الحوار المتمدن - موبايل



ترميم الصورة _فصل جديد من روايتي (حين يحزن القمر)

عباس علي العلي

2017 / 10 / 10
الادب والفن


أول برقية وصلت فيها جملة من الأخبار السارة...
المصدر_ البصرة_ أبي الخصيب _6-8-1978
الجهة_كربلاء_ المكتبة العامة_كريم حاتم نايف الموجد
السلام عليكم...
راجعت طبيب الأذن والحنجرة..أخبرني أن العملية بعد خمسة أيام، مضمونة النجاح... عمي أبو سامر منحني مبلغ سبعة عشر ألف دينار من أرثي من سامر..اليوم سأذهب إلى طبيب نفساني كان زميلا وصديقا لسامر... الأرض التي مررنا بها جنب مكبس التمور نصف ملكيتها لي وبسند طابو...أفكار كثيرة تتجاذبني ولكنني سأركز على الأهم... تحياتي ومحبتي للجميع عندك..... أم شمس..(عنوان الجواب) البصره_أبي الخصيب_ثانوية أبي الخصيب للبنين_ليد الأستاذ عامر عبد الحميد النجار.
مكتب أبي الخصيب 6-8-1978.
الغريب في البرقية أنها ذيلت بأم شمس وهي التي كانت تبتعد كثيرا عن الأسم هذا لما يثيره من ألم نفسي لها، شمس الطفل الذي لم يكمل السنتين من عمره خر سريعا كنجم أحكمت عليه الظروف أن يغادر السماء بصحبة والده دون أن ينتظر حتى رؤية وجه أمه، حادث مروع أدى ومن غير كل الركاب الذين كانوا في السيارة أن يرحلا بدون وداع، قد تكون قد رأيت بعينها الزوج وهو ممدد على سرير الأحتظار ولكن وليدها كان جثة باردة حين وصلت، لم تستطيع أحتظانه وتقبيله للمره الأخيرة كما يفعل الأخرون عند الوداع، جسده الصغير الطري تمزق من شدة الأصابة المباشرة وهو جالس في حضن والده حيث ضربت سيارة نقل كبيرة الجهة التي يجلسان فيها..
المهم ومن الجميل أنه الآن قادر على التواصل معها مع هذه الأخبار المفرحة، ليست مفرحة فقط بل أشبه بالمعجزة حين تسقط من السماء، كنت أفكر أن أقترض قرضا أو أستلف مبلغا من المال لتسديد ما تحتاجه من علاج ومصاريف أخرى، العجيب أنني كلما أبتعد عن فكرة الأحتمالات الغير متوقعة وفرضية الفرص المدهشة أجدني أمام واحدة تخرس لي كل فرضياتي السابقة، فلم يعد لي ما يشجع بوجود قانون جامد في الحياة يتعامل مع الوجود كمعادلة رياضية محكمة.
سينتظر أنتهاء الدوام ليذهب إلى مكتب البريد ويرسل جوابا من المؤكد أنه سيصل غدا، البرقية التي وردت كانت بتأريخ الأمس وهذا يعني أن هناك فرق يوم واحد بين الإرسال والتسليم، بإمكاني أن أخبرها أن يوم الأثنين القادم سأكون معها في المستشفى لأجراء العملية، ليس دعما فقط بل تشجيعا لها على أن تواصل الطريق بلا تردد، سأمنح نفسي أجازة أجبارية إن لم يمنحني مديرة المكتبة يومان فقط هما مسافة الطريق ذهابا وأيابا، أنقضت تسعة عشر شهرا وأنا أبحث عنها في كل مكان لم تتركني تلك الأيام في شوق مثلما فعل هذا الأسبوع من الغياب... قد أكون في بحثي عن غيابها كمن يبحث عن ظل في غياب النور ولكن الآن أبحث عن أصل الظل والشمس مشرقة.
في زمن الوجع تكون الكتابة حرية وجزء من العلاج حيث يستوجب الحال أن لا نبقى صامتين نلتهي بالذكريات أو نتشبث بلحظة حلم ضائع، هكذا قرر أن يبدأ مشروعه التالي لعلها تكون رواية أو سيرة ذاتية تؤرخ لمرحلة هامة من تأريخ شخصي، أو ربما جزء من ذكريات مدينة أو مرحلة عاشها الإنسان متأزما بوجوده ولربما أخطأت الأقدر صياغته، الأحداث التي مرت في السنين الأخير في حياته تمثل مفصل من حياة مجتمع وإن تشابهت الأحداث أو تخالفت.
ربما تكون الأحلام بحلاوتها وسهولتها قيدا للإنسان وربما تكون الحقيقة بمرارتها وصعوبة القبول بها هي الحرية بكمال تصوراتها، من المؤكد أيضا أن التجربة حين تكون محل إلهام توقع أن تكون إبداعا خارج حدود المألوف، الأفكار التي تتراكم في الذاكرة عن كيف ومتى تبدأ ستنتهي في لحظة ولادة أول حرف ليكون البداية لمسيرة لا تنتهي حتى بعد الفناء، كانت تلك العناوين هي خطوط أساس لمشروع بنائي يحتاج فقط إلى قارئ متميز في أنتقاء الحدث وربطه بعمارة بنيوية لتولد حكاية قمر حزين في وسط سماء لم تعد صافية كما كنا نتوقع.
من تجربته السابقة بالكتابة أكتشف كريم أن الأفكار لا يمكن تطويعها دائما لتصلح للهضم دونما أن ترافقها جمالية مصنوعة بمهارة، الكتابة تشبه أعداد وجبة غذائية لذيذة عمادها الذوق الرائع وإن كانت المقومات واحدة، هذه الملاحظة أكتشفها عندما عاد لقراءة ما كتبه سابقا برغم قيمتها الفكرية لكنها كانت جامدة وحدية تشبه الطعام المعد بالمختبرات التخصصية فهو غني ولكنه ليس لذيذا بما يجعل القبول عليه متوفرا.
أنهى كل شيء في العمل وتوجه إلى مكتب البريد ليبرق لسميرة أخباره وعزمه على السفر، لا شيء يمنعه الآن أن يكون قريبا منها ولعله سيكون أول من تسمع صوته بعد العملية، أختتم برقيته بنيته كتابة ما يجول في ذاكرته من أحداث ليؤطرها برؤية خيالية أو ربما سيتعمد الترميز كي لا تثير عليه أسئلة أو تربك طريقه الجديد، سيكون لي قمري الخاص في سطور ما أكتب لينافس شمسا لم أدرك خيطوها، كان هذا تلميحا ذكيا منه قد يوقظ فيها شيء من أمل.
عاد إلى المنزل محملا بعزيمة على أنجاز ما وعد نفسه من تحدي جديد، رواية (حين يحزن القمر) تلك العبارة التي قرأها في مقطوعة شعرية أثارت في نفسه الحنين إلى أيام السرداب ليستطلع العالم من قلبه، هناك حيث العزلة والهدوء وشيء من الرومانسية الخيالية وهو يسرح بأفكاره بعيدا عن ضوضاء المكتبة أو ضجيج المقاهي، أعاد كل شيء كما كان، يحمل الأن أوراقا بيضاء تتهيأ هي الأخرى إلى رحلة في الشعور واللا شعور حيث تستوعب كل ما يكتب كأنها تشاركه المهمة.
البداية كانت من أخر رسالة بينهما قبل تلك الليلة المشئومة التي ضيعت بقتامتها كل أثر لسميرة، الرسالة وموضوعها بقيت تتردد في تلافيف مخه ولا ينسى أنها كانت بداية لمرحلة خطط لها أن تكون مشروعا تمتزج فيها الطبيعة البشرية للإنسان، كونه كائن يحمل في تكوينه سلاسل من مشاعر وكتل من إحساس بالروح حين تتحرر من الخوف، أو حين تقتحم الواقع بخطواتها لتعلن على الملأ أن الحياة بمجملها فرصة يتيمة لا مكان فيها للتفريط ولا الإفراط، وبين حياء تقليدي حين تكون الرؤية غير واضحة بالشكل الذي يحسم الأمور لنهايات مقصودة.
كان الجواب الذي عاد منها لا يحتمل التأويل كما لا يحتمل الجزم التام بالموافقة أو حتى التأجيل ناهيك عن أحتمال أن يكون ذلك نوعا من التمنع المبرر أو الرفض العقلاني ( عزيزي أيها المجنون... الصياد الذي يبحث عن فريسة ليصطادها وقبل أن يحمل سهما ويذهب للبراري عليه أن يتأكد من عدة الصيد وسلامة الرؤيا... ربما يقع في فخ أو يكون فخا لصائد أخر... الخطوات المحسوبة والمتقنة واحدة من مبادئ الصيادين المهرة..... أجمع أوراقك وأكتب شعرا فقد تجد أحدى فرائسك تختبئ بين الحروف عند ذلك سيسهل عليك الأقتناص من قرب.... عزيزتك المجنونة).
الضبية التي أختفت بين الأحراش
ستظهر ثانية عند نبع الماء
سأنتظرك
خلف الشجرة الكبيرة
أو بين تلك الصخور الوعرة
فقد أتقنت الصيد بأحلامي
حين جلست أقرأ أناشيد الحرية
في معبد عينيك
تعالي لك الأمان
أعترف لك أني صياد
مستجد
وأنت من أغرتني بالسهام
هذه الرسالة الوحيدة التي لم تقرأها سميرة ولم تعلم أن السيد المجنون قد كتب لها شيئا، ما زالت الرسالة تحتفظ بألقها ولعل هناك فرصة قادمة لتقرأها على مهل، هكذا بدأت إنثيالات الكاتب تنهمر على سطح الورق الأبيض لتجعلها حدائق من ياسمين في الغالب....







اخر الافلام

.. بوكس أوفيس| تعرف على إيرادات السينما الأمريكية لهذا الأسبوع


.. دردش تاغ - ما رأيكم في الأفلام المستقلة؟


.. مهرجان الفيلم العربي بواشنطن يدخل عامه الثاني والعشرين




.. ا?سرة «الخلية»:النقيب عمرو صلاح شهيد «الواحات» دربنا علي موا


.. الفنانة أروى تتحدث عن غنائها باللون الشعبي