوطي سنة 1465م، تم ذلك بعد حادث تسبب فيه استبداد اليهود بالملك في فاس، في حكاية تستحضر السياق التاريخي لطرد بني قينقاع من المدينة إلى أذرعات الشام، و انتهت بذبح السلطان المريني بعد الإمعان في إذلاله و إهانته "في يوم مشهود" ثم تنظيم مقتلة في صفوف يهود فاس فتولى الشريف الجوطي حكم المدينة.
الشرفاء و التصوف:
إن رمزية الانتقال من حكم اليهود إلى حكم الأشراف مثيرة للاهتمام في هذا السياق، لكن ما يهمنا هنا أكثر هو إثارة موقف الصلحاء مما حصل، هذا إن صح التمييز بين الصلاح و الشرف في هذه المرحلة من تاريخ المغرب، يبرز في هذا الإطار موقف الشيخ أحمد زروق البرنسي، وهو أحد رموز الطرقية الكبار خلال القرن التاسع (ت899هـ) الذي اتخذ موقفا حازما من الفقيه أبي فارس الورياغلي، لما كان هذا الأخير هو الذي تولى كبر إسقاط السلطان المريني، فامتنع عن الصلاة خلفه لما رأى فيه من جرأة و تنطع في الدين فنعته "بالغندور" الذي لا يؤتمن على الصلاة .
يصعب في كثير من الأحيان التمييز بين الشرف و التصوف، خاصة إذا علما أن اعتماد التلقي الصوفي على السند الصحيح المتصل فرض تغليب النسب الروحي "النوراني" ـ و هو المرتبط بسند التربية ـ عن النسب المادي، لذلك نجد أن الصلاح قد ساعد على إحياء الشرف سياسيا و استمر كذلك إلى أن آزره ليستغلظ و يستوي على ساق الملك في النهاية مع دولة السعديين. تم ذلك في سياق متصل ابتدأ مع اكتشاف قبر المولى إدريس الثاني سنة 1437، الذي شكل انبعاثا لطموح قديم في الوصول إلى السلطة، فكانت دولة الحفيد الجوطي في فاس 1465م، و ظهور إمارة بني راشد شرفاء العالم بغمارة 1471م ثم ليبايع أبو عبد الله القائم بأمر الله السعدي على الجهاد بتيدسي سنة 1510.
كان للطريقة الشاذلية و طريقة أبي مدين الظهور في عهد بني مرين و عن طريقة أبي مدين تفرعت طريقتان كبيرتان هما طريقة الماجريين بآسفي و طريقة أبي زكريا الحاحي، و كلا الطريقتين كانت لها مساهمات في أحداث المرحلة خاصة مواجهة الغزو الأيبيري، أما الطريقة الشاذلية فقد انتهت إلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي (ت870هـ/ 1465م).
الاستقرار الطرقي:
برزت الطرقية في المغرب و رسمت ملامحها النهائية خلال القرن الخامس عشر، فقد طبع هذا القرن بالحضور المميز للطريقة الجزولية، إلى درجة جعل تصوف الشيخ الجزولي مرحلة فاصلة في تاريخ التصوف المغربي استحق أن يتخذ كمحدد مركزي في التحقيب لمراحل التصوف في المغرب، فيتم الحديث عن ما قبل المرحلة الجزولية و المرحلة الجزولية ثم ما بعد الجزولية.
لكن إشكالية التحقيب تبقى أمرا معقدا بنفس تعقد البحث في أصل التسمية؛ ذلك أن التصوف كممارسة إنما هو الإقبال على الله و الانقطاع للعبادة و هذا من صميم التدين المفروض بالكتاب و السنة، و هو موجود منذ عهد الصحابة و استمر مع التابعين و من سار على هديهم، وعليه فإن التطور الشكلي للممارسة و الذي أعطاها شكل الظاهرة الدينية ذات الأدوار السياسية و الاجتماعية القادرة على التأطير و الحشد ـ و هو ما لم يتوفر إلا بعد بروز التصوف المهيكل في إطار تنظيمات عرفت بالطوائف ـ يمكن أن يعتبر محددا لتطور الظاهرة ككل.
استطاع الشيخ محمد بن سليمان الجزولي (ت870هـ) تأسيس أول طريقة صوفية بالمغرب، فكثر أتباعه بشكل جعل طريقته أقوى طرق المرحلة، فكان لها تأثير في تسيير الشأن العام و تولت فروعها رعاية أمور الناس في أوقات الاضطراب السياسي، كما استطاعت زاوية الشيخ أبي محمد صالح رعاية شؤون الحج و تنظيمه بفضل انتشارها على طول طريق النسك المقدس.
إن الانتشار المستمر للطرقية كان سبيلا إلى تعزيز الاستقرار الروحي و المادي، ففي ظل الاضطراب السياسي و الضعف الاقتصادي و ما نتج عنه من تكريس حالة الخصاص لدى غالبية الناس، شكلت الزاوية بما توفره من خدمات التربية و الإيواء و الإطعام، ملجأ أمينا خاصة و أن خدماتها مضمونة الاستمرار ببركة الشيخ و مصونة بمكانته عند كل متغلب، يظهر ذلك بجلاء من خلال الإقبال المتزايد للناس على الصلحاء و اعتقادهم فيهم، و قد بلغت درجة الحظوة هذه تهديد مكانة السلاطين لدى العامة بشكل استدعى تخيير السلطان الغالب بالله السعدي (ت981هـ) للشيخ أبي محمد عبد الله بن حسين دفين تامصلوحت، إثر ظهوره بمراكش بخيارين لا ثالث لهما؛ "إما أن تخرج عني أو أخرج عنك" مما يظهر عدم الاطمئنان لحالة الإقبال التي لقيها الشيخ لدى أهل مراكش، و التي ووجهت من طرف السلطان بالتي هي أحسن .
يورد الناصري عند حديثه عن تحولات المائة العاشرة ثلاثة أحداث كبرى، أولها ظهور الفرنج و يقصد به نتائج الاكتشافات الجغرافية، ثم ظهور الترك و انتشارهم كقوة مهيمنة في العالم الإسلامي، ثم ظهور الأولياء و أهل الصلاح، و ما إشراكه للمظهر الأخير إلا انعكاس لحالة الانبهار بواقع الصلاح في المغرب، التي جعلته يصنف الانتشار الطرقي بالمغرب ضمن تحولات العالم الكبرى خلال القرن 16، لكن هذا الانتشار لم يكن كله على نفس المستوى من الصلاح، إذ لم تسلم الطرقية من بعض الانحرافات التي تسببت في القدح في الاتجاه الصوفي ككل، فبالرغم من كون محاربة البدعة كانت شغلا شاغلا لرموز التصوف فإن المجال لم يخل من "طوائف فاسدة".
المهدوية والتصوف و الشرف إذا، ثلاث ظواهر دينية طبعت تاريخ المغرب منذ المرحلة الوسيطية فتردد صداها داخل الممارسة الدينية و المظاهر الاجتماعية و السياسية، و ارتسمت من خلال تفاعلاتها ملامح ثقافة و هوية المغاربة.







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت