الحوار المتمدن - موبايل



هل الشيشان- إنجوش شعب قديم؟*

أمين شمس الدين

2017 / 10 / 8
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات



ربما كان الدكتور حسن بكاييف Hasan Bakaev أشهر المؤرخين الشيشان. وهو المستشرق، والكاتب، والكاتب الاجتماعي، والشاعر. مؤلف أكثر من 100 من الأعمال العلمية على إثنوجينيسيس (أعراق) الوايناخيين (الشيشان والإنجوش)، بما في ذلك تلك التي في موضوع واحد. وبجانب النشاطات العلمية البحتة، له باع طويل في الأنشطة الصحفية والأدبية. وكونه مؤلف العديد من المقالات التي يبرز من خلالها الانجازات العلمية في الدراسات القوقازية والدراسات الشرقية، له رؤيته لأكثر القضايا حساسية في التاريخ الشيشاني المثير للجدل.
تقدم د. حسن إلى مقابلة حصرية مع موقع بوابة نوخشي تشيو.

- دعونا نبدأ مع القضية الأكثر حدية، والتي غالبا ما تسبب الجدل في بيئة الوايناخيين وخارجها. هل الشيشان شعب قديم، بتاريخ يعود إلى آلاف السنين، أم أنه سلالة بشرية فتيّة؟
- إن العالِم العظيم، والمستشرق الكبير- وأقولها بكل فخر- معلّمي دياكونوف إ. م D’yakonov I.M. (عالم في اللغة السومرية وتاريخ الشرق القديم- المترجم) حدد ثلاثة أصول/ جذور للسلالات البشرية لأي شخص. والثلاثة مكونات العرقية، هي: اللغة؛ الأنتروبولوجيا (علم السلالات البشرية)؛ والتسمية الذاتية. وللإجابة عن سؤال حول عمر هذا الشعب أو ذاك، من الضروري تحديد ما أمكن من عمر هذه العناصر الثلاثة لمكونات جماعة عرقية.

تَعرِض لنا المقاربات اللغوية الحورية- الأورارتية- الناخية Hurrito-Urarto-Nakh languages قِدَم اللغة الشيشانية، وتسمح لنا أن نؤكد بثقة بأن عمرها لا يقل عن 4 آلاف سنة، لأن لغة الحوريين ظهرت كتابتها لأول مرة ما بين القرن الثالث والعشرين والثاني والعشرين قبل الميلاد. وعندما نتحدث عن التقارب بين اللغات الحورية- الأورارتية – الناخية، فإن الأمر لا يتعلق بمسألة وحدات لغوية متناثرة منفصلة، بل بلغة قائمة على نظام راسخ.

وبعبارة أخرى، فإن اللغات الناخية (الشيشانية- الإنجوشية- الباتسبية/ المترجم) تتوافق مع اللغات الحورية والأورارتية ليس فقط على مستوى الكلمات والأسماء الفردية فقط، ولكن أيضا على مستوى جمل كاملة، مما يشير إلى درجة قريبة جدا من القرابة. وأول من توصل إلى هذا التقارب هو عالم اللغات البارز يو. د. ديشرييف Desheriev Y. D. (الشيشاني). وكان ذلك في أوائل ستينيات القرن المنصرم. ثم تطور هذا الموضوع في كتابات ومؤلفات العلماء الآخرين.

جنبا إلى جنب مع الناخيين الآخرين ينتمي الشيشانيون وفقا لخصائص علم السلالات البشرية إلى النوع القوقازي. وحسب رأي عالم السلالات البشرية الروسي ف. ب. أليكسييف Alekseev F.B.، فالنوع القوقازي للسلالات البشرية تشكل في هضاب أرمينيا (بلد أسلاف الحوريين القدامى)، وذلك في العصر الحجري الحديث، أو على الأقل في وقت مبكر من العصر البرونزي.

حتى لو كانت حساباتنا لا تبدأ العد من العصر الحجري، ولكن من العصر البرونزي، نجد بأن نوع السلالات البشرية القوقازية لا يقل عمره عن 5500 سنة. ومع ذلك، فإن عالِم الأنتروبولوجيا السوفياتي البارز غ. ف. دِبيتس اعتقد بأن نوع السلالات البشرية القوقازية، وعلى نحو أدق، خصائص هذا النوع، تعود إلى إنسان الكرومانيوني (Cro-Magnon قبل 30-40 ألف سنة- المترجم)، أي إلى أقدم المجتمعات البشرية للنوع الحاضر.

والتسمية الذاتية الشيشانية ناختشيْهْ/ نُوخْتشي Nakhchoe/Nokhchi سُجلت لأول مرة كتابة في "الجغرافيا الأرمنية" ("أشخَرَتسويتز") Ashharatsuyts في القرن السابع الميلادي. ومع ذلك، ليس هذا هو أقدم تثبيت لهذا الاسم، لأنه على مدى قرون عديدة قبل كتابة التسمية في "الجغرافيا الأرمنية" ظهرت في تسميات القوقاز والشرق الأوسط.

في حوزتي خرائط للمناطق المذكورة، كانت قد جهزت لإرفاقها في "تاريخ أرمينيا" لـ هوفانيس دراسكاناكيرتسي (مؤرخ وكاتب أرمني) Iovannes Draskanakertzi (بداية القرن العاشر) من قبل الأكاديمي يريميان س. ت S.T. Eremyan، والتي ثُبّت فيها منذ العصور القديمة مواقع لثلاث مدن باسم ناختشيفان Nakhchevan – قرب بحيرة أورميا في (إيران الحالية)، مكان مدينة ناخيتشيفان الأذربيجانية الحديثة وقلعة في كاخيتي. وتجدر الإشارة إلى أن ناختشيفان أخرى لم يتم الإشارة إليها على خريطة يريميان س. ت.، والموجودة على أراضي تركيا الحديثة (وتحديدا ناختشيفان هذه تظهر في الدفاتر الشيشانية، والتي نشرها سيميونوف ن. عام 1895 كنقطة انطلاق لهجرة "قبيلة ناخ تشُو" في شمال القوقاز).

ولتقويم هذه الحقائق في كل أهميتها، من الضروري أن نذكر هنا رأي المستشرق والعالم الإنجليزيي الشهير مينورسكي ف. ف.، الذي أشار إلى أن جميع أسماء المكون "فان" في نهايتها ليست سوى من أصل التسمية الأورارتية القديمة "بِياني" biani ، "بان" بمعنى مدينة أومستوطنة، وبخاصية اثنية (عرقية). على سبيل المثال: كرديفان ("مستوطنة كردية")؛ جوردجيفان ("مستوطنة جورجية")؛ يريفان ( "مستوطنة إيرو")؛ شيروان (سابقا شروان – وهي المدينة التي ربطها الأكاديمي جواخيشفيلي إ.أ. I. Javakhishvili مع المجتمع الشيشاني "شاروي"، أي ("مستوطنة مجتمع شاروي"). وفي هذه السلسلة يتناسب اسم "ناختشيفان" ("مستوطنة ناختشي") ويبدو مقنعا. وبالتالي، لدينا أساس علمي جاد للتحدث عن آلاف السنين التي يتضمنها تاريخ ناخْتشيه/ نُوخْشي، حيث أن كل مكون من المكونات العرقية الثلاثة لشعبنا المذكورة أعلاه له تاريخ قديم للغاية.

- أثبت اللغويان إيغور دياكونوف وسيرجي ستاروستين التشابه بين اللغة الناخية وما بين اللغة الحورية-الأورارتية، الذي يرتبط مع الأساطير الشيشانية، التي تحكي عن أن أصل شعبنا هو "من الشام". ما هو الرابط برأيك بين الناخيين وما بين الحوريين- الأورارتيين، وعموما مع منطقة بلاد ما بين النهرين القديمة؟
- أولا وقبل كل شيء أود أن أشير إلى أن أسلاف إيغور دياكونوف وسيرجي ستاروستين في هذه التحقيقات كانوا كلا من ك.م. تومانوف (1913)، يا. براون، ج. أ. كليموف (1954)، ولغويُّنا البروفيسور يو. د. ديشرييف(1963) . أما بالنسبة للأساطير حول كون أصل الناخيين من الشام، فلَدَيّ رأيي الخاص في هذا الشأن. الآن، فتسمية الشام اسم ينظر إليه على أنه سوريا. ومع ذلك، ففي العصور القديمة لم تعني كلمة الشام أي بلد محدَّد، ولكن أرضا ما مقدسة، منطقة مقدسة تقليديا.
وعندما حدّثَنا آباؤنا في دفاترهم بأن أجداد الناخيين جاؤا إلى القوقاز من الشام، فإنهم عنوا بذلك أنهم جاؤا من مكان ما مقدس، أو أرض مقدسة. في رأيي، هذه الأرض المقدسة كانت تقع في أرض كنعان، ومركزها مدينة القدس الحديثة، التي أنشأها، حسب الكاتب والمؤرخ اليهودي القديم، يوسف فلافي، الهكسوس- الحُوريّون. ونعلم حسب المصادر التاريخية، المستندة إلى الكتاب المقدس (الانجيل)، أن القدس بقيت مدينة الحوريين حتى احتلالها من قبل الملك داود. ومع ذلك، أريد أن أوضح أن المهاجرين من الأرض المقدسة إلى القوقاز ليسوا جميع الناختشي (الشيشان)، ولكن جزءا منهم فقط. وهذا- موضوع آخر للحديث عنه.

- هل هناك أي سبب للاعتقاد بأن القدس كانت في الأصل، منذ عصور الحوريين، مدينة مقدسة؟
- نعم، هناك أسس لهذا الاعتقاد. فإذا أخذنا في الاعتبار قصة الكتاب المقدس عن أن إبراهيم دَفَع العشرية إلى الملك وكاهن القدس ميلشيزدك، وقَبِل نعمة منه. هذه الحادثة لا يمكن تفسيرها إلا في مفتاح واحد: هو أن ميلشيزديك، ملك وكاهن من الحوريين، الذين عاشوا في ذلك الوقت في القدس، وأعلن التوحيد، وكان مقدسا لدرجة أن إبراهيم دفع له عشرية القدسية التقليدية من غنائمه العسكرية وقَبِل بركاته.
ما من شك بأنه في ذلك الوقت كان هناك معبد في القدس، نظرا لأنه لا يمكن أن يوجد كهنة أو دين دون معبد، دون أماكن العبادة. لذا، فإن المعبد الذي بناه الملك سولومون (سليمان) في وقت لاحق من ذلك بكثير في القدس التي غزاها، لم يكن الأول، كما جاء وأشير إليه في الكتاب المقدس/ الانجيل، ولكنه كان الثاني وفقا لنفس الكتاب المقدس. أما المعبد الأول في القدس فقد بناه الحوريون.
دون الذهاب بعيدا في هذا الموضوع، أقول أن المعبد الذي بناه سليمان في القدس أيضا، وفقا للتفاصيل المعمارية يتوافق بدقة تماما مع المعبد الحوري- الأورارتي القديم في أردين Ardin (وهو معبد قَدَّسه الآشوريون كذلك). ووفقا لـ ب.ب. بيوتروفسكي، فإن معبد أردين تحديدا أصبح النموذج الأصلي من المعابد القديمة في اليونان وروما. ومع ذلك، ليس لدي أي شك في أن هيكل أورشليم كان، إن لم يكن نسخة طبق الأصل، فنسخة قريبة جدا من المعبد في Ardin (وهذا الاسم، بالمناسبة، يعني عند الناخيين والحوريين- الأورارتيين "المعبد"، "المقدس"). باختصار، هذا موضوع مثير جدا للاهتمام، ويخفي الكثير من قصص يكتنفها الغموض.

- ما هو جوهر اختلاف وجهة نظركم مع الباحث موسى باغاييف M.KH Bagaev في مسألة أصل الوايناخيين؟
- في النصف الثاني من الثمانينيات (القرن المنصرم)، نشرتُ باسمي، وكذلك بالتعاون مع سيد-حمزات نونوييف في إصدارات الجامعة وفي الصحافة المحلية لدينا، عددا من المقالات التي أثبتنا خلالها أن أجدادنا – هم حوريون- أورارتيون، الذين أتَوا إلى القوقاز من آسيا الأمامية (جنوب غرب آسيا). وفي أواخر الثمانينيات انتقد موسى هارونوفيتش في كلمته التي ألقاها في مؤتمر علمي رأْيَنا بشدة. أما م. خ. بغاييف فتمسك بذلك الرأي، وبقدر ما أعرف، لا يزال متمسكا به – أن أصل الناخيين متجذر في ثقافة كورا-أراكسك المحلية kura-araks (في وقت مبكر من القرن الرابع وحتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد). وأود أن أشير هنا بأن هذا الرأي شاطره أيضا علماء معتبرين مثل إ. م. دياكونوف، ب. م. مونتشاييف.
يعتقد الباحث جاباريدزِه Djaparidze وآخرون إ. م. دياكونوف Diakonov I.M. ، على أساس التقارب بين المعطيات الآثارية واللغوية، أن ثقافة كورا- أراكس kura-araks وأختها ثقافة kerbet-keraksk (Early trans-Caucasian cultures)، اللتان تغطيان مساحة شاسعة (المناطق الشرقية من شمال القوقاز وما وراء القوقاز، غرب إيران، تركيا، سوريا، فلسطين) أنشأها الوايناخيون، والداغستانيون، والحوريون- الآوراتيون. أي أن رأينا مع رأي الباحث س.-خ. نونوييف Nunuev S-H– هو أن أسلاف الناخيين هم الحوريون- الأورارتيون الذين نزحوا من آسيا الصغرى إلى منطقة القوقاز. أما الباحث م. خ. بغاييف Bagaev M.KH فيدافع عن الرأي القائل أن أسلاف الوايناخيين (الوايناخ) هم أولئك الذين أسّسوا ثقافة كورا- أراكس kura-araks الأثرية المحلية. وهذا هو، على وجه الدقة - جوهر خلافنا مع Bagaev M.KH.

- وماذا عن الوضع الآن؟
- أعتقد أن ثقافة كورا- أراكس أسسها الهندو- أوروبيون، ولم يؤسسها الحوريون، بل دمّروها في القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد. ينبغي بنظري، البحث عن مصادر السلالات البشرية الناخية تحديدا في التعايش بين السكان الهندو- أوروبيين القدماء (البيئة الأساس) مع السكان الحوريين القادمين. وأشير إلى أن صورة الهندو- أوروبية للقبائل التي أنشأت ثقافة كورا- أراكس، هو من حيث الفحوى موضوع لجهد تعاوني كبير بين الباحثين ت. ف. غامكريليدزه Gamkrelidze T.V وفياتشيسلاف إيفانوف . Ivanov V "اللغة الهندو- أوروبية والهندو- أوروبيون" (1984).
يشاطر المؤرخ الجورجي المشهور مِليكيشفيلي ج.أ G . A Melikishvili أيضا وجهات نظر مماثلة. وبذل المؤرخ وعالم الآثار رُوستونوف ف. ل. V.L Rostuno الكثير من الجهد في هذا الاتجاه، والذي قمنا معه بإصدار العديد من الأعمال حول هذا الموضوع. و رُوستونوف توصل عن طريق بحثه في المصادر القديمة إلى تحديد الدور الرئيس في تدمير ثقافة كورا- أراكس، وعزاه إلى التحالف القبلي الحوريّ أُولِّيف (أُولِّيبان) Ulliv (Ulliban) المذكور في النصوص السومرية- الأكدية. وبالمناسبة هنا، فإن أساس تسمية هذا التحالف هو كلمة أُولِّيه - "قُرْب، مجاور"، والتي لها نفس الصوت والمعنى في اللغة الحورية- الأورارتية واللغة الناخية بنفس الوقت.

- كيف يمكننا التأكيد على أنه كان هناك نوعا من الحظر على دراسة الفترة القديمة من تاريخ الشيشان خلال الحقبة السوفياتية؟
- أستطيع أن أقول أنه من لحظة التحاقي في الجامعة (1983)، درست المسائل التي تخص التقارب الناخي- الحوريّ- الأورارتيّ، ولم تكن هناك أي قيود أو حظر. وحاضرت حول هذا الموضوع أمام كثير من الطلاب، وشاركتُ في المؤتمرات العلمية في مدن محج قلعة، أوردجونيكيدزه (الآن فلاديكافكاز)، كراسنودار، وفي موسكو مرتين. لم تكن هناك أي قيود أو رقابة. الشيء الوحيد الذي صادفناه في هذا السياق أنه عندما قمت مع الباحث س. خ. نونوييف في توحيد موادنا البحثية في كتاب، في أواخر الثمانينيات، لنشر كتاب مشترك حول هذا الموضوع، اشترط علينا البروفيسور ف. ب. فينوغرادوف أن يقوم هو بتقديمه. ولكنه لم يتدخل في مضمون الكتاب.
بالطبع، هذا لا يعني أنه في ظل الاتحاد السوفياتي ازدهرت حرية التعبير، وغاب الحظرعن أي مواضيع في التاريخ. على سبيل المثال، أُوصِدت تماما أبواب دراسة موضوع نفي شعبنا لآسيا الوسطى في عام 1944؛ ولم يكن هناك أي ذكر لسلسلة من الانتفاضات المعادية للستالينية في الشيشان في العشرينيات والثلاثينيات (القرن المنصرم)؛ وفرض مفهوم زائف عن "طوعية" انضمام الشيشان إلى روسيا (توجد وجهات نظر متباينة حول هذه القضية- المترجم). و في وقت لاحق، في التسعينيات، اعترف البروفيسور ف. ب. فينوغرادوف علنا في صحيفة "عمال غروزني" قائلا بأنه تصرف بناء على تعليمات مباشرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي، ومكتب اللجنة الإقليمية المحلية .
كانت لي علاقة وثيقة مع البروفيسور فينوغرادوف، وكنت عضوا في ورشة عمل القوقاز برئاسته، لذا، فإنني أعرف القصة كلها جيدا بما فيه الكفاية، كما يقولون، من الداخل.
وهكذا، يمكننا القول أنه في الاتحاد السوفياتي، في بعض النواحي، كان هناك تدخلا وقحا من هياكل الحزب في الأمور التاريخية، بما في ذلك تاريخنا، وتشويه رئيسي له. ولكني أكرر أنه لم يكن هناك أي حظر على دراسة العلاقات الناخية- الحورية. و أبعد من ذلك، أقول: هذه المحظورات في ذلك الوقت، لم يكن بوسعها أن توجد من حيث المبدأ، لأن واحدا من العلماء الأكثر موثوقية، وأحد المستشرقين الكبار، وهو أ.ب. نوفوسيلتسيف A.B. Novoseltsev قام بنشر مقالا في عام 1985م. في المجلة الأكاديمية "تاريخ الاتحاد السوفياتي" بعنوان "أقدم الدول على أراضي الاتحاد السوفييتي. بعض نتائج ومهام الدراسة "، التي أشار فيها إلى أن الشيشان والإنغوش هم أقرب الشعوب الحالية إلى الحوريين- الأورارتيين.

- هل هذه القضية ملحة الآن، وما هي المشاكل التي يواجهها المؤرخون لدينا اليوم؟
- اليوم، سياسة التحكم والإملاء في روسيا الاتحادية في مجال التاريخ هي أكثر فظاظة وعدوانية مما كانت عليه في الاتحاد السوفييتي. تصاغ بعض القوانين الصارمة التي تشِل دراسة التاريخ، مع غطرسة وقحة، تفرض تزييف التاريخ بكل صراحة، على طراز "مأثرة الـ 28 بانفيلوف". وفيما يتعلق بالحالة في الشيشان، أنا أعيش منذ فترة طويلة في أوروبا، وبالتالي فإنه من الصعب عليّ الحكم على مدى الرقابة والمواضيع التي تخضع لها اليوم في الشيشان، ولكن ليس لدي أدنى شك بأنها موجودة. التاريخ هو دائما مرتبط بالسياسة أيضا حيث توجد الدكتاتورية السياسية و/ أو الأيديولوجية، ولا يمكن عندها أن لا تكون إملاءات في علم التاريخ كذلك.

{تبين لنا أولويات دراسة التاريخ ليس فقط في ماضي الشعوب، ولكن أيضا وضعها الآني، وفلسفة حياتها، وعلاقتها بالمستقبل}.

طالما دخلنا هنا في مجرى هذا الحديث، أعطي ملاحظتي حول حالة عِلم التاريخ في روسيا. إن الناس من جيلي يتذكرون كيف أن تاريخ الحقبة السوفيتية عموما نهض في عملية تطور تدريجي كمرحلة انتقالية من تشكيل اجتماعي واحد الى تشكيل بمستوى جديد، أكثر تقدما. وهذه النظرة إلى التاريخ اختفت في روسيا الاتحادية اليوم تماما. الآن التأريخ الروسي الحالي، على عكس الاتحاد السوفياتي، يقوم بتمجيد الماضي وليس المستقبل. وهذا أحد أعراض حقيقة أن روسيا لاتوجد فيها لا للشعب ولا لمبدعي الرواسم الإيديولوجية أي ثقة بالمستقبل، كما وليس هناك أي مشروع عالمي لروسيا الغد.
كما قال أحد الرجال الحكماء، يبدأ الإنسان العيش في ماضيه عندما لا يشعر بارتياح في حاضره، ويخاف من المستقبل. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الشعوب أيضا مع بعض التحفظات. يجب علينا أن نعرف أن التأريخ والأولويات في دراسة التاريخ تبين لنا ليس فقط الماضي ولكن أيضا حاضر أي شعب، وفلسفة حياته، وعلاقته بالمستقبل.

- فيما يخص المسألة الحرجة لشعوب القوقاز "القضية المتعلقة بالألن": في واحدة من أعمالكم تقدمتم بفرضية حول انتماء جزء من شعوب الألن إلى اللغة الناخية. هل ما زلتم تتمسكون اليوم بهذه الصيغة من الافتراض؟
- أنا لست متخصصا في ألآنيا Alania (دولة الألن في القوقاز- المترجم)، ولذا، فإنني لن أخوض في هذه المسألة. يمكنني أن أقول فقط أن وجود عنصر عرقي ناخيّ محدد بين الألن، لم ينكره أي أحد في أي وقت من الأوقات، لا في الحقبة السوفياتية، ولا الآن. النقاشات، حسب معرفتي، تدور حول من هي المجموعة العرقية التي كانت سائدة أو مهيمنة آنذاك في دولة الألن متعددة القوميات (الناطقة بالإيرانية، الناطقة بالتركية أم الناطقة بلغة الناخيين)؟.
أكرر مرة أخرى: توجد في الشيشان، في منطقة مارتان- تشو الكثير من سرداب دفن الموتى ألألانية. لماذا لا تُجرى الدراسات الأنثروبولوجية والجينية على بقايا الهياكل العظمية في هذه القبور؟ وهذا من شأنه إزالة العديد من الأسئلة عن المنظور العرقي للألن. في الحقيقة، يبدو لي الأمر التالي في غاية الغموض: شعوب الناخ، والأوسيت، والكراتشاي والبلقار، أي تلك التي تحمل صفة الأنثروبولوجية القوقازية، تشكل الشعوب المتنافسة الرئيسة على "التراث الألاني". كيف نفسر هذه الحقيقة؟ أنا لم أتلقى الجواب الشافي على هذا السؤال.

- في الفترةالأخيرة، وخلال دراسة التاريخ يُنتشر ما يسمى بـ علم الوراثة السكانية. وعلى وجه الخصوص، ثبت عن طريق هذه الأساليب وجود صلة وراثية بين الوايناخيين Vainakhs الحاليين وما بين الشعوب القديمة في آسيا الصغرى (الأمامية). كيف تنظرون حيال هذا البحث؟
- بالطبع، أعترف بالتوصيف التاريخي والأنساب وعلم الوراثة الجينية، ولكنني لن أتسرع بإعطائها صفة البيانات المطلقة، لأن السلالات البشرية – تنطبق عليها الجينات الوراثية جزئيا فقط، بينما الشيء الأساس في هذه العملية يكمن في المكونات الثقافية والتاريخية.
في أي اتجاه يسير الآن التأريخ الشيشاني؟ هل يجري العمل من أجل إزالة ما يسمى بـ "البقع البيضاء" في تاريخنا، وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي درجة من النجاح وصلت الحلول لهذه المشكلة ؟
من أجل إخراج علم التاريخ من وضع "المعرفة الصافية" إلى مستوى القيمة التطبيقية، ينبغي أن يصبح ذو أهمية عالمية، إضافة إلى أن يكون دعامة أنطولوجية (علم الكائنات وحقيقتها- المترجم) للمضي قدما. ولكن، وللأسف، وحسب ملاحظاتي، يهيمن على المجتمع الشيشاني اليوم مزاج مروع، وتغيب مشاريع مستقبلية هادفة، باستثناء بعض محاولات شبه علمية وبلا معنى تماما، متحذلقة، وشعوذة بعبارات محددة.
العالِم الوحيد الذي يرسم ويخط للشعب الشيشاني مفاهيم واضحة ومنطقية، تشدنا إلى الماضي والحاضر وإلى مستقبل أكثر تفاؤلا- هو جامبولات سليمانوف Suleimanov Dzhambulat. وعلى الرغم من أنني لا أتفق معه في بعض المواقف، أود أن أعترف، بأن فقط جامبولات سليمانوف تمكن من العثور على نموذج حياتي هادف "ثلاثي الأبعاد" للشعب الشيشاني، استنادا إلى وقائع وفهمها المنطقي، يجمع ماضيه وحاضره ومستقبله. وأشير هنا إلى أن نموذجا مماثلا لم يستطع أن يضعوه لا في روسيا ولا في العديد من البلدان الأخرى، بما في ذلك تلك، التي أكثر "تقدما".

- من المعروف أن الشيشان حتى القرن التاسع عشر عاشوا ضمن تشكيلة ديمقراطية عسكرية، التي سبقتها فترة معينة من النضال ضد الإقطاع. لماذا، على النقيض من الشعوب الأوروبية الأخرى، لم ينتقل الشيشان من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الدولة المركزية، بل تراجعوا إلى خطوة للوراء إلى مرحلة الديمقراطية العسكرية؟
- إنني على قناعة متزايدة بأن الشعب الشيشاني، الناخيّ وُجِدت لديه خلال تطوره التاريخي ليس دولة متقدمة جدا فحسب، ولكنه أيضا كان لديه تأثير كبيرا على بعض مناطق أوروبا وما وراء القوقاز وآسيا الصغرى. من حيث المبدأ، لايمكن اعتبار هذا الرأي رأيا "هامشيا"، بحكم أن العالِم الأبخازي، غورام غومبا (Guram Gumba)، يقترحه، ويبرره ببراعة، راسما حدود الدولة الناخية عند الألف الأول قبل الميلاد؛ من المجرى العلوي لنهر كوبان في الغرب إلى سلسلة جبال الأنديز في الشرق، ومن سهول القوقاز الأمامي في الغرب إلى كولخيدا Kolkhida التاريخية وكاخيتي Kakhetia في الجنوب.
وأشير إلى أنه في بواكير التسعينيات (من القرن المنصرم) نشرتُ العديد من الأعمال، التي في الواقع تُثبتُ نفس الشيء، ولكن بالاعتماد على مصادر أخرى (إعادة توطين زورزوق- ناخ Zdurdzuks-Nakh في منطقة "كارْتليس- تْسْخوفْريبا" (Kartlis-Tskhovreba)، وهي منطقة انتشار ثقافة كَبان والكفكازيون وkavkasion الأنثروبولوجية، وعلى أسماء أماكن الاستيطان الناخية القديمة في الأراضي المجاورة).

في رأيي، ونتيجة كارثة رهيبة شهدها الشعب الناخي (لدي بعض الأفكار حول هذا، ولكن لن أتطرق إليها)، تم تدمير دولة أجدادنا، وانكمشت منطقة عيشهم بشكل كبير. وحصلت "الطبعة الثانية" من النظام القبلي، بنية المجتمع العشائري الناخيّ. مثل هذه الحوادث معروفة في التاريخ. ووفقا لـ فريدريك إنجلز، في اليونان وروما القديمتين، بعد فترة من حكم الملك المستبد انتعشت بشكل مصطنع البُنيَات القبلية الديمقراطية (الجمهورياتية).
وفقا للأكاديمي يا. أ. جافاخيشفيلي Dzhavahishvili، جرت نفس هذه العملية في جورجيا: فقد تم في العصور القديمة إحياء النظام القبلي لتعزيز القدرات العسكرية للشعب. لذلك، فبالنسبة إلى الناخيين، فإن عملية إنعاش النظام القبلي أمر طبيعي جدا، ولكن الطبيعة العملية لهذا "الإصلاح" تتضح من حقيقة أن أسماء العديد من عشائرنا تحمل صبغة فنية "حرف يدوية" أو صفة "مناظر طبيعية". في رأيي، كان التنظيم القبلي تحديدا، وفي مرحلة الديمقراطية العسكرية، هو الذي ساعد الناخيين ليس فقط في البقاء على قيد الحياة كعرق بشري، ولكن أيضا في إستعادة أراضيهم السهلية التاريخية جزئيا.

- وفي تكملة للسؤال السابق، هل تتفق مع الصورة النمطية واسعة النطاق، التي تظهر أن الشيشان من حيث المبدأ غير مستعدين بعد لتشكيل دولة؟ وبأن الدولة بأي شكل لها، ينظر إليها الشيشان شعوريا على أنها شكل من أشكال الديكتاتورية؛ ولذا، فإن الشيشانيين يطمحون دائما إلى أشكال غير حكومية من التنظيم الاجتماعي؟
- أنا أختلف بشدة مع هذا الرأي، لأن الشيشان خلال 200 سنة الماضية، قاموا ثلاث مرات بتشكيل، أو بالأحرى- إعادة تكوين دولتهم، ولكن بسبب كون هذه الدول تشكلت وعملت في الحالات القصوى لحروب شرسة، لم يكن الأمر اجتماعيا بقدر ما كان عسكريّ التنظيم. ومع ذلك، فإن الشيشان حتى في العصر الحديث والمعاصر لديهم خبرة في الحياة العامة وبناء الدولة، وهذا شيء مهم جدا بما في ذلك من الناحية النفسية. لأنه، وبغض النظر عما يؤكده أعداؤنا على "عجز" الشيشان عن إنشاء دولة خاصة بهم، فإن تاريخنا يدحض هذا الهراء الشوفيني. الدولة القوية المسلحة، هي فقط القادرة على الصمود أمام الكفاح المسلح غير المتكافئ مقارنة بامبراطورية مجهزة بأحدث أنواع الأسلحة وبشكل كبير. دولة الشيشان ليس فقط استطاعت المقاومة والصمود في الحرب، ولكن أيضا ألحقت أضرارا بالغة بالامبراطورية.

- فيما يخص النظام العشائري، ما هو الدور الذي لعبه هذا النظام في الماضي، وماذا يعني في الحاضر؟ كيف نبرّر التأكيد على أن النظام العشائري كان بمثابة الفرامل التي كبحت تطور الشعب وازدهاره؟
- كل شعب في أي مرحلة من مراحل تطوره - بدءا من المراحل الأولى وحتى المراحل العصرية الأخيرة - لم تكن مجرد مجموعة أفراد وليست هي كذلك. كل شعب منظم بداخله. وإذا تناولنا الدول الغربية الرائدة في السباق الحضاري، فإنها لا تنظمها الأسرة أو الأسرة الزائفة فحسب، وإنما أيضا من قبل خلايا عامة أكبر - أي حزبية - أيديولوجية، أو إقليمية، وما إلى ذلك.
أي أنه عن طريق "القضاء" على العشائرية أو "إلغائها"، لا يمكننا تفتيت أمتنا تماما وتحويلها إلى نوع من الكتل الإنسانية الموحدة، لأن هناك حتما ستنشأ (وهي في الواقع موجودة لدينا اليوم) خلايا هيكلية أخرى - سياسية، مذهبية، إقليمية، طائفية.
من غير الواضح لدي، أو أنني أتظاهر بأنه غير واضح- لماذا بين كل هذه المؤسسات، تحديدا النظام العشائري، يشكل إزعاجا للجميع. في الواقع، شعبنا ملزم أمام عشائره وأمام التنظيم الديمقراطي العسكري الذي يستند عليها من أجل الحفاظ على الذات؛ ليس فقط من حيث المقاومة العسكرية للعدو، ولكن أيضا من حيث منع حصول عمليات الانصهار، لأن العشيرة تحتل مكان وسطي في نظام الإحداثيات التي تحسب بسرعة كبيرة أصول وجذور أي إنسان.
ولعل هذه الميزة العشائرية تحديدا- هو الشيء الذي لا يُرضي أشد المؤيدين المتحمسين لتدميرها. وإضافة إلى ذلك، فإن وجود العشيرة - هو علامة الأرستقراطية الروحية الباطنية للإنسان. حيث لم يكن أبدا للعبيد والأقنان أي عشيرة، ولا أبراج أوقلاع، أو نسب.

{لم يكن الناس في أي مرحلة من مراحل تطورهم، وليسوا اليوم، مجرد مجموعة أفراد}

- وفيما يتعلق بالوقت الحاضر، ألا تظنون أن الشيشانيين لا زالوا نفسيا يعيشون في العصور الوسطى؟ هذا لا يشير إلى مستوى التعليم – الذي هو مع كل ذلك جيد نسبيا، وفي البيئة السائدة من وجهة نظرنا نحو العالم - هو نوع من الرومانسية، وعبادة "الشهامة"، والتفاني البطولي على حساب التبصّر وحسن التقدير الذي يسوده الفتور؟
- وإن حصل وخسر الشيشان تقاليد الفروسية الجميلة والنبيلة، وعاداتهم المكتسبة منذ "القرون الوسطى"، ماذا سيحل بهم؟ شعب صغير سائر على طريق الاختفاء بسرعة بين شعوب عملاقة؟ مالذي سيميزنا عن غيرنا من الشعوب، وبأية ملامح هوية عرقية سنختلف؟ وإذا كانت عاداتنا وتقاليدنا القديمة قِدم العصور الوسطى لا تمنعنا من أن نكون متعلمين، ونكتب أطروحات علمية، ونبتكر آليات جديدة- فلماذا إذا علينا التخلي عنها؟!.
ترون كل يوم في الشوارع بعض الناس متبايني الألوان، لا صفات خاصة تميزهم، الذين سرعان ما ننسى وجوههم خلال لحظات، قبل اختفائهم عن الأنظار. في العالم الكثير من الناس، الذين يمكن مقارنتهم مع مثل هؤلاء غير المنظورين. ولكننا لا نريد أن نتحول إلى واحدة من هذه الشعوب بمواصفات موحدة؟ ومثالي هنا الذي لا يحتاج حتى أن أذكره- مثال منتشر عن اليابانيين، الذين يتعايشون بتقاليدهم القديمة "قِدم العصور الوسطى" في وئام مع أعلى الإنجازات في التقدم التكنولوجي، على الرغم من أن هذا المثال فيه إجابة بليغة جدا على السؤال المطروح.

- وآخيرا- هل تخططون لنشر أعمالكم الجديدة في المستقبل القريب؟
- أعملُ حاليا على كتابين علميين: أحدهما عن تاريخنا العريق (القديم)، والآخر عن تاريخ قريتي الأم جيخي Gekhi في سياق التاريخ العام للشيشان للقرون القليلة الماضية. وفي لحظات الراحة، أواصل العمل على تأليف كتاب عن مغامرات شاب شيشاني عصري، الذي وجد نفسه بأعجوبة في عصر ثقافة كوبان. وأعتقد أن هذا العمل "الخيال" مهم أيضا من حيث أنه يمَكّن القارئ أن يرى أجدادنا ليس عن طريق وحدات أثرية فحسب، ولكن أيضا كبشر أحياء.
ХАСАН БАКАЕВ/ ЭТНОГЕНЕЗ
http://nohchicho.com/interview/bakaev-interview/
------------------------------------------------------------------------------------------------
Хасан Бакаев: Подход к изучению истории показывает не только прошлое, но и настоящее народа*
الترجمة عن الروسية/ د. أمين شمس الدين داسي، 2017 تشرين أول







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | الخارجية الأمريكية: جولة لتيلرسون تشمل #السعو


.. أخبار خاصة | طفلة أردنية تستطيع الطيران على جهاز المشي متحدي


.. قريبا على فرانس24- تركمانستان : الدكتاتور وألعابه




.. حكومة إقليم كردستان ترحب بدعوة العبادي للحوار


.. هذا الصباح- التجارة الرقمية بمؤتمر -عرب نت- بالكويت