الحوار المتمدن - موبايل



الفكرة الحضارية عند حسن حنفي(2)

ميثم الجنابي

2017 / 10 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


فلسفة الاستغراب: رد حضاري أم تأويل لاهوتي؟


تشكل فلسفة "الاستغراب" التي حاول حسن حنفي تأسيسها، الاستمرار العجول لأخذ الراية التي رفعها ادوارد سعيد في نقد الاستشراق ودفعها إلى نهايتها المحببة أو "المنطقية. فإذا كان للاستشراق مقدماته التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية المتناغمة مع التطور الأوربي الهائل عبر نقل شعوب القارة من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي، فان دفع فكرة "الاستغراب" تتسم بانفصام مادي ومعرفي فيما يتعلق بالموقف من الغرب وحضارته، كما أنها لا تخلو من تقليد مقلوب ومحكوم بمركزية إسلامية لم تنضج بعد ولا نعثر حتى على براعم الظهور الأولي لمرجعياتها النظرية والعملية.
بعبارة أخرى، ان البديل الحضاري هو بديل فعلي فقط، أو انه بديل تاريخي وواقعي أولا وقبل كل شيء. بينما الانهماك بقضايا "الاستشراق" و"استغراب" بالصيغة التي نعثر عليها في اغلب الكتابات العربية المعاصرة، باستثناء ادوارد سعيد، هو هرولة دون وعي وراء التقليد الغربي الذي يجري نقده، وانهماك دون وعي في فلك الاهتمام الأوربي الغربي وضياع في تأويله. بينما المواجهة الحقيقية للغرب (الكولونيالي) هي مواجهة النفس أولا وقبل كل شيء، أي صنع وعي الذات العربي أو الاسلامي بالمعنى الثقافي وليس الديني. فالأخير لا يحرر بل يقيد، وأفضله تسطيح وتخريف للوعي النقدي.
وفيما يخص حسن حنفي، فانه ينطلق بهذا الصدد من أن مواجهة التغريب (النزعة الغربية) ضرورية، وذلك لان التغريب مَس كل معالم الحياة والفكر، وشوّه كل شي بما في ذلك اللغة . فهناك مساحة كبيرة من ثقافتنا المعاصرة، كما يقول حسن حنفي، تحولت إلى وكالات حضارية للغرب، وأصبحت امتدادا لمذاهب غربية لكل ما هب ودب وفي مختلف المجالات . بحيث أصبح التقليد والتكلف فيه والمسابقة في التقليد من معالم الإبداع. أما النتيجة فهي تحول التغريب الثقافي إلى موالاة سياسية للغرب . كل ذلك حدد الطابع الحاد والصارخ لقضية الهوية أو الأصالة. إذ وراءها، حسب تصور حنفي، تكمن "مشاكلنا الاجتماعية والسياسية لانها هي المشكلة الحضارية" . والسبب يقوم في أن معظم التيارات الفكرية العربية الحديثة اقرب إلى التغريب منها إلى الأصالة. إذ ليس التيارات الليبرالية والعقلانية فقط، بل وحتى حركات الإصلاح الديني ترى في الغرب نمطا للتحديث ونموذجا للتقدم .
حددت هذه الرؤية النقدية السليمة والعميقة أيضا حقيقة "الاستغراب" ومهماته النظرية والعملية. فحقيقة الاستغراب بنظر حسن حنفي تقوم في كونه "الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض للاستشراق". ومن ثم فان مهمته الأساسية تقوم في "فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر" . ذلك يعني أن "الاستغراب" لا ينوي بلورة تصور قومي للعلم أو نظرة قومية للحضارة، قدر ما انه يسعى لوعي بدء حضارتنا في مرحلتها الحالية، مرحلة الأحياء والتجديد والتطوير . وفي نهاية المطاف ليس "علم الاستغراب" سوى "الرد على المركزية الأوربية".
وقد حصر حسن حنفي "مهمات الاستغراب" في جملة قضايا أو اتجاهات عامة هي كل من القضاء على المركزية الأوربية عبر رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على أسطورة عالميتها، وان التراث الغربي ليس تراثا إنسانيا، بل فكر بيئي محض، وإعادة التوازن للثقافة الإنسانية، وتصحيح المفاهيم المستقرة عما يسمى بالحرب العالمية الأولى والثانية وما إلى ذلك لانها حرب أوروبية استعمارية، وإنهاء أسطورة كون الغرب ممثلا للإنسانية جمعاء وأنهم مركز الكون وقطبه .
إن النتيجة التي توصل إليها حسن حنفي بهذا الصدد تقوم في أن "الوعي الأوربي" قد قدم صور نمطية ومجحفة وعنصرية وخاطئة عمن غيره. فقد سعى إلى القضاء على الثقافات المحلية والنظر إلى التاريخ حسب رويته الخاصة فقط. وفي نهاية المطاف يكشف عن أن هموم هذا الوعي هو "نتيجة استلاب". والمهمة تقوم في تحرير النفس و"الوعي الأوربي" من هذا الاستلاب عبر صناعة ثقافة وطنية ناجحة. ومن الممكن بلوغ ذلك فقط في حال تحقيق السيطرة على الوعي الأوربي، اي احتواءه بداية ونهاية وبالتالي تقليل إرهابه، ودراسته على انه تاريخ وليس خارجه، وانه تجربة بشرية ومسار حضاري شأن غيره من التجارب، وردّ الغرب إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على عالميته، والقضاء على عقدة النقص . حينذاك ستبدأ "بداية فلسفة جديدة للتاريخ من ريح الشرق". وهو مؤشر على "انتهاء الاستشراق وانتهاء كونه مادة أو موضوعا للبحث" .
إن "لعلم الاستغراب"، كما يقول حسن حنفي جذوره الخاصة. بمعنى انه ليس "علما جديدا". فهو قديم. وأول بداياته بالنسبة للعالم الاسلامي هو اللقاء بالتراث اليوناني. فاليونان جزء من الغرب جغرافيا وتاريخيا وحضاريا. وقد مرت هذه العلاقة به بحالة النقل الحرفي، ثم النقل المعنوي، ثم الشرح والتلخيص، ثم التأليف بالوافد بالعرض والأعمال، ثم التأليف بالوافد في موضوعاته وموضوعات الموروث، ثم نقد الوافد، وأخيرا رفض الوافد . أما في المرحلة الثانية التي رافقت الحروب الصليبية، فانا نقف أمام صورة نمطية يقوم فحواها في قوة العالم الاسلامي وعظمته، بينما تميز الغرب بالجهل والتعصب. أما المرحلة الثالثة التي رافقت العصر الحديث فأنها تميزت بالتأثر بالغرب وتقليده. وبلغ ذروته فيما يدعوه حسن حنفي بالاستغراب المقلوب، مثل السعي لبناء ماركسية عربية، ونزعات مادية، ووجودية عربية معاصرة وما شابه ذلك . بمعنى الموقف من التراث بمعايير التجارب الغربية ومناهجها .
كل ذلك يضع مهمة مواجهة الخطر الحضاري للغرب، باعتباره أكثر الأخطار التي تهدد الشعوب الإسلامية. ومن ثم مهمة بلورة البديل الاسلامي. والمهمة الكبرى أو الغاية المباشرة لهذا البديل تقوم في "رد الحضارة الغربية داخل حدودها الطبيعية" ، و"القضاء على أسطورة عالمية الغرب بعد أن جعل نفسه مركز الثقل الحضاري في العالم". وآنذاك فقط "يمكن فك الحصار حول حضارات الشعوب غير الأوربية" . ولا يحقق هذه المهمة الكبرى غير "اليسار الإسلامي" بوصفه "تيارا فكريا حضاريا" . فاليسار الاسلامي "ليس مقولة سياسية، بل حضارية"، لأنه "يعنى بإبراز مواطن التقدم في التراث من عقلانية وطبيعية وحرية وديمقراطية" . وضمن هذا السياق "يمثل تحديا للحضارة الغربية وبديلا عنها "، وذلك لأنه "يدافع عن جماهير الأمة الإسلامية من داخلها" ، وبالتالي "تحجيم الغرب"، اي رده إلى حدوده الطبيعية والقضاء على أسطورة عالميته .
ذلك يعني، أن هذا اليسار الاسلامي الجديد هو حركة أصيلة "لا هي ماركسية جديدة، ولا هي ليبرالية ثورية، ولا هي حركات خوارج أو شيعية، ولا هي هرطقة قرامطة أو زنج"، كما يقول حسن حنفي. وفي الوقت نفسه "انه لا يمثل حزبا سياسيا، ولا يمثل معارضة حزبية، ولا يتوجه ضد احد"، إنما يرى "السياسة في ثقافة الأمة". وبالتالي هو ليس موجها "ضد حكومات أو أنظمة، انه لا يمثل اتجاها واحدا". فإذا كانت "الأمة لدينا أمتان: حكام ومحكومين، قادة وشعوب، علية وسفلة" فان "اليسار الإسلامي يركز على الطرف الثاني ويعبر عن الأغلبية الصامتة المقهورة بين جماهير المسلمين" . وبهذا المعنى فهو يقترب من الإخوان المسلمين بوصفهم إخوة في الله، ومن الماركسيين بوصفهم إخوة في الوطن، ومن الناصريين بوصفهم إخوة في الثورة، ومن الليبراليين بوصفهم إخوة في الحرية . كما انه يسعى للاستفادة من تراث الإصلاحية الإسلامية القديمة التي وجدت انعكاسها في ميادين مختلفة، عند ابن رشد في الفلسفة، وعند المعتزلة في الكلام، وعند ابن خلدون في التاريخ، وعند ابن تيمية في الفقه. كما يمكن الاستفادة من تراث الإصلاحية الإسلامية المعاصرة عند كل من محمد عبده والكواكبي وإقبال وشريعتي، وفي الحركة السياسية عند كل من السنوسية وثورة عمر المختار في ليبيا والمهدية في السودان وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وسيد قطب في مصر.
ذلك يعني أن هذا البديل الاسلامي اليساري ينبغي أن يقوم "بثورتين في آن واحد" كما يقول حسن حنفي. الأولى ومهمتها "تحويل الإصلاح الديني من الوعي الفردي إلى الوعي الاجتماعي"، والثانية "تحويل ثورة العقل إلى ثورة الواقع". وليس بإمكان أية قوى أخرى تحقيق هاتين الثورتين غير "اليسار الاسلامي"، بوصفه "مقولة ثقافية" تتمثل وتستمر بتقاليد "التراث التقدمي والثوري الإسلامي". والسبب يقومن في أن كل الاتجاهات الدينية وغير الدينية المعاصرة في العالم العربي لم تستطع تقديم البديل الحضاري الحقيقي للأنظمة القائمة. فحالما تستلم الأحزاب الدينية السلطة فأنها أما أن تحول الدين إلى مجرد شعار أو إلى "مسار يخفي مولاة الغرب والإقطاع العائلي ورأسمالية العشيرة"، ا وان يجري العمل بتقاليد ومفاهيم "التعصب وضيق الأفق وتكفير الاتجاهات التحديثية". أما بالنسبة للأحزاب والتيارات الغربية (الماركسية وأمثالها) والوطنية الثورية، فشلتا في تقديم البديل الحضاري. والنتيجة جلية في انقلاب الوطنية الثورية إلى ثورة مضادة، وعجز الماركسية الغربية عن تطوير التراث، رغم مساعيها لتجسيد نظام العدالة الاجتماعية. بينما وقعت التيارات الليبرالية في مستنقع الاستعمار الجديد.
كل ذلك يجعل من "اليسار الاسلامي" حامل البديل الحضاري الجديد. وهو بديل يدرك حقيقة الأهداف الكبرى وكيفية بلوغها. وقد حصرها حسن حنفي في خمس ألا وهي: "اشتراكية جماهير الأمة"، و"جعل القرآن أداة العمل الذي يفترض بدوره مهمة تفسيره الشعوري، اي جعل القرآن وصفا للإنسان وعلاقته بالآخرين ووضعه في العالم ومكانه في التاريخ، و"تحويل علم العقائد إلى أيديولوجية ثورية"، و"إيجاد الصلة بين الله والأرض والربط بين علم العقائد وثقافة الجماهير"، وأخيرا "إيجاد الصلة بين التوحيد ووحد الأمة" .
إن الخلل الجوهري في فكرة حسن حنفي عن الحضارة يقوم في فقدانها لأسس تاريخية أو فلسفية أو ثقافية، بمعنى أن فكرته الثقافية والحضارية هي مجرد "نقد" سياسي أكثر مما هي نقد ثقافي. فهي ليست قائمة على أسس دقيقة ومتجانسة، بما في ذلك في تحديد المفاهيم. وفي اغلبها مجرد أحكام جاهزة مستقاة في الكثير من جوانبها ليس من تحليل ماهية الحضارة العربية الإسلامية و"الحضارة الغربية"، بل مما هو جاهز في الدراسات الغربية نفسها. إذ إننا لا نعثر عنده على تحديد دقيق لماهية "الحضارة الغربية" و"الحضارة الأوربية" و"الوعي الأوربي" و"العقل الأوربي"وما شابه ذلك. إضافة لذلك، إن اغلب المصطلحات التي يستعملها ليست مدققة ولا محققة ومن ثم ليست دقيقة من حيث حدها وحقيقتها، كما هو الحال بالنسبة لمفاهيم الحضارة والثقافة، ومصادر الوعي الأوربي، ومصادر المعرفة الأوربية، وتجريب العقل الأوربي لكل شي، والحضارة الطردية، والابتعاد عن المركز. ليس هذا فحسب، بل وتتداخل هذه المفاهيم في مقارنات سطحية مع "الحضارة الإسلامية". بعبارة أخرى، إن هذه المقارنات ليست منهجية بحد ذاتها. فافتراض وجود "حضارة غربية" يستلزم مقارنتها بأخرى "شرقية"، أو وجود "حضارة إسلامية" يفترض مقارنتها بمقابل ديني آخر، وفي الحالة المعنية "حضارة نصرانية". وذلك لان إدراج كل تراث القارة الأوربية في معارضتها "للإسلامية" يفترض القول "بحضارة نصرانية". وإذا كانت النصرانية جزء من الأولى، فان الإسلامية جزء من الثانية. وهذه كلها أحكام تميع خصوصية الحضارات بالمعنى التاريخي والثقافي والعقائدي. ذلك يعني أن حسن حنفي ليس دقيقا في تحديده لمفهوم الحضارة الأوربية، كما انه يخلط بين مكونات مختلفة وعديدة ومراحل تاريخية متباينة من حيث أصولها وجذورها ومرجعياتها الفكرية والمنهجية والعقائدية. ونفس الشيء يمكن قوله عن "العقل الأوربي" و"مادية الوعي الأوربي". ومع انه يتكلم عن مصادر مختلفة "للعقل الأوربي" إلا انه يرجعه إلى التقاليد الرومانية فقط. والرومانية بالنسبة له المادة والركض وراءها. ومن هذه الأحكام العامة يستنتج ما يدعوه "بمادية الوعي الأوربي". ومن هذه المقدمة يستنتج بان هذا العقل أدى بدوره إلى الاقتتال، ومن ثم تحول حب المادة إلى استعمار خارجي. وبالتالي، فان "الكولونيالية والعنصرية الحضارية هي نتاج العقل الأوربي المادي".وهو تفسير أيديولوجي مبسط. إذ كيف يمكن تفسير الحروب الأخرى في كل مكان وعلى امتداد التاريخ؟ والتاريخ العربي الاسلامي والإسلامي العام؟ فهو أيضا توسع (فتح) وغزو واقتتال دموي شرس لم تخل منه مرحلة من مراحل المسار التاريخي للحضارة العربية الإسلامية. وفي الإطار العام يمكن القول، بان حسن حنفي يتبع هنا بصورة غير نقدية بعض ما هو متداول في الأبحاث التاريخية المسطحة "الغربية والشرقية" على السواء من الحضارة الرومانية. وأين اليونانية بوصفها مصدرا؟ فهل كانت تتمتع بعقل مادي؟ والتراث الإغريقي كان على الدوام الأكثر تأثيرا بمختلف التيارات الفكرية بما في ذلك النصرانية. ثم أن تاريخ النصرانية هو تاريخ الروح والزهد والرهبنة واحتقار "العقل المادي". بل أن العلاقة بين عالم الإسلام والعالم النصراني وبالأخص منذ الحروب الصليبية كان يقدم مادة أخرى متناقضة ومعاكسة. فقد جرى تصوير الإسلام من جانب النصارى آنذاك على انه عالم اللذة والمادة وانعدام القيم الأخلاقية المتسامية وما شابه ذلك. وبالعكس نظر المسلمون إلى النصارى آنذاك باعتبارهم نموذجا للتخلف المادي والعقلي والعلمي. ووجدوا في ذلك دليلا على ضعف الروح الأخلاقي المتسامي والعقل السليم. من هنا هيمنة الأفكار والأحاديث المتعلقة بنفي ونقد الرهبنة، وبالمقابل الدعوة للتلذذ بالحياة، وان الله يريد بالناس اليسر لا العسر، وان الحياة الدنيا طريق إلى الحياة الأخرى، وأن الإنسان ووجوده ليس خطيئة بل هبة إلهية عظمى. ومن يقرأ تاريخ الخلفاء بوصفهم "ظل الله في الأرض" سيرى حجم "العقل المادي" المرعب بما في ذلك بمعايير المعاصرة وثرواتها الفاحشة.
والشيء نفسه ينطبق على ما اسماه "باكتمال الوعي الأوربي" في مراحله المتنوعة وانتهاءه بالكوجيتو، أي حالة الانتقال من "الأنا أفكر إلى الأنا موجود". أما في الواقع، فان هذه الصيغة وأمثالها لا تتعدى كونها مجرد تأثر بالترجمات والمنشورات المتعلقة بالثقافة الفرنسية التي غزت مصر والمغرب الكبير. بمعنى أنها لا تعكس ولا تعبر عن المسار المعقد للتاريخ الأوربي. وعموما إن إرجاع التطور الثقافي المعقد المميزة للقارة الأوربية على امتداد قرون عديدة لفكرة أو شخصية فلسفية أيا كان وزنها، يعكس النزعة المنهجية الضيقة أو التسطيح المترتب على إعجاب عابر أو تأثر شخصي. ولا تخرج الرؤية "الإسلامية" أيا كان شكلها ومحتواها عن هذا الإطار. بل أنها رؤية تطبع، بأشكال مختلفة ومتناقضة، اغلب التصورات والأحكام العربية الفكرية المعاصرة عن الثقافة الأوربية. وبالتالي، فان ما وضعه حسن حنفي عن مراحل تطور "الوعي الأوربي" و"العقل الأوربي" و"اكتماله" هي صيغة شكلية وغير دقيقة ومبتسرة ومتناقضة ولا تفهم حقيقة ما جرى. أنها تؤرخ لرغبتها النقدية لا غير. فاعتبار العقل بؤرة الوعي الأوربي، ومن ثم التوصل إلى اكتماله وانغلاقه بسبب "تجريبه كل شيء"، هو تناقض لا يحله عقل، باستثناء "العقل اللاهوتي". وهو ليس عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل نفسية خطابية محكومة بمسلمات عقائدية مسبقة. إذ من العبث الحديث عن نهاية للعقل، لأنه لا نهاية له. وليس مصادفة ألا نعثر عند حسن حنفي على أية إشارة أو تحليل لمفهوم وفكرة وفلسفات وعي الذات الأوربي (التاريخي والثقافي والقومي). وضمن هذا السياق يمكن تذليل الأفكار المسطحة عن "نهاية" و"موت" الحضارة الأوربية والثقافة، كتلك التي قال ويقول بها بعض الفلاسفة الأوربيون المحترفون بهذا المجال. وكما يقال فان الرجال بالحقيقة وليس بالعكس. إضافة لذلك، إن كل الأفكار بهذا الصدد، أيا كان حجم التدليل والتفسير والتأويل تبقى في نهاية المطاف جزء من منظومة وعي الذات الأوربي الثقافي والحضاري وليست حكما خارجيا أو مطلقا عنها.
إننا نقف هنا أمام صيغة تحيل بعض أحكام المعاصرة المفهومة بطريقة أيديولوجية على كل "التاريخ الأوربي"، و"الحضارة الأوربية" و"الغربية".بينما يحتاج كل مفهوم هنا إلى تدقيق بمعايير التاريخ والثقافة والقومية. أما نقد "الحضارة الغربية والأوربية" بالصيغة التي يتبعها حسن حنفي، بما في ذلك فيما يسمى "بعلم الاستغراب"، فانه يعكس بدون وعي اثر "الحضارة الأوربية" و"غزوها الثقافي" وهمومهما الدفينة في فكره وتفكيره. بمعنى أنه لم يستطع الخروج من هموم وأثر الثقافة الغربية التي يتناولها بالتأويل والنقد. وذلك لان كل ما يضعه بعبارات موت الحضارة الغربية واكتمالها وما شابه ذلك ليس جديدا ولا حتى عميقا مقارنة بما نعثر عليه في بعض مدارس الفلسفة الثقافية والحضارية الأوربية الحديثة والمعاصرة. غير أنها هناك هي جزء من رؤية نقدية ومنهجية تتراوح ما بين فكرة الدورة التاريخية (ولادة وحياة وموت) وأصالة الحضارات التاريخية وطابعها الفريد. فالحديث عن "غروب" أوربا وأفولها وموتها ليس جديدا ضمن سياق الفكر الاسلامي الحديث، كما هو جلي عند حسن البنا عن دوران الحضارة، بوصفها حركة البدائل، و"العصر الذهبي للإسلام" وما شابه ذلك من أوهام الأحلام التي ميزت بعض أمزجة التأمل الفلسفي منذ القدم.







اخر الافلام

.. أخبار عربية وعالمية - دبلوماسي كوري شمالي: امتلاك سلاح نووي


.. أخبار عربية - -سوريا الديمقراطية- تعلن تحرير مدينة الرقة بال


.. حصري - بعد نجاته بأعجوبة.. صحفي صومالي يتحدث عن تفجير مقديشو




.. اخبار رياضية - رقم قياسي بالمشي على الحبل في الروشة


.. خريجو جامعات يديرون مطاعم متنقلة في شوارع بغداد